Cuties | بيدوفيليا أم فن؟ | كيف دفع الفيلم الخطأ ثمن خطايا اليسار والصوابية السياسية؟ | حاتم منصور

Cuties | بيدوفيليا أم فن؟ | كيف دفع الفيلم الخطأ ثمن خطايا اليسار والصوابية السياسية؟ | حاتم منصور

15 سبتمبر 2020
حاتم منصور
السوشيال ميديا سينما عالمية
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

أفلام عديدة تُحدث جدلا مع بدء عرضها، لكن مسار فيلم نتفليكس جميلات Cuties – أو Mignonnes بالاسم الفرنسي الأصلي – كان مختلفًا إلى حد كبير.

عندما عُرض هذا الفيلم الفرنسي أوائل العام خلال مهرجان صاندانس الأمريكي السينمائي للأفلام المستقلة، وحصدت مؤلفته ومخرجته الفرنسية/السنغالية ميمونة دوكوري جائزة أفضل اخراج، نال الفيلم اشادة نقدية، لكنه ظل مجرد محطة أخرى عابرة لسينما مستقلة، لا تثير عادة اهتمام الجماهير عالميًا، ولا تتصدر نهائيًا عناوين الصحافة.

اشترت منصة نتفليكس Cuties قبل فوزه بالجائزة، وبدأت في أغسطس الماضي حملتها التسويقية له. ووقتها فقط بدأ طوفان الانتقادات الغاضبة على السوشال ميديا، بسبب بوستر للفيلم تضمن صورة لبنات صغيرات يرقصن بملابس وأوضاع أقرب لأندية التعري.

بوسترات الفيلم (الفرنسي – الأمريكي الخاص بنتفليكس).

بوستر نتفليكس الأمريكية، كان مختلفا عن نظيره الفرنسي، وتسبب في هجوم على المنصة، واتهامها بعدة تهم تتضمن استغلال أطفال في تصوير أعمال إباحية، والترويج لاستغلال الأطفال القُصر جنسيًا، وإنتاج وتوزيع مواد إباحية متعلقة بالأطفال، وتشجيع ممارسات البيدوفيليا وغيرها.

اعتذرت نتفليكس سريعا وسحبت البوستر موضع الاستفزاز، وأصدرت بدائل له، مؤكدة أنه لا يعبر عن روح ومضمون الفيلم بأي حال، وأنها تتفهم جيدا ما أثارته الصورة في البوستر من جدل ورفض.

أهم 10 أفلام عن الاغتصاب والتحرش والجرائم الجنسية | حاتم منصور

مع أي منصة أو شركة أخرى، ربما كانت ستنتهي الأزمة سريعًا، لكن تاريخ نتفليكس ساهم في تأجيج التهم والاحتجاجات أكثر وأكثر، باعتبارها المنصة التي تستفز أصحاب الطباع المحافظة والمتدينة، ويعتبرونها منبعًا للترويج لأفكار يعارضها كثيرون منهم، مثل الصوابية السياسية، والترويج للتصالح مع المثلية الجنسية، وفرض أجندات نسوية وعرقية وجنسية على الفن، وغيرها من النقاط.

المطالبات والتغريدات على السوشال ميديا عالميًا، لم تقتصر على دعوات إيقاف عرض Cuties لكن تضمنت أيضًا تنظيم حملات مقاطعة لمنصة نتفليكس، ووصلت الى مطالبة السلطات الأمريكية بالتحقيق في الأمر.

هكذا وقبل أن يشاهد أغلب العالم Cuties أصبح الفيلم متهما بالكثير والكثير، بسبب نتفليكس. لكن الآن بعد صدور الفيلم نفسه على المنصة، حان وقت تقييمه، للإجابة عن السؤال الحرج: هل يروج الفيلم فعلا للبيدوفيليا واستغلال الأطفال القُصر جنسيًا؟!

إعلان فيلم Cuties

أحداث Cuties عن إيمي، الطفلة ذات الأصول السنغالية المسلمة البالغة من العمر 11 عامًا، التي تعيش مع أمها وشقيقها الأصغر في فرنسا، داخل شقة صغيرة متواضعة.

الأم تواجه صاعقة ملخصها أن الأب في طريقه للزواج عليها، وهي الخطوة التي يجب أن تتقبلها كزوجة مسلمة مطيعة. لكن بالنسبة للطفلة يمثل الخبر الجارح للأم، طعنة اضافية تجعلها تزداد ضيقا من الأب الغائب، ومن هذه الثقافة المتدينة التي تربت عليها، وتشعر معها باضطراب هوية كعادة أبناء المهاجرين.

Ramy .. كوميديا الهوية في منزل أسرة مهاجرة | أمجد جمال

كطفلة مهاجرة بمحيط محدود الفرص، ترى إيمي المهرب في بوابتين. أولهما الانضمام لمجموعة فتيات وزميلات في نفس عمرها يمارسن الرقص، ويحاولن من خلاله إثبات أنوثتهن وجاذبيتهن للذكور الأكبر سنًا. وثانيهما عالم السوشال ميديا الذي يمكن أن يلفت اليها الأنظار، ويجعل منها فتاة مثيرة ومحبوبة.

كل المشاهد والمقاطع التي انبثق منها صور لفيلم Cuties واعتبرها ملايين ترويجًا للبيدوفيليا قبل عرضه، هى ببساطة انعكاس منطقي وصياغة بصرية فعالة، لرحلة البطلة وزميلاتها، وسعيهن المتواصل للتحول إلى بنات مثيرات مكتملات الأنوثة.

لقطة من Cuties

الحصول على صدر مكتنز، أو مؤخرة مستديرة، أو تسريحة شعر رائعة، ضمن أحلام البنات المراهقات في كل مكان وزمان. وفي عصر السوشال ميديا الحالي، والإعلام الذي يلهث 24 ساعة لمتابعة أيقونات جنسية من نوعية كيم كارداشيان، يسهل فهم أزمة إيمي وملايين البنات في العالم أثناء تخطي عتبة المراهقة.

جيل الألفية في الفالنتين.. كثير من الدعاية.. قليل من الجنس | الحكاية في دقائق

تبتعد ميمونة دوكوري كمؤلفة ومخرجة بذكاء عن فخ الوعظ، وتترك الكاميرا لتلاحق بطلتنا إيمي وتتبعها كظلها، بنفس الطابع المعروف في أفلام الأخوين البلجيكيين داردين المُستخدم فيه أغلب الوقت كاميرات اليد المحمولة.

الغرض وضعنا في رحلة تأمل مع بنات صغيرات لا يعرفن شيئا يُذكر عن الجنس، كما يتضح من أحاديثهن التافهة، لكن يعشن في عصر يمكن فيه بضغطة واحدة على هاتف ذكي، الوصول لفيديوهات إباحية، أو حتى تصوير أنفسهن في أوضاع جنسية.

الطفلة “فتحية يوسف” بطلة فيلم Cuties

وعبر الأحداث يخاطب Cuties فينا نزعة مراجعة بخصوص كل ما سبق، ويفرض علينا تساؤلات عما تخوضه الصغيرات في هذا السن، في عصر يخبر فيه الإنستجرام وأقرانه البنات ليل نهار، أن الكثير والكثير ينقصهن للتصنيف كجميلات فعلا.

بصياغة أخرى Cuties أبعد ما يكون عن الترويج للبيدوفيليا واستغلال الأطفال القُصر جنسيًا، بل هو أقرب للعكس ومحاولة قراءة لتركيبتهم النفسية في هذا السن الحرج. ونهايته نفسها تشير بوضوح الى أن البطلة لم تحصل نهائيا على السعادة المرجوة بالاذعان لقواعد التحرر الجنسي وعالم السوشال ميديا، بقدر ما نالت من المحاولة مزيدا من الحيرة والألم.

Marriage Story.. لماذا نحتاج قصص حب عن الطلاق؟! | ريفيو | حاتم منصور

وبقدر ما تضررت المخرجة غالبًا من حالة الهجوم على Cuties يمكن القول أن لهذا الهجوم مكاسبه المؤكدة، وعلى رأسها مشاهدة ملايين في العالم لفيلمها، وهو ما لم يكن ليتحقق بأى طريقة أخرى، لفيلم يتراوح مستواه بين المتوسط والجيد.

يسهل طبعا استنتاج مسار فيلم من هذا النوع في مجتمعاتنا الشرق أوسطية. وغالبا سيزيف كثيرون مضمونًا آخر لـ Cuties باعتباره هجوما غربيا على الإسلام والدين، ودعوة لنشر الفجور والفاحشة بين المراهقات، وغيرها من الادعاءات المكررة البائسة التي توافق أهواء وأجندات رموز التزييف والخداع.

بوست للداعية “عبد الله رشدي”

لكن في المقابل يصعب فهم هذا التجني على Cuties في المجتمعات الغربية. الهجوم على البوستر يمكن تفهمه، باعتباره عملا منفصلا ترك البعض مع مضمون ودلالة خطأ. لكن الهجوم الحالي على الفيلم نفسه، والإصرار على وصمه بما ليس فيه، أقرب لخطوة هستيرية جماعية.

بسبب فيلم Cutiesنتفليكس في ورطةدعا مشرعون في واشنطن، ومعظمهم من الجمهوريين، وزارة العدل إلى اتخاذ إجراء قانوني ضد…

Posted by ‎دقائق‎ on Saturday, September 12, 2020

في المقابل يذكرني الموقف بالمثل المصري البليغ: “طباخ السم بيدوقه”!

على مدار السنوات السابقة تفننت الميديا اليسارية والنسوية في اتهام عشرات الأفلام بما ليس فيها، ووصمت صُناعها بتهم مثل العنصرية، وكراهية المهاجرين، ومعاداة المرأة. ووصلت الأمور الى مراحل هستيرية مع أفلام مثل الجوكر وحدث ذات مرة في هوليوود، حيث أصبح كل تقديم للعنف على الشاشات، هو تشجيع لانتشار العنف في الواقع. وكل تقديم للمرأة كضحية، هو تشجيع لممارسة العنف ضدها. وغيرها من المزايدات الفارغة.

Once Upon a Time in Hollywood.. مرافعة تارنتينو للدفاع عن نفسه وعن هوليوود وعن العنف السينمائي | حاتم منصور

كما تفننت أيضا نفس الميديا اليسارية في إعدام عشرات على مقصلة النسوية، مع أول تهمة تحرش تظهر ضد فنان، أو سياسي من تيار اليمين.

اليوم وسط حرب عالمية مشتعلة بين اليمين واليسار، لم تعد ثقافة الإلغاء على ما يبدو سلاحا عبثيًا في يد اليسار والتيارات النسوية فقط، بل صارت أيضا سلاحًا عبثيًا في يد اليمين والتيارات المحافظة!

انها نفس اللعبة تقريبا بعد أن انقلب السحر على الساحر. كل فيلم وصياغة ومعالجة سينمائية عن قضية التسليع الجنسي للبنات والأطفال، يمكن وصمها فورا باعتبارها جريمة تسليع جنسي وترويج للبيدوفيليا!

ومن المؤسف أن الفيلم الخطأ هو الذي دفع الثمن قبل غيره، ثمن خطايا اليسار وهستيريا الصوابية السياسية، لأن Cuties بالتأكيد لا يستحق هذا الازدراء والهجوم.

 

للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك