Post image. ..

لو كنت مفاوضا مصريا .. كيف أواجه ترامب في خطة غزة | خالد البري

سردية ترامب عن نفسه .. هل تفيدنا في غزة؟

المفاوضات تبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة. الإعداد لها يشمل فهم الطرف الآخر، وتخيل دوافعه، ونقاط قوته ونقاط ضعفه. ثم إن المفاوضات، حسب دونالد ترامب، لن يحسمها هذا الإعداد المكتمل، ولا الذكاء الشخصي المجرد والحسابات المنطقية، بل تحتاج مواهب شخصية يولد بها المفاوض كالحدس والجرأة.

في كتابه الذائع الصيت “فن الصفقات” الصادر عام 1987، شرح ترامب رؤيته لطريقة إدارة الصفقات. وكيف علمته الخبرة مجموعة من الأدوات تمنحه ميزات تفضيلية. منها (1) أدوات الضغط (leverage) (2) التضخيم، (3) خلق سيناريو أو سياق مساعد، (4) إحداث الارتباك لدى الطرف الآخر، (5) ضمان الدعاية وإن كانت سلبية. كما نرى، معظمها عوامل نفسية تلعب على الإدراك لا الحقيقة المجردة.

هل يمكن استخدام الكتاب الذي نشره رجل الأعمال دونالد ترامب في فهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل مواجهته في تفاوض؟ وهل يمكن استخدام نفس التكتيك لمواجهة خطة لعبه؟

بداية، الكتاب ليس رؤية فلسفية. ولا يمكن التسليمُ بدقة ما ورد فيه. لكنه – على الأقل – سردية ترامب عن نفسه. والصورة التي يحب أن يحقنها في ذهن العالم عن شخصيته. حيث الفوز، في صفقة تجارية، الهدف الأول والأخير.

ومن هنا يبدأ أول دواعي الحذر. في عالم الصفقات التجارية يمكن النظر إلى الأطراف كفائز وخاسر. هذه طبيعتها. أما في عالم السياسة، إذ يتعلق الموضوع بعدة أطراف ذات مصلحة، وبشر تحكمهم مشاعر وأعراف وقوانين مختلفة، فالأمر ليس بهذه البساطة. مكسبك المباشر، باستخدام أوراق قوتك، يمكن أن يتحول إلى مستنقع تغرق فيه. من ناحيةٍ، لن نسمع صافرة النهاية بمجرد توقيع الطرفين، كما الحال في عالم المواجهات التجارية، والقانون لا ينحاز إليك مباشرة بمقتضى هذا التوقيع. إذ السياسة مباراة مفتوحة انفتاح الزمن. ومن الناحية المقابلة، القانون في السياسة لا يعود إلى ملاحقتك قضائيا، ولا يفرض عليك عقوبات، إن لم تلتزم بالإنجاز حسب العرض الذي قدمته. بل يمكنك أن تخرب دولا وتشعل حروبا ثم تمضي بقية عمرك آمنا مطمئنا متمتعا بمزايا “الرئيس السابق”.

من هنا، إن حاولتَ استخدام تقنيات الصفقات التجارية في السياسة صرت كجزار ماهر يعتقد أن بإمكانه أن يكون جراحا، أو العكس.

ومن هنا أيضًا، تبدأ أولى نقاط ضعف ترامب. وسأشرح وجهة نظري مستخدمًا خطة غزة، من وجهة نظر مصرية، مثالًا.

أوراق الضغط في خطة ترامب في غزة: القوة مقابل الندرة

كما ذكرنا إن أول أدوات ترامب في صفقاته استخدام أوراق الضغط. وكونه رئيسًا للولايات المتحدة لن تعوزه هذه الأوراق. مما يغريه بطرحها مباشرة مطمئنًا أن الطرح لن يضره.

وفي المقابل، أول ما يؤرق الطرف المقابل إن أراد تطبيق تكتيك ترامب سيكون ندرة هذه الأوراق ضد أمريكا. وقد رأينا ترامب يضغط على مصر لكي تقبل بخطته في غزة، التي تشمل تهجير أهل القطاع إلى مصر، ثم امتلاك أمريكا للقطاع. وإسرائيل توافقه على الخطة. فماذا تملك مصر من أوراق ضغط مقابلة؟

القوة العسكرية لأمريكا قادرة على مواجهة العالم. القدرات الاقتصادية قادرة على شل اقتصادات كبرى فضلًا عن دولة نامية مثل مصر. يبدو الأمر وكأنه محسوم في هذا البند. لكن الحقيقة لا. لقد تطوع ترامب بمنح مصر مجموعة من أوراق الضغط، بسبب عجزه المشار إليه عن إدراك الفارق بين الصفقة التجارية وبين الاتفاق السياسي. كما فتح لها الباب لاستخدام أدوات تفاوضه الأخرى أفضل من أمريكا نفسها.

ورقة الضغط الأولى التي منحها ترامب لمصر هي إشراكها و إسرائيل في تنفيذ المخطط. لم ينشأ هذا عن سهو، بل حتمية. حيث سبق لترامب أن ألزم نفسه بعدم خوض صراعات عسكرية جديدة. لذلك أراد من إسرائيل أن تخلق الظروف العسكرية الدافعة للتهجير، ومن مصر أن تستقبل ضحايا التهجير، ثم تحصل أمريكا على الغنيمة. عرض يشبه بامتياز رجل الأعمال ترامب، سيستخدم قوة أمريكا لكي يخرج فائزًا، بينما يوزع الخسائر على الأطراف الأخرى. وفي الثنايا، يتعامل مع بشر القطاع وكأنهم بضائع منقولة.

لكنه في نفس الوقت وضع مصر في موضع من يملك مفتاح الصفقة. وجعل الطريقة الوحيدة الممكنة لإرغامها على القبول هو التلويح العسكري والاقتصادي. لكن انتبه، بين مصر وإسرائيل معاهدة سلام تمثل ركيزة الاستقرار في الشرق الأوسط. إجبارها من قبل “إسرائيل” على القبول باحتلال أرضها من باب خلفي، وتغيير موازين القوى على الحدود، خرق لبنود عملية السلام سترد عليه مصر بمثله. وعليه صار الميزان كالتالي: خطة غزة في كفة. وسلام الشرق الأوسط (وأمن إسرائيل) في كفة. كل هذا دون أن ترتكب مصر أي تصرف عدائي. كل هذا دون أن تطلق مصر رصاصة واحدة. بل بمزيد من الإصرار على السلام واحترامه، ولكن الجهوزية في حال خرقه. وبممارسة حقها الطبيعي كدولة ذات سيادة في منع اختراق حدودها. وفي إشارة جانبية، الحق الذي بنى عليه دونالد ترامب وفريقه جزءا كبيرا من دعايتهم الانتخابية.

الكفة المصرية، الـ leverage، لا تقتصر على أمن إسرائيل على حدودها الجنوبية فقط. إسرائيل أحرزت نجاحات كبرى خلال السنة الأخيرة على الجبهة الشمالية. أنهكت حزب الله، ساهمت في إسقاط نظام الأسد، بالتزامن مع ضربات قاتلة إلى حماس، فحيدت الخطر الإيراني إلى حد كبير. الصراع مع مصر حتى مع افتراض انتصار إسرائيل عسكريًا (مجرد افتراض) يمكن أن يقلب هذه المعادلة تمامًا ويمحو مكاسب إسرائيل بالتدريج. الصراع مع مصر لن يكون نزهة. في كفة مصر أيضًا مكتسبات السلام حسب الاتفاق الإبراهيمي. اذكر لي اسم دولة في المنطقة تستمر في السلام مع إسرائيل بينما مصر في مرمى النيران بسبب رفضها تهجير الفلسطينيين.

لكي يتجنب ترامب منح مصر هذا المثقال في كفتها كان عليه إما تحييد إسرائيل واعتبار خطة التهجير أمريكية من الألف إلى الياء، غزوا على غرار العراق، أو تحييد مصر تمامًا، واعتبارها خطة أمريكية إسرائيلية بالاتفاق مع الفلسطينيين ودول أخرى. وكلاهما مستحيل التحقيق. إنما أذكرهما لغرض الجدل حول الطرح الترامبي في صورته الحالية.

التكتيك السياسي لمصر في مواجهة قضية التهجير الفلسطيني

من المهم وقد وصلنا إلى هنا إبراز الفارق بين ما تقوله بلغة السياسة، وما تعنيه حقا. مفهوم للجميع أن مصر لا تريد أن تتنصل من قضية التهجير، حتى إن لم يكن إلى أرضها. لكن ليس من مصلحتها في إدارة المواجهة السياسية أن تقول ذلك مباشرة.

الأفضل لمصر تكتيكيا أن تقصر رفضها على عدم قبول “تطهير عرقي” إلى أراضيها، أو المشاركة في “تطهير عرقي”. هذه لغة لا تحتاج إلى تضخيم، المصطلح مشحون عاطفيًا وثقافيا في الذاكرة الحديثة بالفعل. وقادر على وضع الخطة في وضع الدفاع أخلاقيًا، في مزنق يشبه ذاك الذي وضع فيه إرهاب حماس القضية الفلسطينية. مما يضيف إلى موقف مصر “العسكري” قوة أخلاقية.

ويفتح هذا الباب إعلاميًا ودعائيًا باستخدام قضايا “التطهير العرقي” السابقة، وتذكير الأمريكيين في أي جانب يصطفون الآن. الدعاية المطلوبة لا تهدد أحدا على الإطلاق. آخر ما تريده مصر دعاية تدعي القدرة العسكرية على تدمير إسرائيل أو حتى الرغبة في دخول مواجهة معها. على العكس، لا بد من الإصرار على تذكير العالم بالقوة الأمريكية الكاسحة التي توشك على تكرار ما فعله البابليون باليهود. وهذه صورة معروفة في الثقافتين اليهودية والمسيحية. تُستَخدَم دليلا على الفراغ الأخلاقي لبابل الذي مهد لسقوطها.

بالتوازي، تُذَكِّر مصرُ العالمَ بأنها تولت بنفسها دحر الإرهابيين في سيناء، في حرب استمرت سنوات، تخفوا فيها أيضا وسط مدنيين. و تُذَكِّرُ العالمَ بأن ضحايا هجماتهم الإرهابية في يوم واحد فقط كانت أكثر من 300 مصري مدني فجر الإرهابيون مسجدهم في صلاة الجمعة. ومئات المدنيين غيرهم في حوادث استهداف إرهابي مباشر. بالأضافة إلى آلاف رجال الأمن من الشرطة والجيش.

كما تحتاج مصر إلى تذكير العالم بما جره تهجير الفلسطينيين إلى دول حدودية أخرى، مثل لبنان والأردن. الفارق أن تكرار نفس التجربة إلى مصر قد يجر المنطقة إلى حرب إقليمية في المستقبل.

الغرض من هذا وضع القضية في سردية جديدة وسياق مختلف. دعاية الحماسة لا قيمة لها خارج الاستهلاك المحلي.

ورسالة مصر وسياقها أنها تواجه إرهابا هي الأخرى. وغير مستعدة لاستيراد موجة جديدة منه. مصر تدافع عن أمنها وأمن مواطنيها. هذا ما يعنيها. وهذه قضيتها. وتلك حدودها. وانظروا ماذا تواجه مصر؟ إن كان هناك ما يستحق التضخيم في هذه المواجهة التفاوضية فلا ينبغي أبدا أن يكون قوة الجيش المصري. هذه معروفة لمن يعنينا أن يعرفوا. ما ينبغي تضخيمه هو طرف المعادلة الآخر. ما ينبغي تضخيمه هو تهديد خطة “التطهير العرقي” للسلام والأمن، وفراغها الأخلاقي الكامل.

بعد التأكيد على هذه الرسالة، في ما يخص الشأن المصري، تحيل الموضوع إلى الفلسطينيين، العنصر البشري الذي أهملته الصفقة الأمريكية الإسرائيلية. ومن بعد الفلسطينيين الدول المعنية في المنطقة، والمنظمات الدولية. فإن نجح ترامب في إقناع كل هؤلاء، أو تجاوزهم، فإن مصر ستكتفي فقط بالجزء الذي يخصها وهو عدم المشاركة في خطة التهجير العرقي التي تتنافى مع القيم المصرية.

الغرض هنا أن ننأى بمصر عن الاضطلاع بحمل التفاوض. ونوزع الجهد بين القبائل. مع التأكيد على الحفاظ على موقف مصر الأخلاقي.

الدور المصري في التفاوض حول القضية الفلسطينية

من المهم ألا تتورط مصر في الاضطلاع بمهمة التفاوض في ظل النموذج المعرفي أو النطاق (paradigm) المطروح حاليا. عليها أن تخلق نطاقين متمايزين لهذه الخطة.

أحدهما يخص مصر، ولا تفاوض فيه: لا استقبال لمهجرين، ولا مشاركة في التهجير.

والثاني جماعي: المسألة الفلسطينية تخص أطرافا stakeholders متعددين، لا تملك مصر الحديث بالنيابة عنهم. أولهم الفلسطينيون، ثم المنظمات الإقليمية والدولية والشركاء الأوروبيون.

في النطاق الأول، لا يعني الحسم نهاية المطاف. بل ينبغي لمصر أن تستخدم الضغوط عليها لكي تقدم ما يبدو أنه تنازلات، لكنه في الحقيقة مكاسب لم يكن ممكنا تمريرها إلى الرأي العام في الظروف العادية. أن تخلق مسارا جديدا في علاقتها مع الولايات المتحدة، تقدم فيه نفسها حليفا من خارج الناتو، على ناصية إفريقيا، وتقاطع ساحلي البحر المتوسط. والتمهيد للاشتراك في خطط سلام إقليمي يؤدي تناميه إلى تضاؤل نسبي لمحاور الإرهاب. هذه طروحات منفصلة في العنوان، وإنما متصلة في الغرض، تسعى إلى تحقيق مكاسب للأطراف الثلاثة، وللجميع لاحقا. في ظل الخريطة المتغيرة حاليا في سوريا، وفي أمن البحر الأحمر، وفي مكافحة الإرهاب. بما يعزز صور القوة العسكرية المصرية كحليف تحتاجه الولايات المتحدة. نحن مقبلون على عالم شبيه بما سبق الحروب العالمية. ومن الضروري الانتباه إلى الفارق بين الاستقلالية والعزلة. وتطوير عقيدتنا الأمنية بما يتماشى مع التغير.

الميزة الثانية في هذا الطرح تعزيز صورة مصر العالمية كداعية سلام، وقوة دافعة إليه، وليست قوة تعطيل.

في النطاق الثاني، النطاق الجماعي، لا داعي إلى تثمين “الزعامة” الفجة بأكثر من قيمتها الفعلية، وحصيلتها النهائية. الزعامة سلوك متراكم يتحقق بالهدوء والثقل، أو لا قيمة لها.

لدينا في هذا النطاق الجماعي المبادرة العربية المقدمة سابقا من السعودية، يمكن أن يضاف إليها خطط المشاريع التنموية المرتبطة بالسلام، والعزم الجماعي على عزل حماس تماما، بموقف واضح من جامعة الدول العربية يرفض الحركة، كونها حركة إرهابية، ويطالبها بتسليم سلاحها دون قيد ولا شرط، ولا لكن ولا بالنظر إلى. بما يساهم في تقوية الموقف الأخلاقي وتعزيز النظرة إلى الالتزام بالقانون الدولي. مع الالتزام بجدول زمني يبدأ بتثبيت السلام واللاعنف وليس بمبادلة الأرض. وترتبط المسؤولية فيه بالالتزام الفلسطيني من خلال تفويض شعبي انتخابي واضح. يتحملون بعده مسؤوليته.

يمكن أيضًا تقديم بديل مفاجئ، لكنه أقل غرابة من طرح ترامب. يقترح هذا البديل أن تضم إسرائيل كل الأراضي الفلسطينية فتزداد مساحتها التي اشتكى ترامب من صغرها. وتتطلع بمسؤوليتها عن مواطنيها. وهو طرح لن تقبل به إسرائيل أبدًا، لأسباب ديموغرافية. لكنه يبرز عدم امتلاك إسرائيل لخطة واقعية للسلام مع الفلسطينيين. لا هي تقبل بحل الدولتين، ولا تقبل بحل الدولة الواحدة. ولا تقبل أي صيغة للتعايش السلمي، بل تسعى فقط إلى “تطهير الأرض عرقيا” من الفلسطينيين.

اخترنا لك

البحث في الأقسام