مثلث الحب/ الاهتمام علاقة سردية بين ثلاثة أشخاص. ينتج عن التيمة عشرات التفرعات دراميا ومن أهمها:

  • مثلث التنازع: حيث يتصارع طرفان بضراوة للحصول على الاهتمام الكلي للشخص الثالث (رجلان في صراع للحصول على حب فتاة مثلًا).
  • المثلث المُنقسم على ذاته: طرف ما متذبذب في الاختيار (الفتاة حائرة في الاختيار بينهما مثلًا، إذا أكملنا على نفس المثال السابق).
  • الاختيار الخطأ: الشخص الذي يختار يكتشف متأخرًا أنه اختار الطرف الذي لا يناسبه، ويسعى لاستعادة اهتمام الطرف الآخر (الفتاة تكتشف أنها اختارت الوغد، وعليها أن تصلح الموقف وتستعيد حب الآخر).
  • الطرف النبيل المُضحي: طرف من المتنافسين يضحي بسعادته ليترك الباقيين في سعادة (رجل منهما يدرك أن الحياة ستصبح تعيسة للكل، وأن عليه أن يغادر ويتحمل آلامه لتسعد الفتاة مع مُنافسه).
  • الطرف المنقذ: طرف من المنافسين يثبت دناوة الآخر للطرف الثالث (رجل منهما يكشف حقيقة الآخر الشريرة للفتاة).
  • المنتقم الغاضب: الطرف الذي يخسر المنافسة يسعى للانتقام (الرجل المتروك المجروح يقرر توريط الفتاة في جريمة لم ترتكبها مثلًا كعقاب لها على تركه).

في المُفضلة The Favourite أحدث أفلام المخرج اليوناني يورجوس لانثيموس، مثلث أكثر تعقيدًا وغرابة من كل ما سبق، والأهم أنه مثلث نسوي بالكامل، أو ربما لأنه نسوي بالكامل!

لدينا هنا آن (البريطانية أوليفيا كولمان في الدور)، ملكة إنجلترا في القرن الـ 18، التي تثق تمامًا في آراء صديقتها ومساعدتها سارة (راشيل وايز)، بشأن إدارة البلاد ومواجهة الأعداء الفرنسيين. العلاقة بينهما تتعقد تدريجيًا مع ظهور أبيجيل (إيما ستون) التي تشق طريقها للحصول على اهتمام وثقة الملكة أيضًا.

المتابعون لأفلام لانثيموس السابقة، وأشهرها The Killing of a Sacred Deer – The Lobster يعرفون جيدًا أن راحته كسيناريست ومخرج، تكمن في منح المتفرجين أجواءً وقصصًا صادمة وغير مريحة بالمرة! هنا يواصل على نفس النهج في عمل يكتفي بإخراجه، عن نص كتبه توني ماكنمارا مع دوبرا ديفيز، وأقل حدة وصدامًا نسبيًا من أفلامه السابقة التي كتبها بنفسه.

نظرة جريئة وصادمة للأمومة والإنجاب في Tully

يمنحنا الفيلم طباعًا رمادية للشخصيات الرئيسية الثلاث، وهو ما يخلق لدى المتفرج صعوبة مطلوبة ومفيدة في اختيار الكفة التي يميل إليها. الثلاث على قدر من الهشاشة النفسية رغم قوتهن ظاهريًا. الثلاث ضحايا لمشكلات وإحباطات نسوية مرتبطة بزمن الأحداث ودور الأنثى المحدد فيها. الثلاث يستحققن التعاطف والإدانة ربما بنفس القدر.

هذا فيلم لا يحاول تمييع شخصياته النسوية، وإظهارهن في صورة مثالية كضحايا لعالم ذكوري قاسٍ، بقدر ما يراهن أيضًا كبشر لهن عيوب مثل النرجسية والطمع والغيرة والكذب وخلافه.

إيما ستون هي النجمة الأشهر في هوليوود وسط الثلاث حاليًا، وفي الفيلم تثبت جدارتها بالتصنيف كواحدة من أهم ممثلات جيلها. طباعها المرحة تضيف تناقضًا مطلوبًا ومعاكسًا لرفيقتيها.

راشيل وايز تثبت جدارة مقاربة رغم مساحة ظهورها الأقل نسبيًا، في دور احتاج أيضًا لملامحها الجميلة الأرستقراطية، لكن أوليفيا كولمان هي من يخطف الأضواء من الكل، بشخصية معقدة يصعب نسيانها، وأداء بارع يعكس تقلبًا مزاجيًا حاد للشخصية، ستنتزع عنه قريبًا بالتأكيد ترشيحًا للأوسكار (فازت بالفعل بالجولدن جلوب عن الدور).

لماذا تحتاج الأوسكار ونحتاج معها إلى فوز “مولد نجمة” بجائزة أفضل فيلم؟‎

أداؤها تحديدًا، وأداء الثلاث عامة هو أقوى عناصر الفيلم، والسبب الرئيسي لتصنيفه كعمل مهم؛ لأن النص وطبيعة الأحداث – للأسف – لا يمنحان لهذه الشخصيات والممثلات لاحقًا مسارًا دراميًا على نفس درجة الجودة والتفرد.



رغم هذا يصعب إنكار تقدم لانثيموس الملحوظ كمخرج خصوصًا بصريًا. اختار هنا مثلًا التصوير على خام نيجاتيف 35 ملم، للحفاظ على شكل كلاسيكي لصورة فيلمه التاريخي، واعتمد بالأساس على أضواء النهار العادية، مع زوايا تصوير غريبة من وقت إلى آخر تناسب طباع شخصيات فيلمه الأغرب.

في مشاهد أخرى، اختار دون إفراط استخدام عدسات عين السمكة Fisheye، التي تعكس أبعادًا ونسبًا مشوهة ومقوسة بين أطراف الصورة ومركزها، وتُكرس لدى المتفرج إحساسًا غير مريح يُكمل التأثير المطلوب من هذه المشاهد.



طبقا لتصريحات لانثيموس، ففيلم المخرج ميلوش فورمان Amadeus، كان أحد مصادر إلهامه هنا، سواء على الصعيد البصري أو الدرامي، لكن يمكن أيضًا بالتأكيد ذكر فيلم مثل Barry Lyndon للمخرج ستانلي كوبريك، كعمل آخر شهير تدور أحداثه في فترة مقاربة تاريخيًا، ويقدم حتى بمعايير اليوم الكثير والكثير بفضل ألاعيب العدسات والتصوير.

التصوير والأزياء وتصميم الديكورات عامة ثلاثة عناصر قوية أخرى هنا، ستترشح غالبًا للأوسكار، ليكمل الفيلم تركيبته الغريبة والاستثنائية هذا الموسم، كعمل مميز جدًا في أغلب تفاصيله، لكن ينقصه، رغم ذلك اجمالًا، العنفوان المطلوب للمنافسة جديًا على الفوز بأوسكار (أفضل فيلم)، وإن كان بالتأكيد سينال شرف الترشيح.

10 أفلام مُنتظرة العام القادم في سباق أوسكار 2020

بقى أن أذكر نقطتين؛ الأولى أن الشركة المنتجة اختارت تسويق الفيلم كعمل كوميدي، وأن ترشيحاته في الجولدن جلوب ظهرت أيضًا في فئة الكوميديا. للفيلم طابع ساخر وعبثي أحيانًا بالتأكيد، وربما لن يمانع البعض في تصنيفه تحت بند (الكوميديا السوداء)، لكن بالنسبة لي، يصعب إدراجه في خانة الكوميديا تحت أي بند.

الثانية أن الفيلم وان كان يتعرض لشخصيات تاريخية تواجدت فعلًا، لكنه قائم إجمالًا على خيال صُناعه دراميًا وروائيًا عن هذه الشخصيات. بصياغة أخرى: الموجود هنا لا يعكس قصة حقيقية من أي نوع، ولم يدع أحد عكس ذلك.

باختصار:

رغم أية سلبيات، يظل هذا فيلما مختلف المذاق وسط أقرانه في 2018، وعمل يستحق المشاهدة، ولو بفضل الأداء التمثيلي لبطلاته الثلاث وحده، وبالأخص أوليفيا كولمان.


مرشح لـ 10 جوائز أوسكار 2019 (فيلم – إخراج – سيناريو – تصميم إنتاج – تصميم أزياء – ممثلة/ أوليفيا كولمان – ممثلة مساعدة/ إيما ستون – ممثلة مساعدة/ راشيل وايز – تصوير – مونتاج).


حاصل على أوسكار أفضل ممثلة/ أوليفيا كولمان


ريفيوهات أهم الأفلام المُنافسة الأخرى على أوسكار أفضل فيلم 2019:

Green Book.. ما نجح فيه “الكتاب الأخضر” وفشلت فيه السينما المناهضة للعنصرية‎ 

مولد نجمة ومخرج وأوسكارات أيضًا في A Star Is Born

Roma.. ذكريات “كوارون” المشوشة تضع نتفليكس في مشهد الجوائز

رامي مالك يعزف منفردًا في Bohemian Rhapsody

كريستان بيل يخطط للأوسكار ولغزو العراق في VICE | حاتم منصور | دقائق.نت

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B9%D8%B6-%D9%8A%D9%81%D8%B6%D9%84%D9%88%D9%86%D9%87%D8%A7-%D9%86%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-the-favourite-%D8%AD%D8%A7%D8%AA%D9%85-%D9%85%D9%86%D8%B5%D9%88%D8%B1">
Twitter