ملف السويس | أسرار محاولة انقلاب الإخوان على عبد الناصر بتدبير بريطانيا | (2/3) | مينا منير

ملف السويس | أسرار محاولة انقلاب الإخوان على عبد الناصر بتدبير بريطانيا | (2/3) | مينا منير

15 يناير 2020
مينا منير دقائق

مينا منير

باحث بجامعة لوزان - سويسرا

للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في الجزء الأول، توقفنا عند التاريخ المهم لرسالة رئيس وزراء بريطانيا أنتوني إيدن لوزير الإسكان، وهو أغسطس 1956.  لاحظنا أيضًا في المسودة ما حذفه إيدن من معلومات تكشف أن “كل المحاولات” التي أجراها فشلت، وحان وقت التنسيق العسكري. فما تلك المحاولات؟ وما سر ارتباطها بالتاريخ المذكور؟

   زكريا محيي الدين.. الرجل الذي “شد الفيشة” 

منذ أعوام، حضرت لقاءً في كامبريدج حول سياسات جمال عبد الناصر. سألت أستاذ تاريخ معاصر شهيرا عن “الخلل في متابعة بريطانيا للوضع في مصر حينها”. فرد: “قبل سقوط الملك، كانت المتابعة مباشرة، لكن ما حدث بعد ذلك كان مختلفًا”، تبعها بجملة طريفة:

“Someone unplugged Egypt and it all went dark”؛ “أحدهم فصل التيار.. عم الظلام تمامًا”.

في أروقة مجلس قيادة الثورة، في أول أسبوع، وقع الاختيار على زكريا محيي الدين لتولي أخطر الملفات على الإطلاق: استتباب الأمن الداخلي والخارجي في هذه المرحلة الخطيرة. كان واضع خطة الانتشار والسيطرة ليلة 23 يوليو 1952، وأثبت كفاءة تؤهله للمهمة الجديدة.

في صباح 26 يوليو، وبينما كان الجميع منشغلًا بمشهد رحيل الملك، اصطحب زكريا محيي الدين مجموعة ضباط إلى مبنى المخابرات الحربية؛ جهاز المخابرات الوحيد آنذاك، ويبدو أنه وجد ما لا يسره.

لا نعرف التفاصيل تحديدًا، لكن اللواء أبو الفضل عبد الفتاح الذي كان بصحبته حينها، والذي سيصير لاحقًا نائب مدير جهاز المخابرات العامة في عهد صلاح نصر، يخبرنا أنه وجد ملفات وتقارير تذهب بالإنجليزية في الاتجاهين: من وإلى “الخارج”، وأنها كانت تحتوي على تقارير منتظمة حول حالة تسليح الجيش، ووضع قطع غيار الأسلحة الثقيلة.

الأمر أثار امتعاض محيي الدين، وحينما سأل عن سياق تلك الممارسة، عرف أنها ممارسة روتيني منذ توقيع معاهدة 1936،[1] بهدف “التعاون في مكافحة تمدد الشيوعية”.

لم تمض 4 أيام حتى عاد زكريا محيي الدين ليتولى رئاسة الجهاز شخصيًا، بعد إحالة مديره السابق حسين خيري، حفيد السلطان حسين كامل، إلى الاستيداع بسبب “التعاون” المذكور.

محيي الدين حدد ملامح السياسات الجديدة في ضوء المرحلة الخطيرة. وعليه، أسس وحدات متخصصة لمكافحة النشاط التخريبي والتجسس للدولتين المعاديتين الأساسيتين: إسرائيل، التي كان نشاط التجسس لوحداتها قد بدأ منذ مدة بالفعل، وبريطانيا.

وبينما تتساءل بريطانيا عن الوضع السياسي والعسكري الجديد في مصر، قام محيي الدين بـ “بشد الفيشة” بتجفيف مصادرهم.

   العصبي الغامض 

المرسلات الدبلوماسية والأمنية للبريطانيين والأمريكيين تظهر تخبطًا واضحًا في فهم شخصية زكريا محيي الدين. عزل بريطانيا عن المشهد الأمني، لكنه تقدم بمبادرة للتعاون مع الغرب في تدريب كوادر لإنشاء وحدة إضافية لمكافحة الشيوعية.

التخبط البريطاني يظهر في وصفه بـ “عصبي وصعب المراس” في مراسلة، وفي أخرى بـ “قوة يمكن التعاون معها – Force to reckon with”.

أما الأمريكيون فأعجبتهم شخصيته المختلفة عن باقي الضباط الأحرار في الهدوء والذكاء، وأوصوا بالتعاون معه.[2]

حنق بريطانيا تزايد بسبب سياسات محيي الدين. رؤيته الأساسية كانت الضغط ونقل المعركة الأمنية للطرف الآخر، ولهذا تحولت تلك الوحدات إلى جهاز الخدمة السرية بقيادته.

إحدى أخطر السياسات التي نفذها كانت متابعة نشاط التجسس وتحويل الجواسيس لعملاء مزدوجين دون دراية الدولة المعادية. وبريطانيا كانت الهدف الرئيسي.

ومع الوقت، وضع محيي الدين خطة جديدة لجهاز الخدمة السرية، بالانتقال إلى داخل الدول المعادية، ما أسفر عن تجنيد وإرسال رفعت الجمال بإشراف محيي الدين نفسه.

أما المخابرات الحربية فأدارت وحدة الفدائيين الجديدة التي قدمها بنفسه كذلك، ولعبت دورًا تخريبيًا في قواعد وأماكن نشاط البريطانيين حول السويس، بالتزامن مع مفاوضات الجلاء. فكان المبدأ: كلما تعثرت المفاوضات، زادت خسائر الإنجليز، ومع نجاحها، يتوقف “المواطنون الشرفاء” عن التخريب.

مع ضربة العملية سوزانة التي أنهت نشاط الوحدة 131 للأبد، والتي لا يعرف الإسرائيليون إلى الآن كيف علمت المخابرات الحربية بتحركات أفرادها، جاءت الحاجة لإنشاء جهاز المخابرات العامة الذي سيجسد كل أفكار زكريا محيي الدين بنجاح. الأمر الذي تسبب في إرباك حسابات بريطانيا، فبدأت برفع تقاريرها لرئيس الوزراء الجديد أنتوني إيدن تُنذره بأنها في غياب الإلمام بالوضع في مصر، فإنها تتوقع أن المصريين يميلون نحو الشيوعية، الأمر الذي كان خاطئًا حينها (سنة 1954).

   العملية Triple Duty 

إيدن رأى أن استعادة نفوذ بريطانيا يستلزم فرض سيادة الـ MI6 في مصر، فشكل لجنة مخابرات مشتركة خلصت في تقريرها، المنشور منذ وقت قريب، إلى أن الحضور المخابراتي في مصر بات عقيمًا.[3]

وفي مشهدٍ يشابه غزو العراق، سلمت المخابرات البريطانية لإيدن، في أكتوبر 1955، سلسلة تقارير من عميل باسم حركي Lucky Break تؤكد أن جمال عبد الناصر بلغ نقطة اللاعودة في إخضاع مصر للاتحاد السوفييتي، وأن التحول للشيوعية بات مسألة وقت.[4] كما تؤكد أن شعبيته في الحضيض.

هنا أطلق إيدن مع المخابرات، وبدون العودة للحكومة، العملية الكبرى Triple Duty لتنفيذ الخطة التالية:

  1. زرع خلية بريطانية داخل مصر تحت غطاء إعلامي.
  2. التواصل مع العناصر المحلية المعارضة للتمهيد لانقلاب استغلالًا للسخط الشعبي.
  3. لأن الانقلاب سيكون دمويًا، ستتدخل بريطانيا لضمان استقرار الوضع، وتستعيد قواعدها العسكرية.

بالفعل، دخل مصر 12 صحفيًا بهويات التليجراف وبي بي سي، وأنشأوا وكالة الأنباء العربية – Arab News Agency في القاهرة، كانت أكثر عداوةً لإسرائيل من الإذاعة المصرية نفسها، لتلقى استحسان الجماهير.

أما العناصر الداعمة المذكورة، فشملت، بحسب التقارير البريطانية، شخصيات من العائلة الملكية والوفد والإخوان (تحديدًا الهضيبي)، لتكوين حكومة ائتلاف حال سقوط جمال عبد الناصر.

وحاولت المخابرات تجنيد ضابط كبير في القوات الجوية يُدعى عصام الدين خليل. أثناء زيارته في روما، التقى به حسن خيري، نائب المخابرات الحربية الذي طرده زكريا محيي الدين كما ذكرنا. تظاهر خليل بالاستجابة، لكنه أبلغ المخابرات العامة فور عودته للقاهرة، لتبدأ معركتها الكبرى مع المخابرات البريطانية.[5]

   مواجهة مخابرات مصر – بريطانيا 

جرى ترتيب اللقاء التالي لعصام خليل في بيروت، حيث التقى رأسًا بجون فارم، المسؤول عن نطاق الشرق الأوسط في المخابرات البريطانية. واستمرت اللقاءات التي سجلها خليل كاملة، وطلب مبلغًا ضخمًا في كل مرة مقابل تسليم معلومات مضللة.

وفي إحدى الحالات، طلب مبادلة معلوماته بمعلومات حساسة عن إسرائيل بحجة استخدامها ليصل إلى قمة ثقة المخابرات المصرية. المضحك أن الإنجليز سلموه بالفعل معلومات شديدة السرية، الأمر الذي دلل به نائب رئيس موساد كبير على نذالة البريطانيين.[6]

استمرت اللعبة، حتى إن عصام خليل أودع في خزينة الدولة 165 ألف إسترليني مكافآت حصل عليها من البريطانيين (وهو رقم كبير جدًا سنة 1956).

ازداد الأمر خطورة مع قبول إيدن لفكرة اغتيال عبد الناصر. حاولوا بكل الطرق؛ تسميم وقنص ومحاولة ضخ غاز أعصاب، لكنها فشلت بسبب اختراق المخابرات للخلية.

وفي يوليو، كانت المحاولة الأخيرة لتحقيق الانقلاب عبر الإخوان والوفد وبعض رموز الملكية. لكن الانقلاب فشل، وألقي القبض على جميع عناصره، وبُلغت بريطانيا بالأمر:

   أغسطس 1956 

هنا ننتهي إلى حيث بدأنا: أغسطس 1956. ففي مساء 17 أغسطس، صدرت أوامر المخابرات بإنهاء لعبة الكر والفر، بعد القبض على كل أعضاء الوحدة، من بريطانيين ومصريين. كانت الضربة موجعة، وأجهزت على خطة الـ triple duty.

تظهر لنا، في أغسطس أيضًا، مذكرة من المخابرات الأمريكية توضح الإستراتيجية المصرية الماكرة: فقد كانت تبدي دائمًا حسن نواياها للإيقاع بين الأمريكيين والبريطانيين. فبينما يلقى القبض على كل أعضاء الخلية، كان زكريا محيي الدين يكمل مهمته في قيادة الجهاز ويسلمها لعلي صبري الذي طار مباشرةً إلى بريطانيا نفسها ليقول لهم إن مصر مستعدة للتفاوض.

هنا، رأى إيدن أن خطة خلق حكومة ظل تعيده إلى مصر استحالت، فلم يكن أمامه إلا ما اقتُرح عليه، فكانت فكرة العدوان الثلاثي.

(الطريف أن البريطانيين استمروا في إمداد عصام خليل بالمال ولم يشكوا فيه حتى ديسمبر 1957! خليل كوفئ لاحقا بترقيته لرئاسة المخابرات الجوية.)


[1] عبد الفتاح أبو الفضل، كنت نائبًا لرئيس المخابرات، دار الشروق، 87-88

[2]  المراسلات بالترتيب، من السفارة البريطانية:

British Embassy, 20-09-1952, BNA, FO 371-165345.

Burroughs, British Embassy, 19-09-1952 FO 371-165345.

خطاب السفير كافري

from Caffery (Cairo), ‘Military Junta Around General Naguib: Lieutenant Colonel Zacharia,’ 2 September 1952

[3] “political intelligence was inadequate, while operational intelligence supplied to the Armed Forces was often inaccurate or out of date.” D. Steed, British Strategy and Intelligence in the Suez Crisis (London: McMillan, 2016), 88.

[4]  تفاصيل التقارير انظر

  1. Dorril, MI6: Fifty Years of Special Operations (2000), 606.

[5]  بالإضافة إلى المصادر البريطانية الموثقة في الهوامش السابقة عن تلك الرواية، يعرج عليها باختصار السيد سامي شرف في كتابه:

سامي شرف، سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر، ص 199.

[6] Yaacov Caroz, The Arab Secret Service, 20-22


تنشر لأول مرة| سقوط الملك فاروق.. وثائق المراسلات السرية للمخابرات الأمريكية | مينا منير

تقرير سري| كيف اعترف جمال عبد الناصر بفشل الاشتراكية في خطاب التنحي!! | مينا منير

النور الساطع | لأول مرة بالوثائق: أخطر أسلحة إسرائيل في حرب أكتوبر.. هل كان حقيقيًا؟ | مينا منير


   للمزيد:  مقالات مينا منير


للمشاركة لـ فيسبوك

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك