هل تجوز تهنئة غير الروماني في عيده؟ | مينا منير

هل تجوز تهنئة غير الروماني في عيده؟ | مينا منير

31 Jul 2019
مينا منير دقائق

مينا منير

باحث بجامعة لوزان - سويسرا

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في بلدان تضم ديانتين رئيسيتين، تظهر أهمية التساؤل حول إيجاد صيغة سياسية واجتماعية حاكمة للوضع. المقاربات في مصر مثلًا أغلبها عقائدية أكثر من كونها مدنية؛ فنقطة الانطلاق هي إيجاد المشتركات العقائدية مع “الآخر” من أجل قبوله من عدمه.

البعض يؤمن بـ “إكرام الآخر” باعتبار الرب واحد، لكن تبعات تلك المقاربة سلبية؛ كونها تنتقص من حقوق الإنسان الذي لا يملك مشتركات عقائدية كافية لتعطيه حقوق مدنية.

أضف إلى ذلك أن نفس المقاربة العقائدية يمكن استخدامها في الاتجاه المعاكس؛ لتتحول العقائد الحاكمة لمجتمع الأغلبية إلى سيف على رقاب الأقلية التي ارتضت بهذه المقاربة.

أين الدولة من ذلك؟ في الواقع المصري، أرست الدولة ركائز المقاربة الدينية منذ أن “عاش الهلال مع الصليب” في تناول القضايا المدنية، برضا المؤسسات الدينية.

وفي مشهدٍ يكرس لفكرة العقيدة كمحرك للحقوق، أتت زيارة الرئيس الأسبق أنور السادات وشيخ الأزهر للبابا شنودة 1978، وفيها يلقي الأخير كلمة تنطلق من مبدأ “الإله الواحد الذي نعبده جميعًا” لينتقل إلى أهمية مواجهة استغلال العقائد المشتركة بين الديانتين من أجل مواجهة الإلحاد، وأهمية التوحيد.

وبالتالي، فبالكيل الذي كال به البطريرك لغير المؤمنين بعقائده المشتركة مع الإسلام، كيل لطائفته حين استُخدم معيار العقيدة نفسه في تحديد التعاملات الاجتماعية؛ مثل التطرق لمسألة العقيدة في قضية اجتماعية بسيطة كتهنئة شخص سعيد في مناسبة له، أيًا كانت.

هنا تحضرني قضية مهمة: كيف أدارت امبراطوريات وممالك ضخمة تعددت فيها العقائد والأديان لتصل إلى العشرات، إن لم تكن المئات، ملف التعددية في إطار الدولة المركزية؟

لا مثال أكثر وضوحًا من الإمبراطورية الرومانية. فهل كان الرومان يقيمون من سواهم في الإمبراطورية انطلاقًا من ديانتهم؟ بمعنى آخر: هل تجوز تهنئة غير الروماني في عيده المبني على عقيدة تبدو له فاسدة؟

الإسفنجة القذرة: الطريقة الرومانية للقضاء على فساد الأستاذ سيد | مينا منير

الهوية المصرية.. حينما تكون جنسيتك حقيقة بيولوجية | مينا منير | دقائق.نت


   التحضر والمواطنة CIVITAS ET ROMANITAS 

مع اقتراب نهاية الجمهورية وانحدار الوضع الاجتماعي والسياسي والإقتصادي الذي كان نذيرًا بتفسخ الدولة الرومانية ظهر السؤال الخطير: ما الذي يجب فعله لإعادة تماسك الكيان المترهل والآخذ في التفكك؟

أحد الفلاسفة الذين تناولوا هذه المسألة كان سيسرو Cicero، أعظم فيلسوف روماني، وأحد مؤسسي الفكر الغربي على مر العصور.

في كتابه de Republica، يطرح سيسرو الرؤيا التي ستلهم أغسطس وتصنع ما يسمى بالإمبراطورية الرومانية. مفادها مفاهيم محددة على رأسها فكرة المدنية، بثلاثة مبادئ:

   المنظومة المدنية 

يقول سيسرو في كتابه المذكور إن مفاصل الجمهورية تفسخت ليس لأسبابٍ عسكرية فقط، ولكن لعدم قدرتها على وضع منظومة تتجاوز فكرة خضوع نظام ديني أو اجتماعي لآخر. وبالتالي من أجل تحقيق ما يسمى بالجمهورية، أو مملكة الشعب (res publica) يجب إرساء قواعد عامة مدنية شاملة تنظم التعددية، وتكون قادرة على تحقيق العدالة والاستقرار للجميع، الأقلية والأكثرية.

هذا ما أسماه بالمنظومة المدنية Civitas التي تتجاوز الأعراف والنظم والعقائد الدينية. ومنها جاءت الكلمة الإنجليزية للحضارة Civilisation. أي أن الدولة المدنية هي الدولة المتحضرة، والمدنية هي مرادف الحضارة.

   الفرد أو المواطنة 

هنا لا يتكلم سيسرو عن مجرد تشريعات أو قوانين وإنما مبادئ فلسفية، سيشرّعها لاحقًا أغسطس قيصر. لا تعني المواطنة هنا مجرد شرائع وأحكام منظمة، وإنما رؤية المواطن لما هو حوله.

تحت المظلة المدنية Civitatis، المواطن  الروماني في رأي سيسرو هو المواطن القادر على أن يُظهر تحضره وتمدّنه وفضائله الأخلاقية تجاه من لا يؤمن بدينه أو ينتمي لعرقه، وهذا تحديدًا هو ما يفصله عن “البربري” الذي يقيم الأمور انطلاقًا من نظرته العقائدية والقبلية.

يذهب سيسرو إلى أبعد من ذلك ليتحدث عن مفهوم التحضر الإنساني (humanitas) والذي يشمل إظهار التحضر ليس فقط مع أخيك المواطن، ولكن مع هؤلاء الذين لا ينتمون أصلًا لحدود الإمبراطورية (انظر De Officis 3.6.28).

   مبدأ الحريات 

أخيرًا، الضامن الحقيقي لممارسة المواطنة بشكل صحي في مظلة منظومة Civitas هو قدرة الإنسان على ممارسة حريته في تقييم العقائد، وهذا ليس تناقضًا مع ما قيل في السابق: فالحاجة لإيجاد عقائد مشتركة ليس صحيحًا، بل يجب إقرار وقبول الخلاف، بل والنقد، وهو ما أسماه بمبدأ الحريات Libertas، ومنها جاءت الكلمة الإنجليزية Liberty.

واعتبر الرومان إن أية منظومة دينية أو أيديولوجية لا تحترم القاعدة الإنسانية التي تجمع كل البشر بغض النظر عن خلافاتهم، وتدعو للانكماش والإنقسام والقبلية، بل وإخضاع المخالف لها لمنظورها في نطاق سلطتها الضيق جغرافيًا، منظومة بربرية (الهمجية) لأنها لا تحترم الإنسانية، وهنا تستخدم الاصطلاح اليوناني “كارهة البشر –μισανθρωπίαMisanthropic) وهي عكس الكلمة الشهيرة philanthropic.

هنا بدت لـ سيسرو فكرة المواطن كشخص يتفاعل مع هذه المبادئ. وعليه، فإن قائد البلاد هو “المواطن الأول” بمعنى أن واجبه يلزمه أن يكون نموذج المواطنة الأمثل، ومنها جاء اللقب الذي التزم به كل قيصر جاء بعد ذلك، وهو لقب المواطن الأول Princeps civitatis.

أنقذ أغسطس – كما قلنا في مقال سابق – الإمبراطورية ونُقلت معه إلى حالةٍ أعظم بكثير مما سبق بفضل تبنيه لكل تلك المبادئ حرفيًا. حين حادت الإمبراطورية عن تلك المبادئ سقطت، وحينما أعادت احترامها لها عادت هي أيضًا، كما حدث مع تراجان.

ومع مرور الزمن باتت هذه الحزمة من المبادئ عنوانًا للهوية الرومانية. هنا ظهرت كلمة جديدة وهي كلمة الرومانية being Roman، باللاتينية Romanitas، في كتابات الفيلسوف الروماني المسيحي ترتليان. أي أنك تكون رومانيًا حينما تتبنى تلك الحزمة التي تجعلك متفوقًا على “الهمج” ممن لا يحترمون البشرية.


   القدرة على التمييز في ضوء الهوية المدنية 

كانت صيانة تلك مبادئ المواطنة وأهمها الحريات libertas، توجب على الدولة أن تتعامل بحزم مع ما يهددها حتى وإن كانت من عقائد دينية. فمن حق الكاتب أن يقيم بالسلب أو الإيجاب عقيدة أو ممارسة ما في العالم. فإن رأى كاتب أن عبادة الحيوانات في مصر ضربَا من العبث، فله الحق في ذلك، وللمصريين أيضًا الحق في ممارسة عبادتهم، دون حساسية من أي نوع. فما يمكن تسميته عقيدة عند أحدهم ، يمكن أن يكون في نظر الروماني خرافة Superstitio، كما كان على سبيل المثال ينظر للمسيحية.

أما تدخل الدولة فيكون فقط حينما تكون الممارسة تهدد حقوق الإنسان المدنية. فمثلًا، تدخلت الدولة الرومانية تدريجيًا في ممارسات الديانات الجرمانية حتى منعتها تمامًا حينما بات معروفًا أنها تهدد أمن الدول وحدودها، والأهم من ذلك ممارستها لذبائح بشرية، وحق الحياة مصون في مبادئ الحضارة.

التوازن في حق مناقشة الأمور الدينية وصيانة الحقوق المدنية في نفس الوقت إذن هو ما جعل الدولة قادرة على البقاء في ظل التعددية الكبيرة على جميع الأصعدة.

اللطيف في الأمر أن الحرية Libertas سمحت بحوارٍ بناء بين المثل المدنية من جانب والعقائد الدينية من جانب آخر، بما سمح لأتباع العقائد الدينية بتنقيح وتطوير ممارساتهم الدينية. أي أن المدنية أثرت على الممارسة الدينية وليس العكس، وكان الأمر إيجابيًا كما الحال في الانفتاح الفلسفي والفكري الذي طرأ على اليهود خارج أورشليم، درءًا لشبهة أن يكونوا كارهين للبشر misanthropic. فكانت الردود الفلسفية لكتاب يهود ومسيحيين كفايلو ولاحقًا يوستين في مصلحة الأديان وليس العكس.

في ضوء ما قيل، لا حاجة للإسهاب في المقارنة بين أدوات الدول العربية اليوم في تعاملها مع ديانتين فقط، والأدوات التي صنعت الحضارة في رقعة مهولة ومتعددة الأديان والأعراق منذ أكثر من ألفين سنة. فهل من أوكتافيوس اليوم قادر على استلهام هذه المبادئ؟

بين ميدان رابعة وأورشليم.. المعركة الأخيرة وما بعدها | مينا منير

مارسيون السينوبي.. رجل الأعمال المنبوذ كنسيًا مخترع العهد الجديد | مينا منير


رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك