ورشة البحرين ومشروع مارشال: حتمية المواجهة الأيديولوجية | مينا منير

ورشة البحرين ومشروع مارشال: حتمية المواجهة الأيديولوجية | مينا منير

26 Jun 2019
مينا منير دقائق

مينا منير

باحث بجامعة لوزان - سويسرا

الشرق الأوسط
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

مناقشات متوسعة “ومتسرعة” عن ورشة البحرين، وآراء تشكلت بالفعل في مرحلة مبكرة. التشنج – المطعم بالشائعات – بدأ بظهور اصطلاح “صفقة القرن” في الأفق.

أول المعلومات المؤكدة خرج للنور في بيان البيت الأبيض “من السلام إلى الإزدهار” برؤية مفادها أن طريق السلام يبدأ برفع مستوى المعيشة، وبمؤسسات توفر الخدمات بكفاءة وشفافية ونزاهة.

كيف؟ تحمل الخطة عبارة مهمة: “تفجير طاقات الفلسطينيين الاقتصادية” بتسهيل استثمارات تصل إلى 50 مليار دولار على مدى عشر سنوات، مما يؤدي لتخفيض معدلات البطالة.

يخلص البيان بإشارة في غاية الخطورة: “القيادة الفلسطينية طالما قاومت أي مقاربة جديدة خوفًا من وقف المعونة الأجنبية”. يتبع ذلك الإشارة إلى استخدام هذه الأموال للنهوض باقتصاد الدول المحيطة، مثل الأردن، إسرائيل، لبنان ومصر.

الرسالة الواضحة هنا أن رفع كفاءة الاقتصاد بضخ استثمارات ضخمة سيدفع الفلسطينيين لاختيار السلام مع إسرائيل لفتح أبواب الاستثمارات.

يذهب ترامب في ثقته بهذه المقاربة للتلميح السلبي عن السلطة الفلسطينية التي “ترفض أي مقاربة جديدة” بأنها ستخضع لضغوط جيرانها الذين سيسيل لعابهم أمام هذه الأموال، بما يفسر استمرار الورشة دون تمثيل صاحبة الشأن: السلطة الفلسطينية.

هنا يأتي السؤال: هَب أن جميع الأطراف قبلت بتلك الاستثمارات، ماهو المقابل؟ لا إجابة.


السلام من أجل الازدهار.. أهم أرقام الشق الاقتصادي من صفقة القرن

ورشة البحرين.. هل الرخاء الاقتصادي الطريق الأفضل نحو السلام؟ | س/ج في دقائق


   أزمة الإطار الأيديولوجي 

لم يوفر القائمون على الأمر – حتى الآن – أي ملامح لما أسموه بالسلام، ولم يقدموا بعد أي بنود سياسية. حتى السفير الأمريكي في إسرائيل لم يقدم إجابات واضحة عن آلية تحقيق السلام الذي يؤدي لهذا الإزدهار، ولا عن إمكانية التعاون حماس كحاكم فعلي لغزة.

أمام هذا المشهد الفوضوي، يصبح مكمن المشكلة خلف طرح ترامب هو غياب الإطار الأيديولوجي القادر على مواجهة التشنجات الشعبوية القادرة تمامًا على إحباط أي مشروع أيًا كانت ملياراته.

حالة التشنجات الشعبوية تلك مرتبطة بفكرة أنه لا يجوز الوصول إلى سلام مع كيان غير معترف به ولا يستحق إلا سحقه، بتصريح أحد قادة حماس.

مشكلة حماس هنا لن تُحل بمليارات يحصلون على أضعافها بالفعل من قطر وغيرها. الشهر الماضي فقط حصلت السلطة الفلسطينية وحماس على نصف مليار دولار من قطر. المشكلة ستحل فقط بمواجهة الأفكار التي تكلست مع الزمن وتحولت لعقائد تزايد فيها الجماعات على بعضها.

طرحنا في مقالٍ سابق كيف أن عبقرية خطة السلام في كامب ديفيد تكمن في دمج التعاون الاقتصادي داخل إطار أيديولوجي يعيد النظر في علاقات الجماعات المتناحرة بردها إلى أصلٍ مشترك يتجاوز الخلافات العقائدية، ويقدم ما يبرر إيلاء الاقتصاد الأولوية لتجسيد الطرح الأيديولوجي. وما يحتاجه المشروع الجديد جرأة رجال كالسادات لمواجهة أعلى جدار أيديولوجي يحدد ما هو أخلاقي من عدمه في الوعي العربي بشقّيه الديني والقومي: السلام مع إسرائيل.


باكس أميريكانا: كيف استلهم قادة كامب ديفيد السلام الروماني؟ وماذا ينقص التجربة؟ | مينا منير

40 عامًا من معاهدة السلام.. ماذا واجه السادات؟ وماذا جنت لمصر؟ | س/ج في دقائق


   مشروع مارشال 

القائمون على التجربة الجديدة استلهموها من مشروع مارشال، أحد أنجح خطط تغيير أوروبا إلى صورتها الحالية.

وزير الدولة جورج مارشال رأى أن أوروبا خرجت من الحرب مدمرة ومهلهلة، ما يجعل المأساة قابلة للتكرار في غياب بديل يمنح القارة توجهًا إيجابيًا نحو مكوناتها من جانب، وسلبيًا تجاه البدائل الأيديولوجية المدمرة، الفاشية أو الشيوعية الزاحفة من الشرق.

وبنفس طريقة ورشة البحرين، قدمت الولايات المتحدة 15 مليار دولار (ما يعادل 100 مليار اليوم) لدعم المتضررين من الحرب وعلى رأسهم بريطانيا وفرنسا وألمانيا الغربية.

بريطانيا وفرنسا توزاي دول الجوار في المشكلة الفلسطينية: قُدِّمت الأموال للاستثمار في مشاريع بنية تحتية بهدف زيادة التداول التجاري والصناعي، بما يتغلب تدريجيًا على عقبة التنافس السلبي بين تلك الإمبراطوريات الكبرى، ويمهد الطريق نحو الـEuropean Economic Zone، التي ستصبح الاتحاد الأوروبي لاحقًا.

أما في ألمانيا الغربية – بيت القصيد – فقام مشروع مارشال على مواجهة المنظومة الشيوعية المسيطرة على شرق ألمانيا بتقديم بديل اقتصادي قادر على رفع كفاءة مؤسسات الدولة وتحويلها إلى معجزة اقتصادية بكل المقاييس من خلال مناخ الاستثمار الحر.

   تفكيك المنظومة 

لم يقف مشروع مارشال عند ضخ مليارات، لكنه تعامل مع جيل من الألمان لا يفهم معنى الديمقراطية (كما أخبرتني حرفيًا زوجة صديق ألماني كانت تعمل في مصانع ألمانيا النازية)، ولا يقبل فكرة بديلة لفكرة مركزية الاقتصاد في صورته الاشتراكية المتشددة.

نقلة ألمانيا الغربية كانت أيديولوجية بالأساس؛ من عالمٍ كلاسيكي يبني فكرة ألمانيا العظمى في أدبياتها الرومنسية من القرن الثامن عشر حتى تحقق في مطلع العشرين، بفرضياتٍ قومية وعرقية واقتصادية مسبقة.

أتذكر صديقي الألماني هيرمان وهو يخبرني أن من يزعم أن الألمان لم يكونوا نازيين فكريًا مخادع. “كنا نحلم بتلك الأفكار عبر قرون، ولم يكن الرايخ الثالث إلا نتيجة”. أعطاني هيرمان كتابًا كان يقرأه جيله الذي أصيب بارتجاج فكري بعد فداحة الحرب يُسمى (كنا نظن أننا أبطال –Wir Sollten Helden Sein) وفيه شهادات على النقلة النوعية أيديولوجيًا لشباب تلك الفترة.

خلق مناخ استثماري يرفع كفاءة حياة الفرد الألماني الذي يعيش – حرفيًا – على ثلاث قطع بطاطس وبصلة وخمسة لترات من الماء الدافئ للاستخدام الشخصي تعامل أولًا مع ذهنية الشباب الألماني الذي تربى على مدار عقود على صورة الولايات المتحدة والرأسمالية كشيطان أعظم يجب تحطيمه، لتتعرض القوات الأمريكية بعد الحرب لعمليات انتحارية شرسة جدًا من شبيبة هتلر (الذين هرب قادتهم إلى الأرجنتين وتركوهم للمواجهة)، بينما يقف اشتراكيو شرق ألمانيا على الجانب الآخر متربصين لابتلاع باقي ألمانيا.

هنا، قُدم مشروع مارشال رفقة خطة انتزاع النازية De-Nazification Plan، والتي وضعت نصب أعينها الوصول سنة 1949 بإجراءات مختلفة إلى مواجهة الأيديولوجيات والرواسب الفكرية التي تمنع الحركة الاقتصادية.

احتاج الأمر لتخصيص قدرات مادية في هيئة منح ودراسات ومؤتمرات وغيرها لطرح البدائل الفكرية؛ أي أن الأصل في الأمر لم يكن ضخ استثمارات باتجاه بناء جسور ومحطات تنقية مياه فقط، وإنما التغلب على العائق الأيديولوجي بالأساس.

هنا، نجد أن إسقاط الشيوعية وأحزابها في الغرب، بالإضافة إلى النازية، كان وليد الآليات العلمية والثقافية المدعومة اقتصاديًا، فصار خيار الألماني الحر هو إسقاط تلك الأصنام الأيديولوجية. حتى بعد سقوط جدار برلين، بات الخيار الأفضل والحر هو انتقال ألمانيا الشرقية للنموذج الغربي وليس العكس.


بين حكايات الأخوين كيبلر وروايات سلافوي كجيجك.. من صنع بؤس العالم؟ | مينا منير

الأخوات المسلمات أمام تمثال العضو الأنثوي: الإخوان واليسار في غزوة سويسرا | مينا منير


   حتمية المواجهة 

لا يملك القادة العرب طمأنة الغرب بإمكانية إقناع شعوبهم بفكرة السلام مع إسرائيل، أيًا كانت صيغته، وإذا قام أحدهم بذلك اليوم فلن يضمنه غدًا.

الحقيقة أن على الدول العربية ألا تتهرب من المواجهة الحتمية مع أصنام الماضي التي تشرعن وتشيطن أي حلول تقدمية بديلة.

القائمون على المشروع مطالبون بتسخير ما هو أقل بكثير من الميزانيات المطروحة لدعم حرية التفكير عند الشباب، وإقناع النظم السياسية التي لا تزال تنتج البروباجاندا ناصرية الهوى بالخروج من هذه العباءة، وتدريب كوادر فكرية جديدة قادرة على تقديم بديل حقيقي لتلك الأفكار المتكلسة التي نسميها “الثوابت”.

إذا أرادوا تكرار مشروع مارشال.. عليهم بتفاصيل نجاحها.


الإطار الفكري ومخاطر إهماله


رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك