لطالما حيرتني مسألة إيلي كوهين. كل إسرائيلي يعتبره أعظم بطل في تاريخ الجاسوسية، وقدمته إسرائيل بهذه الصفة، لكن ما حققه على الأرض لم يكن أسطوريًا، وزمن خدمته السرية كان محدودًا. تنقل من عملية الخلية 131 (فضيحة لافون) الفاشلة في مصر إلى نجاح محدود في سوريا انتهى بتراجيديا إعدامه التي تسببت في سحب عملاء الموساد إسرائيليي الجنسية من دول المواجهة.

لا أعرف سببًا وجيهًا لوضع إيلي كوهين في مرتبة أعلى من جواسيس مثل فولفجانج لوتز الذي اخترق النخبة العسكرية في مصر، ونجح في نقل معلوماتٍ حيوية، أو باروخ زكي مزراحي الذي ساهم في إنجاح عملية نقل آلاف اليهود من اليمن.

الحقيقة أن كوهين سردية أكثر من كونه تاريخا.. حالة خُلقت في مرحلة أراد فيها الموساد إثبات أن صفعة إعدامه في ميدان عام يمكن أن يُرد عليها بسردية مهينة، وهذا هو الفارق بين كوهين ولوتز ومزراحي؛ فالأخيران تسلمتهما إسرائيل بعد مفاوضات ناجحة مع مصر.

في مطلع هذا العام، خرجت الصحافة الإسرائيلية بخبر الوصول إلى ساعة يد إيلي كوهين، وكأنها رفاة أحد القديسين التي يجب أن توضع في مكان عام للتبرك.. عُلقت الساعة فعلًا على مدخل مبنى الموساد المسمى باسمه. لاحقاً تم إنتاج دراما The Spy عن حياته، بالتزامن مع خبر آخر أهم في نظري، وهو نشر الموساد تقريرين كبيرين من ثلاثة تقارير تشكّل ملفه السري، ونشرت يديعوت أحرونوت ملخصًا لهما. فكيف أبلت الدراما في هذا السياق؟

   The Spy 

الانطباع الأول من مشاهدتي للمسلسل هو جودة العمل الفني نفسه؛ فالممثلون بارعون، ونتفليكس تفادت أخطاء فيلم الملاك الفادحة.. شخصية ساشا بارون كوهين كانت قريبة من شخصية إيلي كوهين كما وصفتها الكتب. العمل باللغة الإنجليزية، وهو أفضل من استخدام العربية بلكنة شمال أفريقية كما حدث مع الملاك الذي تحدث فيه السادات باللهجة الجزائرية!

كيف ربحت إسرائيل حرب أشرف مروان بجدارة في فيلم الملاك؟

في المسلسل ظهرت شخصيتان بأسماء مستعارة، لكن شبهما الكبير بالشخصيات الحقيقية سيساعد المتابع لإدراك أنهما مائير أميت، وزفي زامير، اللذان قادا الموساد تباعًا.

غير ذلك، فالمعلومات الحقيقية تكاد تنعدم. في المسلسل انتقل إيلي كوهين إلى الأرجنتين طفلًا باسم كامل أمين ثابت. الحقيقة – بحسب الوثائق المذكورة – أنه قدم نفسه كسوري عاش في الإسكندرية قبل الانتقال إلى الأرجنتين. الأمر يبدو أكثر منطقية؛ كونه يخلق عذرًا لعدم معرفته الكثير عن الأرجنتين، ويمنحه فرصة الاستفادة من معرفته الكبيرة بالإسكندرية التي ولد وترعرع فيها.

هنا يرتكز المسلسل من أوله لآخره على فكرة أساسية، وهي علاقة إيلي كوهين بأمين الحافظ الذي سيصير رئيسًا لسوريا؛ فالعلاقة الخاصة بالحافظ – بحسب الرواية الإسرائيلية – تبدأ من الأرجنتين حيث كان الأخير يعمل ملحقًا عسكرية بالسفارة السورية، ويدعم الشاب الغني كامل أمين ثابت، الذي بدوره سيدعم الحافظ للوصول إلى حكم سوريا.

كل هذه الرواية على الأرجح أسطورية. الحافظ في شهادته أنكر معرفته الشخصية بكوهين. قد يقول البعض إن الحافظ يحاول أن يرفع عن نفسه الحرج بإنكاره، إلا أن هناك حقيقة تاريخية واضحة ذكرها الحافظ وتجعل الرواية الإسرائيلية صعبة التصديق: لم تكن هناك سفارة سورية في الأرجنتين أساسًا أثناء وجود إيلي كوهين هناك

كوهين وصل الأرجنتين في مطلع 1961 وتركها في نهاية العام. في ذلك الوقت كانت هناك سفارة للجمهورية العربية المتحدة؛ لأن الوحدة كانت قائمة حتى سبتمبر 1961، وكان السفير والملحقان مصريين، ولم تكن هناك سفارة سورية حتى مارس 1962، أي بعد رحيل كوهين إلى سوريا بثلاثة أشهر، حين استُدعي الحافظ – الذي كان قائد المنطقة الشرقية – لتولي منصب الملحق العسكري هناك.

بمقارنة التواريخ، ندرك أن الحافظ وكوهين لم يعيشا في الأرجنتين في نفس الوقت؛ حقيقة وحدها كفيلة بنسف التسلسل الروائي كله للدراما من الناحية التاريخية، والرواية الإسرائيلية عمومًا، والتي ترتكز على فكرة دعم الحافظ له من أيام الأرجنتين.

التقارير الإسرائيلية لم تقدم عن وصول كوهين لمناصب عليا أكثر من معلومات تؤكد بناءه علاقات جيدة مع قيادات عسكرية وسياسية، لكنها لم ترتقِ إلى مناصب تؤهله لقيادة وزارة الدفاع كما تقول الروايات الجامحة في دولة لا يمكن لمدني فيها تولي قيادة الجيش. فالقيادي محمد الزعبي، وهو ينتمي للمعسكر الذي أطاح بالحافظ، أكد في روايته أن ظهور إيلي كوهين في المناسبات الاجتماعية شيء، والزعم بأنه كان عضو القيادة القطرية التي كان الزعبي نفسه منسقها أمر غير حقيقي.

أما نهاية كوهين، فالرواية الكلاسيكية التي تتحدث عن رصد إشارات بثه فقد تحدثنا عنها في مقالٍ سابق. بالطبع في المسلسل كانت هي الرواية الوحيدة، لكن الوثائق التي ظهرت بالتزامن مع المسلسل تؤكد مرة أخرى ما ذكرناه في المقال، حيث إن الإسرائيليين إلى اليوم لا يعرفون بالفعل كيف تم القبض عليه، وأنها “مجرد رواية” مبنية على تخمين أبرقته المخابرات الأمريكية للإسرائيليين بعدها بسنتين.

سقوط الجاسوس إيلي كوهين.. أدلة جديدة تؤيد الرواية المصرية

   إيلي كوهين.. التاريخ والرواية 

في الكتابات القديمة كانت هناك طريقتان للتأريخ: تاريخ مبني على قائمة بالأحداث في نقاط (وهو ما يُسمى بالأخبار Annals)، وتاريخ مسرود بسردية لها هدف ورسالة، أو تفسير. من ضمن أنواعه هو كتابة سيرة الشهداء من أجل التعلم منها وهو ما يُسمى بال Hagiography  في الأدب القديم.

ما قدمته إسرائيل في إعلامها ورسائلها هو كوهين لا كشخص تاريخي، وإنما كحالة ملهمة برسالة للأجيال الناشئة، أكثر من كونها حقيقة. لذلك فإن الرواية الرسمية هي أيضًا دراما، وبالتالي أعتقد شخصيًا أن دراما The Spy أقل ولاءً للتاريخ من دراما الموساد التي دونها باحثون، مثل موريس كوهين، ضابط المعلومات في الموساد، الذي هو بالمناسبة شقيق إيلي كوهين.

أما إيلي كوهين الحقيقي، فكان إيلي شاؤول جندي كوهين، ابن المنشية التي تربى في حواريها ودرس فيها حتى الجامعة، وقد كانت اللهجة الإسكندرانية غالبة على لسانه حتى موته. فكانت العبرية هي لغته الثانية، وأهله لم يتكلموها. كوهين أمضى في مصر جُل حياته ، منذ ميلاده سنة 24 حتى انتقل إلى إسرائيل في نهاية 1956 ليعيش فيها 5 سنوات فقط قبل رحلته إلى سوريا التي انتهت بإعدامه.

لقد ابتزته قيادته في الموساد و”عصرته كالليمونة” بحد قول أرملته التي اعتبرت المسلسل دعاية لتبرئة الموساد، فقالت إن الأمر بإعدام كوهين صدر في تل أبيب وأن السوريين فقط نفذوه. هذا هو السياق الذي أراد القائمون على المسلسل استبداله بسردية مختلفة.


الجاسوس | سيرة إيلي كوهين.. أخطر جواسيس الموساد كما ترويها نتفليكس | الحكاية في دقائق

أشرف مروان: الحكاية الإسرائيلية الكاملة وتناقضاتها في كتاب الملاك | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

أشرف مروان من الزاوية الأخرى: كتاب إسرائيليون يؤكدون أنه خدع إسرائيل خدعة كبرى


Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:
اشترك في قناتنا على يوتيوب
شاهد أيضا
المعرفة في دقائق

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A7%D8%B3%D9%88%D8%B3-%D8%A5%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D9%83%D9%88%D9%87%D9%8A%D9%86">
Twitter