مقلب آلة الزمن| خالد البري| رواية صحفية في دقائق

مقلب آلة الزمن| خالد البري| رواية صحفية في دقائق

14 أكتوبر 2020
خالد البري رئيس تحرير دقائق نت
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في عيد ميلادي الواحد والعشرين تلقيت هدية غير مسبوقة.

صديقتي حينها رتبت مع أصدقائنا لكي أحصل على مكان في تجربة “آلة الزمن”.

كان متحف التاريخ الطبيعي في لندن أتاح لفترة محدودة تلك الفرصة. انسوا الآلة الخيالية التي بنى عليها جورج إتش ويلز روايته الشهيرة. الآلة في متحف التاريخ الطبيعي آلة علمية، والهدية من استخدامِها استخدامُها لا أكثر ولا أقل. لن ترى المستقبل، ولن تذهب إلى ماضيك لكي تصحح أخطاءك. ستخرج معك شهادة أنك انتقلت في الزمن ١ من كسر تريليون من الثانية.

هكذا قيل لي. وصدقت. كسر تريليون الثانية كان كذبة.

قيل لي أيضا إنه من الناحية العلمية، هذا إنجاز، لأن الزمن مرتبط بسرعة الضوء، ولا شيء في العالم الذي نعرفه يسبق الضوء. أما واقعيا لا شيء. عناء ساعات من التجهيزات والملابس والمثبتات، وقبلها التحاليل الطبية واختبارات التحمل. وماذا في المقابل؟ فقط شهادة. لا أكثر.

وقنعت.

كنا في بداية علاقتنا وأردت أن أقنعها بأني “علمي” وجسور. وأن خوفي من الرولر كوستر في الملاهي سببه “انعدام جدوى المخاطرة”.

حين قلت تلك العبارة ضحكت كما لم تضحك من قبل ولا من بعد. واستخدمتها للتأكيد على فكرتها بأن التعليم له أثر سلبي على أفكارنا: نوجه جهدنا نحو صياغة جملة براقة لكنها بلا معنى حقيقي. وتستغبي المتحدث.

قد يبدو من لهجتها أنها شخص حاد، لكنها لم تكن كذلك إلا في المناقشات حول الأفكار. تحضر لدراسات عليا، وتمارس علي ما تتعلمه من صرامة أكاديمية في الاقتباس والاستخلاص. وفي نفس الوقت، وهذا عجيب، تمارس علي نفورها العام من التعليم الأكاديمي الذي يخضع له أعداد كبيرة من الناس بلا داع. فيتلقنوا المعارف بدل من أن يتعلموا اصطيادها.

قنعت.

لا سيما وقد ذهبنا بالفعل إلى المتحف. واستقبلنا بالفعل مختصون. هنا فقط قلت لنفسي لا يمكن أن يكون هذا “مقلبا” أعده لي أصدقائي، لكي يستدرجوني – مثلا – إلى غرفة مظلمة ثم يسطع الضوء على صيحاتهم بعيد ميلاد سعيد.

مررنا بعد الاختبارات الطبية، وتثبيت الأجهزة، والتغمية بعصابة سوداء، بنفق اسطواني. من هناك نستقل مترو أنفاق على هيئة كبسولة واحدة، تكفي الواحدة منها فردا واحدا. الكبسولة تتحرك بلا صوت، ولا هزة احتكاك. تتعرج كأنما تطير بقيادة شخص مرح مبسوط شوية زيادة. الرحلة المتعرجة تجعلك عاجزا عن تخمين المسار الذي تتجه فيه.

هذه الكبسولة نفسه تنتهي داخل الطائرة التي ستقلنا إلى المكان المخصص لآلة الزمن. تصير هي كرسيك لرحلة الطيران. هناك يمكنك أن تنزع العصابة عن عينيك. والغرض نفسي بحت، أن تتآلف مع محيطك داخل الطائرة. أما خارجها فلن ترى شيئا. ممر الإقلاع أيضا داخل نفق. آلة الزمن محاطة بسرية الكود النووي.

هكذا قيل لي. الكود النووي أيضا كان كذبة، بالأحرى كان إضافة لإضفاء مزيد من المصداقية على الرحلة.

في الحقيقة لم أسمع شيئا عن هذا المشروع من قبل. وعقلي لا يستوعب سوى أنني حصلت على هدية عيد ميلاد فريدة.

أغلقت الكبسولة/كرسي الطائرة نفسها مرة أخرى، وتحولت إلى جدران زجاج وهمي الشفافية، ترى من خلالها مناظر تبدو أنها طبيعية، لكنها ليست. والمشهد يتحرك مع تحرك الطائرة لتعزيز الإحساس بأنه مشهد طبيعي. عالم فيرتشوال رياليتي سبق إتاحة الفيرتشوال رياليتي على نطاق واسع.

المشهد يلتقط نفس حالة الطقس والرؤية والإضاءة والإعتام. لا تستطيع أن تحسب مثلا الوقت الذي قضيته داخل النفق ومتى بدأ الإقلاع. ربما تقول: لكن بإمكانك ملاحظة حركة الطائرة، فتعرف الوقت الذي تحركت فيه إلى أعلى إيذانا ببدء الإقلاع! أقول لك لا. فربما كان النفق نفسه صاعدا عند نقطة بحيث يعطيك إحساسا وهميا بالإقلاع، كما أن الطائرة لا تستعيد عجلاتها، وأغلب الظن أنها تسير داخل النفق على قضبان كهرومغناطيسية بلا مقاومة تذكر. هذه المعلومات لم أعرفها إلا لاحقا، بعد أن انتهت الرحلة.

حين هبطت الطائرة وترجلنا لم ألحظ أي فارق بين الأجواء وبين ما كنت أرى “من شباك الطائرة”. هبطنا في موقع لا تتخيل أن فيه آلة الزمن. واستقللنا سيارة أوصلتنا في ثلاث ساعات إلى موقع جديد، وسط قبيلة “بدائية”.

 استقبلنا بشر نصف عراة، سيدات سود بأثداء سوداء مختلفة الأحجام والأشكال. ورجال لا تكاد ملابسهم البكيني تخفي شيئا. الأوشام والأقراط المعدنية على وجوه الجميع.

قال لنا مرشدنا: هذه القبيلة متطورة في الزمن عن قبائل أخرى حولنا. انظروا إلى الحلى. هناك قبائل قريبة لا تصنع حلى ولا تستقبل بشرا غرباء.

كنت في بداية العشرينيات، ومغرما بالأنثروبولوجي. لا أدري ما الذي جعلني مغرما بمجال لا أدري حتى معناه.

بعض الترجمات تسمي الأنثروبولوجي “علم الأنسنة”. كيف صار الإنسانُ الإنسانَ الذي نعرفه الآن، اجتماعيا وثقافيا؟

وفي رحلتنا تلك كنا نريد أن ندرس شيئا واحدا: كيف غيرت الكتابة الإنسان! ولأن هذا عنوان أعرض كثيرا من قدرتنا على استيعابه، فقد كان غرض المجموعة بالتحديد كيف غيرت الكتابة “الدين” الذي يؤمن به الإنسان.

لم نكن وحدنا، كنا مجرد فرقة من مئات غيرها كل منها تدرس مجتمعا مختلفا. وكلها تدرس نفس التفصيلة. الفارق الوحيد أن بعضها – كما في حالتنا – يدرس مجتمعات لا تملك أبجدية، وبعضها الآخر يدرس مجتمعات ابتكرت أو استوردت أبجدية مهما كانت بدائية.

في كتابه BluePrint يشرح Nicholas A. Christakis ما خلصت إليه الدراسات “على سبيل المثال، المجتمعات التي لديها أبجديات لديها أديان أكثر تعقيدا من تلك التي لا تملك أبجدية. هذا النمط من السمات ذات الصلة ترجح أن هناك بالفعل قوة تنظيم أعمق تشكل تعقيدات المجتمعات البشرية. وُثِّق هذا بدراسة أجريت على ٤١٤ مجتمعا، في مراحل تطورية مختلفة على نطاق عشرات آلاف السنوات، وتقع جغرافيا في ٣٠ منطقة مختلفة حول العالم”.

لعل أول ما يتبادر إلى ذهنك هنا أن تقول إن هذه ملحوظة عادية. طبيعي أن الأبجدية، الكتابة، التدوين، أثرت على أديان الإنسان وجعلتها أكثر تعقيدا.

نعم. ولكنك إذ تقول ذلك تتجاوز النقطة المفصلية الهامة في الموضوع: أن الدين، وهو شيء لم يتخل عنه المجتمع البشري، تطور وتأثر بما حوله. تأثر بالزراعة، وتأثر بتكنولوجيا ركوب الخيل، وتأثر أيضا بالكتابة. وهذا شيء نستطيع أن نرصده.

فعند أي مرحلة صار الدين نهائيا؟ صار الدين الحق، محكم التشريعات، غير المسموح بالتعديل فيها؟

حين اخترع الإنسان الكتابة. فدون الأحكام، ووثقها، وعاقب من يغير فيها. هكذا. لا أكثر ولا أقل.

هل يمكن أن تكون الأبجدية هي السر الإلهي الثاني بعد النار؟

أن براعة “أهل الكتاب” هي سبقهم في استخدام هذا السر في تدوين دينهم؟

اكتشفت في الأخير أن الموضوع كان فعلا “مقلبا”، لكنه مقلب جميل ومعد بعناية من قبل قسم الدراسات الأنثروبولجية حيث تدرس صديقتي. وكان هذا نوعا من “السياحة الأنثروبولجية” ابتكرته الجامعة لدعم نفسها ماليا دون أن تخسر الغرض من دراسة المجتمعات.

صديقتي جمعت مبلغا كبيرا على مدار عام من أجل أن تستدرجني إلى فهم معنى الأنثروبولوجي. كانت من عائلة اسكتلدندية ثرية، أكبر مني بأربع سنوات، وتجهز لمناقشة الدكتوراه، و الشهر الذي قضيته في الرحلة كان مناسبا لها لكي تستجمع أفكارها الأخيرة قبل المناقشة دون دوشة مني.

بالإضافة إلى أسباب جانبية .. أرادت بها تسوية “نزاعات” متجددة.

“انت سافرت أبعد من حضارة الهرم، مش كده؟” سألت وهي تضحك ضحكة خبيثة.

“أنا سافرت قبل التاريخ.”

“مافيش تسعة من غير تمانية. انت سافرت للتمانية، وفيه قبلها سبعة وستة وخمسة واتنين وواحد .. والناس مختلفة على الصفر”

“تمام”

“وفيه بعدها عشرة وخمستاشر وعشرين وخمسين”.

كان هذا مجرد ديالوج جر رجل إلى جدل طويل حول الحضارة، كوني مقتنعا بأن حضارة مصر القديمة لا يضاهي عظمتها شيء، وأن هذا معناه أنني أحمل داخلي “حضارة ٧ آلاف سنة”. بالمقارنة مع أمم أخرى لا تحمل أكثر من ثلاثمئة عام.

 وهي مقتنعة أن هذا هو الآخر كلام بلا معنى.

أنا مثلا، وهذا كلامها، لست بالضرورة جزءا من حضارة المصريين القدماء. صحيح أنني ولدت على نفس الأرض لكن إسهامي الحضاري الشخصي، دعنا نقول الإسهام الحضاري لمجموع الأفراد المصريين الحاليين، هو ما نراه حاليا. في الشوارع والمعمار والفن وكرة القدم. حضارة قدماء المصريين فعلها قدماء المصريين.  وكثير من أشباهي ممن ولدوا على أرض مصر الحالية ليسوا حتى معترفين بعظمتها.

هل يمكن أن تصف هؤلاء بأنهم أبناء ٧ آلاف سنة حضارة؟ سألتني.

لو افترضنا الحضارة في أي لحظة من الزمن ذات قيمة عددية، فإن متوسط إسهام الفرد الأمريكي الحالي يساوي حاصل قسمة الإسهام الأمريكي في الحضارة الحالية على عدد السكان. ومتوسط إسهام الفرد المصري الحالي يساوي حاصل قسمة الإسهام المصري في الحضارة الحالية على عدد السكان.

بهذا المنطق، المصري الحالي ليس أعمق حضاريا من الأمريكي ابن دولة الـ ٣٠٠ سنة.

حشرتني في الركن بنت الاسكتلدني. عقلي عمل سريعا لكي أختار بين الإذعان للمنطق، وقد فهمته مباشرة، وبين الجدل حتى لا أفقد الشيء الوحيد الذي أتباهى به.

المجتمعات البدائية التي زرناها مجتمعات تعيش وتتناسل في تلك الأراضي منذ ما قبل التاريخ. لكن أفقها الحضاري محدود للغاية.

كل ما تراكم لدى البشرية في مستقبل أسلافها الأقدمين مفقود. أسلافها لم يغيروا شيئا يذكر في آلاف السنوات التالية ولا استوردوا تغييرات تذكر. تاريخها المعرفي الحاضر نفس تاريخ أسلافها منذ عشرة آلاف سنة. وإن زاد فزيادة بسيطة للغاية.

المواطن المصري النمطي لا يعترف بالعمق الحضاري الذي يسبق الدين الإبراهيمي، منتج الحضارة السامية. معارفه كلها مبنية على تلك الحقبة. ما قبلها بالنسبة له ظلام دامس، ملغى ومنبوذ، لا جدوى من سبره وفهمه من الأساس. أقصى علاقته به أن “يعتبر” مما حدث من السابقين الكفرة.

ثم إنه حتى حضارة دين الساميين توقفت في وعيه قبل ألف عام، منذ القرن الثالث الهجري. وأنا أقول وعيه وليس أدواته. تطور دين الساميين في أوروبا في القرون الخمسة الأخيرة مرفوض تماما عنده.

هذا “تاريخ معرفي” ضيق للغاية. نحيف. هزيل. مصاب بجفاف المنابع، وبخل العطاء، إن قورن بالحضارة البشرية.

أما الأمريكي فيقف على أكتاف حضارة ممتدة عميقة، حتى وإن كانت دولة أمريكا نفسها ابنة أقل من ٣٠٠ عام.

تاريخه المعرفي أوسع كثيرا من التاريخ المعرفي لشخص يعيش على أرض قديمة جيولوجيا، لكنه مصمم على ألا ينظر إلى أبعد من قشرتها القريبة. ويقضي وقته في العراك مع القشرة الأحدث وتكسيرها لكي لا ترى عيناه إلا “الطبقة المحببة” في تاريخه الجيولوجي. فيها يختصر علوم الأرض، وانعكاسات حركة الفلك. طبقة تطمس ما هو أعمق منها، وتخنق ما جاء بعدها من نتاج الحضارة.

قارن شخصا من النخبة الأمريكية في أي مجال تختاره بنظيره من النخبة المصرية: في العلم في الأدب في السينما في التصنيع في الموسيقى في الفكر السياسي في التكنولوجيا. قارن وستعرف الفارق. ستفهم معنى “التاريخ المعرفي”. في مقابل التاريخ المكتوب على التقويم.

أدرت جسدي مواربا وبدأت خطوات ابتعادي عنها. لا أواجهها كاملا ولا أعطيها ظهري تماما. ثم قلت وأنا أمشي في اتجاه باب الحديقة “لما تبقى البشرية تبني زي أهرامات الجيزة نبقى نكمل كلامنا”.

نظرت نحوها مرة أخرى حين وصلت الحديقة واستدرت لكي أغلق الباب الزجاجي الفاصل بينها وبين البيت. رأيتها تضحك. لم تكن ضحكة غيظ أو سخرية، بل ضحكة كف على كف.

الحديقة الخلفية في المنزل الذي شاركته معها على مستويين. يربط بينهما سلم من سبع درجات.

جلست على الدرجة الثالثة أقرأ،

قضيت حوالي الساعة، ثم جاءت صديقتي الاسكتلندية ومرت من جواري في هدوء. صعدت إلى السلمة الأعلى تماما، وقالت لي: “منذ متى وأنت تجلس هنا؟”

“منذ تركتك. ساعة تقريبا”.

جس وات. لو ظللت في مكانك عشرة آلاف سنة فسوف تظل الدرجة الثالثة أعظم إنجازاتك. ولو أنجبت أبناء وأجلستهم على الدرجة الثانية فسوف يظل منجزهم الأكبر الدرجة الثانية. أما لو صعد شخص في ربع ساعة فقط إلى قمة الدرج سيكون منجزه أعلى من منجزك.

قالت كلاما بمعنى الفقرة السابقة ثم دخلت إلى البيت. من خلف الباب الزجاجي أخرجت لي لسانها مع ضحكة.

ابتسمت لها.

كانت حلما لم يكتمل. فرقنا إحساسي بأن المميزات كلها في صفها. اللغة، بنت البلد التي نعيش فيها، وموسوعية الثقافة. إليها عزوت كسبها لكل مناظرة أو نقاش.

في البداية كان هذا أكثر ما يجذبني إليها. لكنه صار ثقيلا أكثر مما يتحمل شاب لم يتم ربع القرن بعد. ذبت فعلا من فرط الجمال. لم أكتف بأن أكاد.

أعزي نفسي بأن علاقتنا لم تترك سوى ذكريات إيجابية. وأنني مدين لها بالقدر الذي أحمله من تفكير منطقي. وبحبنا (عشقنا) المشترك لبلدياتها ديفيد هيوم وأدم سميث. وبتعلم الدرس الأكبر في حياتي.

السفر في الزمن متحقق بالسفر في الجغرافيا. نحن نملك بالفعل آلة زمن. الموضوع لم يكن مقلبا إلا لتخيلاتي. لكننا سافرنا في الزمن.

في المرات التالية، وأنا أسافر عبر البلاد، صرت أستخدم المسافة الزمنية، فأقول مثلا إنني مسافر “ثلاثة قرون في التاريخ”، أو إنني مسافر قرنين إلى المستقبل. حسب وجهتي.

للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك