مراسلات السلام | ساسون سوميخ.. الإسرائيلي الذي صنع عالمية نجيب محفوظ | مينا منير

مراسلات السلام | ساسون سوميخ.. الإسرائيلي الذي صنع عالمية نجيب محفوظ | مينا منير

3 Sep 2019
مينا منير دقائق

مينا منير

باحث بجامعة لوزان - سويسرا

الشرق الأوسط
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في أحد أيام صيف 1966، دق هاتف أستاذ الأدب العربي بجامعة أكسفورد محمد مصطفى بدوي. زميل من جامعة كامبريدج يستفسر منه إن كان يود الإشراف على أطروحة دكتوراه في الأدب العربي لشخص “من الشرق الأوسط”.

أبدى بدوي استعداده. قبل أن يعرف أن الباحث ليس من دولة ناطقة بالعربية. إنه طالب من الجامعة العبرية في أورشليم يدعى: ساسون سوميخ.

قبل الأستاذ السكندري المهمة غير اليسيرة. لم تكن هوية ساسون مشكلته الوحيدة، المشكلة الفنية الحقيقية أن الباحث لم يكن متخصصًا في الأدب العربي، وأنه حصل على الماجستير في العبرية.

على أي حال، وصل ساسون إلى أكسفورد، واقتنع بدوي بعد حديث طويل بمهمته المحفوفة بالمخاطر. أبدى ساسون انفتاحًا على مقترحات أستاذه الذي اقترح عليه دراسة ثلاثية روائية كتبها روائي مصري يُدعى نجيب محفوظ.

قرأ ساسون سوميخ الثلاثية ورأى فرصة كبيرة لانفتاح ممكن بين الثقافتين العبرية والعربية عبر بوابة الروائي غير المعروف خارج مصر حينها. فكانت البداية.

   محاكمة الناصرية 

في القاهرة، كان نجيب محفوظ – المشهور محليًا المجهول عالميًا – يستعد لنشر رواية لاذعة في نقدها.. رواية تتبنأ بالانهيار الاجتماعي والثقافي الذي يلوح بعد كارثةٍ ما كانت مصر على مشارفها (حرب 1967)، وتعكس رؤية كئيبة عن بوادر انهيار اجتماعي. كانت الرواية هي ثرثرة فوق النيل.

كانت طبول حرب 67 تضرب. بينما نجيب محفوظ وساسون سوميخ يحلمان باليوم الذي يكف فيه أبناء الجبلاوي – رفاعة وقاسم – عن العراك الذي أنهك الجميع.

القدر كان يحمل لهما لقاء. بينما كانت مصر تعد العدة لخوض حرب 1973، كان ساسون سوميخ يهم بطباعة أول أطروحة علمية إنجليزية عن أدب نجيب محفوظ – صدرت 1973 – وكانت تهدف لإعادة اكتشاف عالم محفوظ الشامل في أدواته، وتقديمه للقارئ العالمي.[1]

في نفس الوقت، كان الضجر – الذي عبر عنه نجيب محفوظ تجاه سياسات وأفكار جمال عبد الناصر التي أدت إلى الانهيار المجتمعي في ثرثرة فوق النيل – قد دفعته للتجرؤ مع بعض المفكرين الذين رفضوا السير في ركب الناصرية الجمعي الهستيري. انتهز فرصة الهزيمة وانكسار عبد الناصر ليذهب إلى ثروت عكاشة وهيكل، بصحبة توفيق الحكيم وآخرين؛ للحديث عن خارطة طريق لانتشال مصر من القاع.

كان أهم ملامح الخارطة تحقيق الحرية والبحث عن التفاوض والسلام، ولكن كلامه لم يلقَ صدى لدى الرئيس صاحب أكبر رقم هزائم عسكرية في تاريخ مصر الحديث. الأمر الذي عبر عنه نجيب محفوظ في محاكمة جمال عبد الناصر أمام آلهة الفراعنة وأبطال مصر التاريخيين في كتابه “أمام العرش”.

   صانع السلام 

 شخص آخر كان يتابع ويقبل فكر نجيب محفوظ حينها. لم يكن يثق في الحنجوريين من ورثة النظام الناصري، فانتظر حتى وصل إلى سدة الرئاسة محملًا بنظرية توازن الحرب والسلام التي اختمرت في عقله.. محمد أنور السادات.

يبلغنا رئيس تحرير الأهرام أحمد بهاء الدين في محاوراته مع محمد أنور السادات أن الأخير كان يحضر لعملية السلام وزيارة القدس بالتشاور مع نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وليس غيرهما، وكانا بدورهما يدعمانه بفكرهما.[2]

كانت أصداء أطروحة ساسون تغزو العالم، وبدأت دور النشر في ترجمة كتب نجيب محفوظ. حتى العبرية حينها كانت قد وصلت لأدب المصري بـ 12 رواية، ليمسي محفوظ حديث العالم.

راسل ساسون سوميخ نجيب محفوظ بغية التعرف عليه ومشاركته الأفكار، وكان رد محفوظ كعادته دمثًا لكنه عميق كذلك.[3] أثنى على أبحاثه باعتباره “أفضل ما كُتب عنه”. ما استرعى اعجاب محفوظ في عمل سوميخ أنه كان عملًا إنسانيًا وليس محاولة لفهم فكر “عدو”، ليختتم محفوظ رده برجاء لله أن يلتقيا قريبًا:

ولندع اللهم معًا أن تكلل المساعى المبذولة اليوم بالنجاح، وأن يعود شعبانا إلى المعاشرة المثمرة كما كان الحال فى ماضيهما الطويل, فما لا شك فيه أن تعاونًا مثمرًا قام بين شعبينا على مدي الأعوام الطويلة فى العصور القديمة والوسطى والحديثة، وأن أيام الخصام كانت قصيرة وقليلة. غير أننا – ويا للأسف – عنينا بتسجيل لحظات الخصام أكثر مائة مرة من تسجيل أجيال الصداقة والتعاون. وإنى أحلم بيوم يحيل بفضل التعاون المشترك هذه المنطقة إلى مقام مضئ بمشاعل العلم مبارك بمبادئ السماء السماوية

رؤية نجيب محفوظ للوضع كانت أشمل وأعمق من المواقف اللحظية بما خلق هوة فكرية كبيرة بينه وبين مفكري جبهات المقاطعة واليسار، لكنه جعل محفوظ في عالميته أكثر انفتاحًا وقبولًا للجميع من أعضاء الأسرة الإنسانية.

   اللقاء الأول 

بعد اتفاقية السلام ما عاد أمام ساسون سوميخ أي عقبة للقاء نجيب محفوظ. فمنذ 1980 حتى وفاة محفوظ في 2006، استمر سوميخ في السفر بانتظام إلى القاهرة للقاء محفوظ في بيته مع أسرته أو في مكتبه.[4]

هناك يحكي ساسون سوميخ كيف أنه في إحدى زياراته لمكتب نجيب محفوظ في الأهرام، كعادته كل خميس، رأى 20 شابًا اسرائيليًا قد أتوا للقاء هذا الكاتب العظيم والتعرف على عالم القاهرة القديمة الذي صورته رواياته.

كان محفوظ بالنسبة لسوميخ النجاح الحقيقي الذي يمكن أن تحققه اتفاقية سلام: فمن خلال محادثاتهما الطويلة لم يتركا شيئًا لم يتحدثا فيه صراحةً، وكما كان لقاء سوميخ بأستاذه محفوظ فرصة للتعرف على الفكر العربي، كان لمحفوظ شغفًا كبيرًا لفهم الأدب العبري وكيف حافظ مجتمع إسرائيل على لغته طوال هذا التاريخ.

ولما كان لسوميخ ابنتان مثل محفوظ، فقد فكانت الأسرتان تتشاركان رحلات داخل مصر، إحداها كانت إلى الأقصر عبر النيل في 1982. رأى ساسون سوميخ في نجيب محفوظ الصورة الإنسانية الشاملة، وفي مقهى علي بابا رأى مستقبل المنطقة المشرق إن (فقط إن) سمع الناس لفكر نجيب محفوظ.


[1] S. Somekh, The Changing Rhythm: A Study of Najib Mahfuz’s Novels (Leiden 1973).

[2] أحمد بهاء الدين، محاوراتي مع السادات، الفصل الرابع.

[3] نص الرسالة منشور بالإنجليزية في كتاب ساسون سوميخ:

  1. Somekh, Baghdad, Yesterday: The Making of an Arab Jew (Jerusalem: Ibis Editions, 2007), 175.

[4] https://www.haaretz.com/1.5003051



رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك