أسطورة العراب | هل جاء أحمد خالد توفيق بكتاب مقدس؟ | أمجد جمال

أسطورة العراب | هل جاء أحمد خالد توفيق بكتاب مقدس؟ | أمجد جمال

8 Nov 2020

أمجد جمال

ناقد فني

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في سنوات المراهقة الأدبية انقسم جيلنا لفريقين: فريق رجل المستحيل وفريق ما وراء الطبيعة..

لم تكن كل سلسلة حصرية على أعضاء كل فريق؛ الأول اهتم بما يقرأه الفريق الثاني، والعكس، بينما نال البعض عضوية الفريقين؛ ذلك لأن القصص كانت تصدر شهريًا، والقراءة لا تتجاوز ساعات، فتظل بقية أيام الشهر خالية من مصدر للهروب من ملل الفصول الدراسية التي نختلس فيها القراءة.

كنت من فريق رجل المستحيل لسبب لم أعلمه وقتها بطبيعة الحال؛ لهشاشة قدرات صبي على التحليل. الآن أظن أنني أعرف السبب أو الأسباب التي جعلتني أفضل سخافتها على سخافة ما وراء الطبيعة.

   ما وراء الطبيعة.. سحر الذكاء الوهمي 

تعلقت بأدهم صبري أكثر من رفعت إسماعيل لأن أدهم كان في معظم الأحوال “فاعلًا” بينما رفعت “مفعول به”. قوة أدهم في مغامراته وإقدامه، بينما قوة رفعت في تعليقاته ونظرته للعالم والفوضى الساخرة التي تدور في عقله.

أدهم صبري كان يحل المشكلات من جذورها، لكن رفعت إسماعيل يسايسها أو “ياخدها على قد عقلها”. لن أحدثك عن جاذبية أدهم للجنس الآخر، وما يقابلها من بؤس تام لرفعت في هذا الصدد، ودعك من النيران التي كانت تشعلها شخصية مثيرة مثل سونيا جراهام في مخيلاتنا مقارنة بشخصية سطحية باردة مثل ماجي.

أدركت ذلك حين نضجت بعض الشيء، وتطورت قراءاتي من قصص المراهقين لنظريات عن الأدب والسينما، وفهمت قيمة “البطل الإيجابي” ولماذا يحذر المنظرون تلاميذهم الكُتاب من “البطل السلبي” فصراعاته تكون ذهنية لا مادية. وبالتالي، لن يستميل التيار العام من الجمهور.

أذكر بالفعل أن فريق ما وراء الطبيعة اعتاد أن ينظر لفريق رجل المستحيل ببعض التعالي. باختصار فريقنا كان يمثل التيار العام وفريقهم التيار “الذكي”.. هذا سر من أسرار تعلق جيلنا بسلسلة ما وراء الطبيعة وتضحيتنا أحيانًا بالبطل الإيجابي؛ سحر ما وراء الطبيعة الخاص أنها كانت تشعرك أنك ذكي، حتى لو لم تكن كذلك!

نتفليكس – مسلسل ما وراء الطبيعة.. 5 أسباب للقلق و 5 أسباب للتفاؤل | حاتم منصور

   السينيكالية النظيفة 

ساعد ما وراء الطبيعة اختلاف طرق السرد؛ فبينما كانت كل سلاسل الناشئين تحكي بأسلوب الراوي العليم؛ أي مجرد أوصاف من الكاتب للمشهد مع قليل من الحوارات بين الأبطال، جاءت ما وراء الطبيعة لتحكى بأسلوب الراوي البطل، وكانت نقلة كبرى أعطت الفرصة والمساحة لمؤلف السلسلة أحمد خالد توفيق بأن يستخدم خواطر رفعت إسماعيل في تداعٍ حر يسبح بين الماضي والحاضر، من داخل المشهد وخارجه، يذكر فيه معلومات عامة طريفة وأراء شخصية في الحياة، والأهم، إبراز حس الدعابة المتشائم المتهكم الحذق لدى رفعت، إذن أدهم صبري كان أكثر جاذبية لكن رفعت إسماعيل يحكي، وهي نقطة قوة كبرى، كانت تشعرنا أننا نتناول وجبة ثقافية وذهنية كاملة وليس مجرد حكاية مثيرة.

بصدق، لم أقبل بنهم شديد على تلك الوجبة، كانت مكتملة العناصر، لكن نصف مطهية، لسبب لم أدركه حينها لكن أدركه الآن.

أقرب مفهوم عندي للثقافة أو الذهنية هو تجاوز الحدود، هذا لم يتحقق لأن الكاتب متحفظ أو محافظ بدرجة واضحة لا تتناسب مع سمات بطله العدمي.

هناك شيء متناقض أو غير مكتمل في بناء هذا العالم. قررت لاحقًا تسمية هذه الظاهرة بـ “السينيكالية النظيفة” على غرار “السينما النظيفة”. وبدون إطالة في الشرح يمكنك تخيل شخصية مثل دكتور هاوس بمسلسل House لو افترضنا انه انضم كعضو في جمعية خيرية مثلًا. هذا ما أقصده بالسينيكالية النظيفة!

ولا عجب أن معجبي السلسة سيكبرون ويحولونها إلى عمل درامي نظيف بمبدأ السينما والأدب الذي تربوا عليه، لكن للعجب أنه يتحدى تقاليد الجهة الإنتاجية غير النظيفة بالمرة.

موت القبلة الأولى | انهيار الحب وازدهار البورن في السينما النظيفة | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

   اقتباس.. سرقة أدبية.. سوء حظ؟ 

شرحت لك سبب عدم انجذابي للأسلوب الذهني في ما وراء الطبيعة. لكن لماذا ضحيت بكثير من الحكايات المرعبة المسلية؟

أعتقد أنني كنت سيء الحظ مثل رفعت إسماعيل لأن أفكار الأعداد الأولى التي وقعت في يدي لم تكن أصيلة بشكل كافٍ، أذكر يوم قرأت عدد “أسطورتها” وفوجئت مع كل فصل من الحكاية بتشابه مريب مع قصة الفيلم التسعيناتي الشهير “أعلم ما فعلتم في الصيف الماضي” والمقتبس عن رواية أمريكية من السبعينيات.. الشباب المستهتر ذهبوا في رحلة بالسيارة وهم سُكارى وصدموا رجلا مسكينا على الطريق السريع، فعاد لينتقم منهم في نفس التاريخ من كل عام، كان يوم عيد الرابع من يوليو على ما أذكر، لكن في قصة ما وراء الطبيعة أصبح في الكريسماس؛ لأن رفعت إسماعيل يدرس في إسكتلندا لا أمريكا.

الأكثر غرابة كان تكرار اسم “هيلين” في الفيلم والقصة كواحدة من الأصدقاء/ الضحايا.

لم أهتم أبدًا بشبهة السرقات الأدبية مع تلك النوعية من السلاسل. أعتقد أنه كان اتفاقًا ضمنيًا بين الكاتب والقارئ بأن يعطي الأول أي شيء مسلٍ للثاني، ولا يهم المصدر في عصر لم يكن هناك فرص كبيرة للبدائل.

وفقًا للمنطق، لا يعقل أن يأتي كاتب بقصة أو قصتين فائقي الأصلية والكمال وهو يكتب بمعدل شهري وفق “ديدلاين” وما أدراك ما الديدلاين! هذا أمر صعب حتى لو كان الكاتب تشيكوف ذاته.

فكرت وقتها أنني لو واظبت على متابعة ما تعرضه قناة mbc2 ليلة الرعب في الاثنين من كل أسبوع يمكنني أن أتجاوز متابعة ما وراء الطبيعة وأعطي وقتًا أكبر لسلسة مثل ملف المستقبل أو ربما أبدأ في قراءات أكثر جدية من هذه السلاسل، ومن هنا انتهت علاقتي بالكاتب أحمد خالد توفيق.

أسطورة “ما وراء الطبيعة” التي لن يجرؤ عمرو سلامة على تقديمها في نتفليكس | الحكاية في دقائق

   مهاويس العراب 

لكن علاقة أحمد خالد توفيق بجيلنا لم تنته. ظل يطاردنا بسلاسل أخرى قبل أن يتجه لكتابة أدب الكبار. بعض أبناء جيلي يعتبرونه فيلسوفًا وعرابا،

فيلسوفًا؛ لأنه قال أراءه في كافة المواضيع بمقالات رأي نشرتها الصحف المعارضة، وفي كتبه وقصصه، وجاءت تلك الأراء على هواههم.

وعرابًا لأنه “جعل الشباب يقرأون”، تلك المقولة تجعلني أبتسم كلما قرأتها واتساءل: لو كان هو المسؤول عن هداية الشباب للقراءة، فمن ياترى هداه ليقرأ حين كان شابًا مثلنا؟

أتفهم أن لكل كاتب ناجح مهاويس لا يجب أن يؤخذ الكاتب بذنبهم، لكن مهاويس العراب هم الأكثر ضجيجًا.

يمكن اعتبارهم أول ميليشيا أدبية في تاريخ الكتابة، تسامحهم مع النقد يصل لدرجة تحت الصفر، لو قلت إن الكثير من كتاباته سطحية يتهمونك بازدراء ذكريات طفولتهم، لو قلت أن أرائه المحرضة ضد المثليين جنسيًا غير متسامحة يتهمونك بالانتقائية، لو قلت أن أراءه في اليهود عنصرية يتهمونك بالتطبيع.

لو قلت إن رأيه في يوسف شاهين رجعي وبه تفتيش في الضمائر يتهمونك بالادعاء وتقديس “الأستاذ”، لو قلت أن كتابه “الحافظة الزرقاء” ليس إلا تجميعًا لقصص وأطروفات الأفلام من موقع imdb يشككون في ثقافتك السينمائية، لو قلت أن ترويجه نظريات المؤامرة في رواياته به تأليب طبقي يتهمونك بالثراء ونفاق السلطة، لو قلت إن دعمه لنظام الإخوان ومرسي بكتاباته في وقت لفظهم الشعب المصري يتهمونك بخلط السياسة بالأدب، لو قلت أن بعض قصصه مقتبسة يتهمونك بعقدة الخواجة، لو قلت أن ما وراء الطبيعة مجرد مرحلة صبيانية في حياة كل قارئ يتهمونك بالتعالي.

فيديو | الكتلة الخشبية.. سر سيطرة الإخوان على الميديا الدولية | جوه الجيم

   ليس نبيًا 

لا ينبغي عليك إلا أن تقر بأنه الفيلسوف والعراب بدون أي تحفظات أو ملحوظات، وإلا فأنت معرض للتحفيل من ميليشياته الإلكترونية. آخر مظاهر التعصب الأدبي ظهرت مع عرض حلقات ما وراء الطبيعة الدرامية على منصة نتفليكس، وانهيال التعليقات الغاضبة بأن المسلسل غير القصة! وأن صانع العمل عمرو سلامة أفسد مقدساتهم الطفولية برؤيته الشخصية المغايرة لهم.

أظن هذا يفسد أطروحة “جعل الشباب يقرأون” تلك، لأنه لو كان “جعلهم يقرأون” أي شيء غيره فعلًا لفهموا أن البديهي أن يختلف العمل القصصي عندما يتحول لوسيط درامي أو مرئي، وأنها مجرد ملحوظة نقدية للدراسة لا للصراخ والدبدبة على الأرض.

أحمد خالد توفيق نفسه تفهم ذلك وأظهر تسامحه حول هذا الأمر في أكثر من مناسبة، و كذلك فعل من هم أعظم من أحمد خالد توفيق – كنجيب محفوظ مثلًا.

لكنهم – جمهور أحمد خالد توفيق – ملكيون أكثر من الملك، ويتعاملون مع نص لا يربطهم به سوى بعض العواطف والنوستالجبا بمنطق التقديس.

أحمد خالد توفيق رحل وترك لنا قصصًا مسلية ومغرية للسينمائيين بوجه خاص بنفس المنطق الذي أغرى ستانلي كيوبريك بقصص ستيفن كينج لا بقصص دوستويفسكي وبلزاك.

أحمد خالد توفيق قصاص ماهر ومؤثر، بعض تأثيره إيجابي والبعض الآخر سلبي أبرز مظاهره تلك الحالة من القبلية واليقينية لدى مريديه، نعم نجح في إثارة فضول الكثيرين منا لكنه ليس دينًا جديدًا، وليس أسطورة كالأساطير التي كتبها، كتاباته ليست فوق النقد ولا منزهة عن التعديل.

هل تحققت أسطورة نحس رفعت إسماعيل في مسلسل ما وراء الطبيعة ؟ | حاتم منصور


 

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك