مغالطات فيسوس | اللوتوقراطية.. هل الحشود أذكى من الأفراد؟ | أحمد رجب

مغالطات فيسوس | اللوتوقراطية.. هل الحشود أذكى من الأفراد؟ | أحمد رجب

23 May 2021
أحمد رجب دقائق.نت
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

فيسوس Vsauce قناة تبسيط العلوم الأشهر على يوتيوب. آخر إنتاجاتها مقطع فيديو بعنوان “مستقبل المنطق” خرج للنور بالتعاون مع بيل جيتس وفريقه، ويأمل من خلاله صانع المحتوى اللامع مايكل ستيفن أن نعيد التفكير في كل شيء، بما في ذلك التفكير نفسه.

إلا أننا نصل إلى نهاية الحلقة، لنجد ذلك المقترح في انتظارنا: “مفتاح حل مشكلات العالم كافة، يكمن في تفعيل المرحلة التالية للديموقراطية: اللوتوقراطية – Lottocracy“.

بدلًا من أن تُتخذ القرارات من ساسة منتخبين، لنلق بالمهمة على عاتق حشد من الناس من غير ذوي الخبرة، نجمعهم من إحدى المقاهي مثلًا، وبعد أن نعدهم الإعداد المناسب، سنجد أنهم معًا الأقدر على إنهاء معضلات كالتغير المناخي، واستنزاف موارد الأرض، وغيره مما عجز الأفراد – والعباقرة منهم – عن حله!

مهمتنا هنا ستكون إعادة التفكير في إعادة التفكير تلك!

اللغز وراء الحشود

تخيل أن قردًا قطع تذكرة سينما وذهب لمشاهدة فيلم Cast away من بطولة توم هانكس، عن إنسان حلت به كارثة فوجد نفسه على جزيرة بمفرده، وكان عليه أن يدخل في صراع من أجل البقاء، ثم فعلها ونجا. ماذا عسى القرد يقول؟

توم هانكس في فيلم كاست أواي

توم هانكس في فيلم كاست أواي

سيقول إنه فيلم ممل بلا شك!

هل أتيت إلى هنا وضحيت بعشائي لأشاهد ما أفعل مثيله يوميًا، وبكفاءة أعلى من هذا البطل، ثم تنتظر مني أن أصدق أنه حقق المستحيل؟! وأن أتاثر فوق ذلك؟! رجعولي موزي!

نجاة فرد وحده معجزة في عالم البشر. أما في عالم القردة، فليست أكثر من روتين يومي.

إن كان الأمر كذلك، فلماذا البشر – لا القردة – هم من يحكمون الأرض؟

للإجابة، كان على المؤرخ يوفال يوفال نواه هراري أن يرجع بالزمن 70,000 عام للوراء، وقتما لم يكن سلف الإنسان سوى حيوان غير متميز، لا يتعدى تأثيره على الكوكب ما لقنديل البحر من تأثير.

يتسائل هراري: كيف وصلنا من ذاك إلى هذا؟ كيف تطورنا من قردة منزوية في ركن من أفريقيا إلى حكام الأرض؟

الإجابة تمكن في “الحشود”.

صراع بين إنسان وقرد، أو بين 10 أشخاص مقابل 10 قردة، ستحسمه القردة على الأرجح لصالحها. في حين أن صراعًا بين 1,000 إنسان و1,000 قرد سينتهي حتمًا بانتصار البشر.

البشر يحكمون الكوكب لأنهم الحيوانات الوحيدة القادرة على التعاون بمرونة كبيرة، وعلى نطاق واسع جدًا.

مستقبل المنطق.. المغلوط!

فيديو فيسوس يتوافق مع ما وصلنا إليه إلى الآن، ويضيف كذلك، بلغة شعرية، عددًا من الأفكار الشيقة الأخرى، كعادة القناة دومًا.

مثلًا، فكرة أن البشر طوروا المنطق لا من أجل اتخاذ القرارات، بل لغرض اجتماعي هو التواصل. أو بعبارة أخرى، فإننا نتخذ القرارات أولًا، ثم نلجأ للمنطق لاحقًا لتبرير قراراتنا أمام الآخرين.

وفكرة أن الإنترنت، رغم أنه أعطى المساحة لعرض وجهات نظر أكثر من أي وقت مضى، فإنه سهل علينا العيش في فقاعات فكرية، بمعزل عمن يخالفوننا الرأى، فأغنانا عن الحاجة لتبرير آرائنا أمام الآخرين. لكن النتيجة أن فرصة الإبقاء على الآراء غير المنطقية، وتلك المبنية على نظريات المؤامرة، باتت أكثر احتمالًا.

أين المشكلة إذن؟

حسنًا، المشكلة أنه ينطلق من تلك الأفكار إلى استنتاج آخر، بنى عليه مقترح اللوتوقراطية أعلاه، وهو أن الحشود أكثر ذكاءًا وحكمة من الأفراد.

يستند مايكل ستيفن في حجته على تجربة “حبات الفاصوليا” الكلاسيكية التي أجراها جاك ترينور. وفيها يُعرض برطمانًا مليئًا بحبات الفاصوليا، ويستطلع رأى المشاركين حول عدد الحبات. وبحساب متوسط الإجابات، وُجد أن “إجابة الحشد” كانت الأقرب للصواب من إجابات معظم الأفراد المشاركين.

وكما يضعها ستيفن، فإن ما يحدث هو أنه:

على الرغم من أن البعض قد يخمنون رقمًا كبيرًا جدًا، إلا أن هذا الخطأ يتوازن بحقيقة أن البعض الآخر سيخمنون رقمًا صغيرًا جدًا. ومعًا، يتحول الخلاف إلى دقة مذهلة.

نتوقف هنا لنر ما إذا كان ستيفن قد وقع في مغالطات استدلالية، في فيديو يدور حول الاستدلال ومستقبل المنطق.. ونطرح سؤالين:

الأول: ماذا لو كانت المهمة المطلوبة أكثر من مجرد لعبة تخمين؟ هل تتفوق “إجابة الحشود” أيضًا؟

والثاني: التجربة اعتمدت على أن يقدم المشاركون إجاباتهم كل على حدة. ماذا لو طلب منهم الإجابة بشكل جماعي؟

العقل كآلة حاسبة معطوبة!

نبدأ بالسؤال الأول. خذ هذه المسألة:

لو قلنا إن مجموع ثمن مضرب وكرة هو 1.1 دولار (دولار وعشرة سنتات)، وأن ثمن المضرب يزيد عن ثمن الكرة بدولار، فما هو ثمن الكرة؟

المسألة لا تتطلب مهارات حسابية عالية. لكن عندما وجه عالم النفس شين فردريك هذا السؤال إلى طلبة متفوقين بجامعتي برنستون ومتشجان، ومنحهم الكثير من الوقت للتفكير، رد 50% من طلبة برنستون و56% من طلبة متشجان بالإجابة الخاطئة! وقالوا إن ثمن الكرة 10 سنتات.

مسألة الكرة والمضرب

مسألة الكرة والمضرب

يمكن إرجاع ذلك إلى حقيقة أن هذه الإجابة تُظن – بطريقة ما – صحيحة. فالرقم ينقسم بسهولة إلى الواحد وعُشر الواحد، وهو ما يجعل الإجابة (1 دولار، و10 سنتات) تبدو بديهية للوهلة الأولى، ويجعل الامتناع عنها والرد بالإجابة الصحيحة، وهي أن ثمن الكرة 5 سنتات، يتطلب جهدًا واعيًا!

إن كان الحال كذلك مع مسألة بسيطة كتلك، فما بالنا بمسائل سياسية واقتصادية أكثر تعقيدًا بكثير؟! وإن كان الحال كذلك مع حشد من الطلبة المتفوقين، فما بالنا بحشد من البسطاء؟!

في كتابه الذرة الاجتماعية، يفسر الكاتب الأمريكي مارك بوكنان ذلك بالقول بأنه:

حينما يتعلق الأمر بالسلوك الإنساني واتخاذ القرارات، يجب ألا نتفاجأ بأن العقلانية ليست هي القول الفصل!

خطايا الحشود

نجيب على السؤال الثاني باستعراض تجربة أجراها الباحث سولمون آش عام 1952.

عرض آش بطاقتين. مرسوم على الأولى خط واحد، ومرسوم على الأخرى 3 خطوط، أحد تلك الخطوط فقط يماثل تمامًا الخط على البطاقة الأولى.. وطلب من المشاركين تحديد هذا الخط بعد تأنٍ.

اختبار سهل للغاية، أدَّاه كل المشاركين في التجربة بنجاح. إلى أن تدخل آش وقام بحيلته: دس بين صفوف المشاركين عددًا من أتباعه، وجعلهم يعلنون الإجابة الخاطئة بصوت عال.. والنتيجة؟ كارثة!

الأغلبية سايرت أتباع آش، وتراجعت عن إجابتها الصحيحة، لتبني تلك الخاطئة، لمجرد أن حفنة من المتواطئين أعلنتها على الملأ!

وكما أوحى أرسطو منذ زمن بعيد، فإن “ما يتميز به الإنسان على ما دونه من الحيوانات، هو أنه أكثر المخلوقات في العالم قيامًا بالتقليد“.

 قد يفسر ذلك سر العدوى التي عادة ما تسري في الحشود لدى اجتماعها، وتدفع أعضاءها إلى ارتكاب جرائم ما كان ليجرؤ معظمهم على الإقدام عليها بمفرده؛ كما نشاهد في الثورات مثلًا من شيوع لأعمال حرق ونهب المتلكات، وغيره من مظاهر التخريب.

يقول المفكر الفرنسي جوستاف لوبون: “الجماعات منقادة للعمل دون أن تشعر بالدافع إليه، فتأثير المجموع في أفعالها يفوق تأثير المخ بكثير”. ليخلص إلى أن “الجماعة ألعوبة في يد المهيجات الخارجية“.

خطايا الحشود

خطايا الحشود

كيف أمكن لـ مايكل ستيفن – على شدة ذكائه – إغفال كل ذلك؟ الأرجح أنه قد قرأ الصورة وهو يحمل انحيازًا تأكيديًا ناحية الديموقراطية، كونها مقدسة في الثقافة الغربية حاليًا، بكل ما يؤكد جدارتها من أدلة، وكل ما يتفرع عنها بالتالي من أنظمة للحكم.

وختامًا: لا خلاف على أن البشر أقدر على النجاة بتواجدهم في جماعات. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الحشود أكثر حكمة من الأفراد. فما كل الناس بأعقل من فولتير كما يقولون.


 

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك