خطايا حسني مبارك السبع.. دروس للمستقبل من الماضي القريب | هاني عمارة

خطايا حسني مبارك السبع.. دروس للمستقبل من الماضي القريب | هاني عمارة

28 Feb 2020
هاني عمارة دقائق.نت

هاني عمارة

باحث في جماعات الإسلام السياسي والتراث الإسلامي

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

كشأن الكثيرين، أفجعتني وفاة الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك بشكل لم أتوقعه؛ ربما لأن مبارك يحتل جزءًا كبيرًا من وعي جيلي وذاكرته منذ أن تفتحت أعيننا على الدنيا.

نظرتي في العموم لمبارك إيجابية. كان ولا يزال لدي انتقادات على سياساته، لكنني أقر له بالوطنية والكفاءة في العموم.

أدركت كغيري بعد تداعيات يناير 2011 أنه كان أفضل مما تخيلنا، وأنه تعرض للمبالغة في تشويه فترة حكمه في موجة الثورة التي أطاحت به بعدما قاد مصر في مرحلة دقيقة تجنب فيها المغامرات العسكرية والسياسات المتهورة. حفظ لمصر مكانتها دوليًا، ومارس جهود إصلاح اقتصادي داخليًا ظهرت ثمرتها في آخر 10 سنوات من حكمه. لكنه كأي حاكم يبقى في الحكم لفترات طويلة، تتراكم أخطاؤه الصغيرة وربما تتحول كوارث.

غير أن ما يعنيني هنا الاخطاء ذات الأثر المتراكم الذي يمتد تأثيرها لما بعد تنحيه. وهي بنظري سبعة أخطاء أساسية اذكرها كتذكرة للحاضر والمستقبل ومن يهمه الأمر، لا محاكمة له ولا انتقاصًا منه.

    1- حماس وأنفاق غزة 

بذل حسني مبارك جهودًا في تحريك عملية السلام على المسار الفلسطيني الإسرائيلي منذ انتفاضة 1987 وحتى اتفاقية (غزة – أريحا أولًا) وتكوين السلطة الفلسطينية التي تولتها حركة فتح.

لكنه – بالمقابل – لم يدعم فتح بما يكفي لتمكينها في مقابل حماس ذات الولاء الإيراني الإخواني المعادية لمصالح مصر الإقليمية.

أبرز مظاهر التقصير كانت الاستهانة بمسألة أنفاق التهريب بين مصر وغزة رغم شكاوى إسرائيل من جهة وحركة فتح ذاتها من الأخرى، بخلاف بعض الجهات الداخلية التي أدلت بشهادتها بعد تنحي مبارك.

بعض السياسيين نسبوا إلى مبارك قوله إن الإنفاق لا تحمل خطورة ما دامت تهرب السلاح إلى إسرائيل. الإعلام الرسمي المصري وقتها علق على اتهامات إسرائيل في مسألة الأنفاق بنوع من السخرية، باعتبارها مجرد ذريعة إسرائيلية.

حتى تجلى الأثر الخطير للأنفاق في قضيتين:

الأولى: سيطرة حماس عسكريًا على قطاع غزة كنتيجة حتمية لتوالي تهريب السلاح لصالح الحركة والفصائل الموالية.

الثانية: وهي الأخطر، التي ظهرت جليًا بعد 2011 من استخدام الأنفاق في تهريب الأسلحة والإرهابيين إلى مصر. وبسببها عانت مصر من ويلات الإرهاب، وفقدت الكثير من الجنود في الحرب على الإرهاب في سيناء.

في شهادته الأخيرة أمام محكمة مصرية، اعترف حسني مبارك بخطورة الأنفاق، وقال إن مصر حاولت إغلاقها، لكنها واجهت صعوبات بسبب إطلاق النار من داخل قطاع غزة، ما قد يشير إلى أن التحرك تأخر حتى استفحل أمل الأنفاق.

الغريب أنه رغم هذا، ظل مبارك وحتى نهاية حكمه متهمًا إعلاميًا بحصار غزة.

    2- المواءمات السياسية مع الإرهاب 

في إحدى خطاباته، انتقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تخاذل المسؤولين في مصر طوال 40 سنة في مجابهة الإرهاب، وتركه يتوغل مجتمعيًا في إطار “المواءمات السياسية” على حد تعبيره

السيسي كان يقصد تحديدًا فترة حكم مبارك. والمواءمات بدأت منذ حرب أفغانستان، بغض الطرف عن تهريب الإسلاميين المتطرفين للجهاد هناك، وبعضهم خرج من فترات سجن في قضايا إرهاب، والسماح بدعمهم ماليًا ودعائيًا، بخلاف لعبة المد والجزر التي مارسها مبارك مع تنظيم الإخوان من استخدامه في المساومات الدولية، والسماح له بالعمل تحت الأرض دون أن يأخذ شكلًا قانونيًا، مع ترك الساحة الاجتماعية مفتوحة أمامهم للتوغل ونشر أفكارهم، ليحلوا مكان الدولة في العمل الاجتماعي والخيري، دون تقدير لخطورة الأمر.

    3- تمكين الحزب الواحد 

اعتمد حسني مبارك في إدارته للسياسة الداخلية على مبدأ الحزب الواحد، وجعل نفسه رئيس الحزب الوطني، ما أضعف الحياة السياسية وأخل بتكافؤ الفرص بين الأحزاب، ولم يهتم بدعم المعارضة المدنية في مواجهة الإسلام السياسي.

في النهاية، لجأ الحزب الوطني إلى تزوير الانتخابات النيابية بشكل صريح في انتخابات 2010، في ظل انتشار الفضائيات والإنترنت، لتصبح أحد أهم اسباب موجة الغضب ضده في يناير 2011.

    4 -تراجع الخطاب المصري 

في عصر مبارك، شهد الإعلام العالمي طفرة بانتشار الفضائيات والأقمار الصناعية وشبكة الإنترنت. مبارك تنبه مبكرًا فأطلق القمر المصري نايل سات متبوعًا بسلسلة قنوات النيل المصرية. لكنها افتقدت القدرة على منافسة الإعلام الإقليمي – خصوصًا الجزيرة القطرية – والقنوات الدولية مثل بي بي سي.

من أسباب خسارة المنافسة غياب الاحترافية، وغلبة البيروقراطية على المؤسسات الإعلامية، وعدم تبني الدولة لأيديولوجية تخاطب المجتمع العربي والعالمي ينظر لها مثقفون وكتاب ومتحدثون مجيدون.

    5- غياب الحلول الجذرية 

رغم تنبه حسني مبارك لكثير من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية مثل تحرير الاقتصاد، ورفع الدعم الحكومي، والزيادة السكانية، لكن سياساته لم تكن حاسمة.

 في ملف السكان، اكتفى بالحملات الدعائية دون قرارات أو إجراءات علاج حاسمة. تباطأ في ملف رفع الدعم خوفًا من الغضب الشعبي على غرار ما حدث في يناير 1977. وبسبب هذا التردد فشلت جهوده الملموسة في الإصلاح الاقتصادي والاستثمار في تغطية العجز الناتج بالتراكم عن الدعم والزيادة السكانية، مما أدى لزيادة الديون، وهو ما ظهر أثره في تنحيه، واضطرار النظام الحالي لإجراء إصلاحات اقتصادية راديكالية.

    6 – دعم انقلاب البشير 

بسبب الخلافات السياسية بين حسني مبارك وحكومة الصادق المهدي المنتخبة في السودان، وقع مبارك في أحد أكبر اخطائه بدعم انقلاب الجنرال عمر البشير إعلاميًا وسياسيًا، ليتفاجأ لاحقًا بأكبر خدعة طوال فترة حكمه؛ دعم نظامًا إخوانيًا معاديًا عانت مصر والشعب السوداني منه كثيرًا، وما ترتب عليه من قطع العلاقات بين البلدين بسبب تبني النظام للنهج الإرهابي والتحريضي، وتحوله لقاعدة لنقل الإرهابيين.

    7 – المماطلة في ترتيب نقل السلطة 

في أواخر التسعينيات، ظهر نجل الرئيس جمال مبارك في الحياة السياسية بالتدرج في الحزب الوطني.

ثارت تكهنات حول إعداده ليخلف والده، خاصة في غياب نائب للرئيس وعدم ظهور رجال دولة بارزين كمرشحين محتملين للمنصب، مع اتهام مبارك بتفريغ الحياة السياسية وتعمد إضعاف الأحزاب.

مبارك ونجله لم يعلقا على الأمر. تنامى نفوذ مبارك الابن، ولم يتخذ مبارك الرئيس أي إجراءات عملية لترتيب نقل السلطة من بعده، رغم انه كان يملك صلاحيات تنفيذية وتشريعية تجعله قادرًا على ذلك.

اندلعت موجة الغضب، فسارع مبارك بتعيين عمر سليمان نائبًا وتفويض الصلاحيات له، لكنه كان قرار متأخرًا، ولو حدث في الوقت المناسب لربما كان جنبنا الخسائر من تداعيات يناير.


   ملف:  مصر: مبارك وما بعده

 

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك