خلاف شيخ الأزهر والخشت: مئتا عام من المساومة مع الدولة المصرية| خالد البري

خلاف شيخ الأزهر والخشت: مئتا عام من المساومة مع الدولة المصرية| خالد البري

29 Jan 2020
خالد البري رئيس تحرير دقائق نت
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

“التراث خلق أمة كاملة وتعايش مع التاريخ، قل حضرتك قبل أن نتلقي بالحملة الفرنسية كيف كان يسير العالم الإسلامي كان يسير على قوانين التراث». هذا التصريح لشيخ الأزهر كاشف أكثر من غيره عن مشكلة الأزهر.

الأزهر، مثله مثل الجماعات الإسلامية الأخرى، لا يزال يروج أن مصر كانت قبل الحملة الفرنسية تعيش معيشة خيرة. وأن التدهور بدأ مع صدمتنا برؤية ما حصل في العالم مع قدوم الحملة الفرنسية، وما تلاها من وصول محمد علي إلى الحكم، وبدء بناء الدولة الحديثة، والاستقلال عن سلطة إسطنبول.

ادعاء الأزهر هذا تكذبه كتابات من عاصروا تلك الحقبة. سأكتفي هنا بفقرتين من كتابه، نظر فيهما الجبرتي – الأزهري – بعيون الفلاح المصري إلى الفارق بين الفرنسيين والعثمانيين ومماليكهم. ومن ثم تحرك المصريون لأول مرة منذ قرون بعد الحملة الفرنسية مطالبين بحاكم بعينه، اختاروه هم، وعارضوا به رغبة خليفة إسطنبول. هذا رغم أن الجبرتي معارض لمحمد علي، اختلف معه – كما عمر مكرم – حين قلص محمد علي سيطرة الأزهر ورجاله على البلد.

يقول الجبرتي عن الفرنسيين:

“وفعلوا هذا الشغل الكبير والفعل العظيم في أقرب زمن، ولم يسخروا أحدا في العمل، بل كانوا يعطون الرجال زيادة عن أجرتهم المعتادة، ويصرفونهم من بعد الظهيرة، ويستعينون في الأشغال وسرعة العمل بالآلات القريبة الأخذ السهلة التناول المساعدة في العمل، وقلة الكلفة، كانوا يجعلون بدل الغلقان والقصاع عربات صغيرة ويداها ممتدتان من خلف يملؤها الفاعل ترا ًبا أو طينًا أو أحجارا من مقدمها بسهولة، بحيث تسع مقدار خمسة غلقان، ثم يقبض بيديه على خشبتها المذكورتين، ويدفعها أمامه فتجري على عجلتها بأدنى مساعدة إلى محل العمل، فيميلها بإحدى يديه، ويفرغ ما فيها من غير تعب ولا مشقة، وكذلك لهم فوس وقزم محكمة الصنعة متقنة الوضع، وغالب الصناع من جنسهم، ولا يقطعون الأحجار والأخشاب إلا بالطرق الهندسية على الزوايا القايمة، والخطوط المستقيمة.”

في المقابل يصف شكوى المصريين من جند العثمانيين (المماليك) بعد زوال الحملة الفرنسية، وقبل تمكن محمد علي من إحكام السيطرة على البلاد في مذبحة القلعة. ويخلص في نهاية الفقرة إلى نتيجة:

“ومنها كثرة تعدي العسكر بالأذية للعامة وأرباب الحرف فيأتي الشخص منهم ويجلس على بعض الحوانيت، ثم يقوم فيدعي ضياع كيسه أو سقوط شي منه، وإن أمكنه اختلاس شي فعل، أو يبدلون الدنانير الزيوف الناقصة النقص الفاحش بالدراهم الفضة قهرا، أو يلاقشون النسا في مجامع الأسواق من غير احتشام ولا حيا، وإذا صرفوا دراهم أو أبدلوها اختلسوا منها، وانتشروا في القرى والبلدان ففعلوا كل قبيح، فتذهب الجماعة منهم إلى القرية وبيدهم ورقة مكتوبة باللغة التركية، ويوهمونهم أنهم حضروا إليهم بأوامر إما رفع المظالم أو ما يبتدعونه من الكلام المزور، ويطلبون حق طريقهم مبلغا عظيًما ويقبضون على مشايخ القرية، ويلزمونهم بالكلف الفاحشة ويخطفون الأغنام، ويهجمون على النسا وغير ذلك مما لا يحيط به العلم، فطفشت الفلاحون وحضر أكثرهم إلى المدينة حتى امتلأت الطرق والأزقة منهم، أو يركب العسكري حمار المكاري قهرا ويخرج به إلى جهة الخلا فيقتل المكاري ويذهب بالحمار فيبيعه بساحة الحمير، وإذا انفردوا بشخص أو بشخصين خارج المدينة أخذوا دراهمهم أو شلحوهم ثيابهم أو قتلوهم بعد ذلك، وتسلطوا على الناس بالسب والشتم ويجعلونهم كفرة وفرنسيس وغير ذلك، وتمنى أكثر الناس وخصوصا الفلاحين أحكام الفرنساوية.”

مشكلة الأزهر هي هي منذ قرنين من الزمان. يريد أن تهتم الدولة بأمور العسكرية، وتترك له هو صفة الحاكم على المجتمع، لكي يأسر الأمة المصرية في أحكام “التراث”. هذه نفس المشكلة التي اندلعت بين عمر مكرم ومحمد علي، بعد أن كانا حليفين.

وهذا أيضا كان المطلب الذي طلبه الأزهر، وحصل عليه، لكي يقف إلى جانب عبد الناصر في معركته مع الإسلاميين. المطلب الذي نعرفه باسم مخادع: “إصلاح الأزهر”.

ما هو إصلاح الأزهر على أرض الواقع؟

معناه توسيع رقعة سيطرة الأزهر، لكي يضمن استمرار نفس الدور الذي يقوم به الإسلامجية. حصل الأزهر على مزايا مدنية بالتوسع في التعليم المدني التمييزي المقدم إلى المسلمين فقط، بل المسلمين الدارسين للشريعة التراثية فقط، دونا عن بقية المواطنين. طب الأزهر، تجارة الأزهر، حقوق الأزهر (الشريعة والقانون). صار الأزهر في النيابة والقضاء والطب و سيطر بشكل شبه كامل على قطاع التعليم. هذا كله دون أن يفقد من سيطرته على المساجد، وعلى المعاملات الشخصية والزواج والطلاق شيئا.

ولا إن رأينا شيوخ الأزهر يروجون نفس أفكار الإخوان المسلمين.

الغرض واحد. أن يحكم “محمد علي” السياسة. على أن يترك لـ “عمر مكرم” السلطة على الفلاحين والمجتمع.

لن تنتقل مصر إلى دولة عصرية إلا لو خرجنا من هذه المعادلة ورفضناها.

شيخ الأزهر في خطاب المولد النبوي.. إحياء الخطاب السياسي لأنصار الخلافة الإسلامية


رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك