التحرش: المعنى المفقود في الترجمة. وأين الجريمة في التحرش “الناعم”| خالد البري

التحرش: المعنى المفقود في الترجمة. وأين الجريمة في التحرش “الناعم”| خالد البري

15 Sep 2018
خالد البري رئيس تحرير دقائق نت
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

ألاحظ في النقاش عن التحرش أننا نناقش، باللغة العربية، شيئا آخر غير المقصود بالجريمة في المجتمعات الغربية. المجتمعات الذي تطور فيها المفهوم وتطور تجريمه. 

أولا: التحرش في اللغة العربية

ينصرف النقاش عنه إلى المعنى الجنسي وحده، بل ينصرف من هذا المعنى الجنسي إلى ما شابه الاحتكاك المادي المباشر، أو الاحتكاك اللفظي الصريح الذي يقترب من هذا الاحتكاك المباشر.

وبالتالي، تسمع كثيرا هذه العبارة ”إنه لم يجبرها على شيء، وليس معقولا أن كل عرض بالتقرب، أو حتى بممارسة الجنس، سنسميه تحرشا“. 

أصحاب هذا الرأي مصيبون في نقطة. ليس كل عرض بالتقارب، أو حتى ممارسة الجنس، يعتبر تحرشا. أبدا. 

لكنهم مخطئون في نقطة أخرى، مخطئون في ظنهم أن ”عدم الإجبار“، أو كون العرض مهذبا، ينفي التحرش. وسأشرح وجهة نظري على قدر فهمي لمعنى الكلمة في المجتمعات الغربية، التي نقلنا منها المفهوم. هذا ينقلنا إلى ..

ثانيا: التحرش في المجتمعات الغربية

Harassment التي ترجمناها إلى تحرش لا تعني، فقط، تحرشا جنسيا، ولا تعني احتكاكا. 

الكلمة الإنجليزية تعني الضغط على شخص لكي يفعل عكس ما يريد، بأي وسيلة يتمتع فيها الضاغط بميزة على المضغوط. 

مثال ١: 

الرجل يتمتع بميزة عضلية على المرأة، أو على غيره من الرجال، لو استخدمها، أو حتى لوح بها، في طلب فعل لا تريده، هذا تحرش. هنا لا نتحدث عن ممارسة القوة الفعلية، لأن ممارستها سينقل الجريمة إلى حيز آخر. إنما نتحدث عن شخص تعمد الإساءة إلى امرأة أو رجل، معتمدا على قدرته العضلية على الشخص الأخر. لا نتحدث هنا عن الجنس فقط، وإن كان الجنس حاضرا بقوة في هذه القضايا.

بالمثل، لو أن مجموعة من النساء تعرضن لرجل في مكان ما، بملامسات أو بكلمات تسبب ضيقا. هذا تحرش. ولو أن هناك شهودا فمن المحتمل أن ينقل الرجل القضية إلى المحكمة ويكسبها.

مثال ٢: 

الرئيس يتمتع بنفوذ على المرؤوس. لو استخدم هذا النفوذ، ولو تلويحا، لدفع المرؤوس إلى تقديم منفعة له، جنسية أو غير ذلك، فهذا تحرش. تحرش بمجرد المحاولة،  حتى لو كانت مهذبة، في حالة أن المضغوط عليه شعر في العرض تلويح بضرر يقع عليه إن لم يقبل.

مثال ٣: 

شلة تنظيمة، تستخدم تكتلها على السوشال ميديا للتلويح لأشخاص بقدرتهم على تشويه سمعتهم، أو إلحاق الضرر بهم، هذا تحرش. لكنه ينقلنا إلى نقطة أخرى مهمة جدا في الموضوع. 

متى يصير التحرش جريمة؟

القصد من هذا أن ننتقل من تعريف ما هو التحرش، إلى تعريف ما هي جريمة التحرش. الثانية تعتمد على الوضع القانوني والإجرائي، وفي أي نطاق وقع الفعل، في دائرة أي سلطة. 

مثال: 

حضرت مقابلة شخصية للحصول على عمل. بعد المقابلة تطوعت إحدى أعضاء اللجنة بتوصيلك إلى باب الخروج. سارت معك بكل تهذيب ثم صافحتك وضغطت على يدك ضغطة بسيطة ذات معنى. وقالت لك إنك أعجبتها بثقة بنفسك وذكورتك. وإنها تدعوك إلى منزلها لتناول فنجان قهوة. 

ليس في ما قالته إجبار أو تهديد صريح. لكن فيه شروط ظرفية مثيرة للريبة. فيه تلويح بأنها، في حالة عدم استجابتك، تملك قرار مهما في اللجنة.

المشكلة هنا ليست في التحرش الجنسي. لو طلبت منك أن تأتي لتنظيف شقتها فهو أيضا تحرش. لكن الجنس هو المتكرر بصورة أكثر من غيره. لو كنتما في مقهى وحدث نفس الموقف، ولكن بين شخصين لا يملك أحدهما سلطة على الآخر، قد يسبب ضيقا، لكنه لن يتطور إلى إجراء قانوني.

هذا إذن تحرش ظرفي مجرم. ولكن التجريم، كون الجريمة صعبة الإثبات، سيعتمد على نطاق السلطة التي تخضع لها هذه المرأة المتحرشة. 

أعني أن الشخص الذي تعرض لهذه المساومة قد يتصل بالشركة، ويحكي لهم الواقعة. 

الشركة قد تعتبر المسألة من البداية شيئا تافها ولا يستحق الاهتمام. هذا مسار. اتخذته كثير من شركات الإنتاج في هوليود مثلا في عقود سابقة. حتى صار سلوكا شائعا – المساومة على خدمات جنسية مقابل أدوار. 

شركة أخرى قد تهتم، خوفا من أن يفقدها هذا السلوك مواهب جيدة، ويوجه الفرص نحو من لا يستحقها، فتسأل المرأة المتحرشة عن الظروف، وتضيق عليها المساحة لتعلم لأي غرض اختارت أن تدعو الشخص الشاكي إلى قهوة في حين أنها – أي الشركة – لم تطلب منها هذا. قد يستقر في يقين الشركة الارتياب في الفعل بالنظر إلى الرواية المقدمة. 

بعد هذه المرحلة قد تتخذ إجراء وقد لا تتخذ. 

هذا ما أقصده بنطاق السلطة التي يتحرك فيها الشخص المتهم بالتحرش. 

وتعمدت هنا أن أبدأ بمثال كهذا، وأن أفترض أن المتهم امرأة، لكي أوصل فكرتي عن معنى كلمة النفوذ.

فماذا إن كانت هذه المتحرشة مديرة الشركة، التي تملك القرار النهائي!! إلى من يشكو الشاكي؟ ليس هناك من دليل مادي على إرغام، فقد عرض صاحب النفوذ عرضه بكل نعومة!!

هنا – غالبا – سيعجز القانون عن فعل شيء. وما من خيار للشاكي إلا مجلس الإدارة، أو رفض العرض والابتعاد.

لكن هذا النوع من حاملي الشكوى – حتى لو استجابوا للدعوة وقدموا خدمات – قد يستغلون الفرصة لاحقا لكي يعبروا عما دفنوه طويلا. قد يحدث أن يتقدم آخرون وأخريات بشكوى فيجد الشاكي الكاتم القديم الفرصة سانحة أمامه لكي يتقدم هو الآخر بشكواه دعما للشاكين الجدد. وتأكيدا لروايتهم. وضغطا على الجهة المعنية أيا كانت، حتى لو لم تكن القضاء، لكي تحقق في الشكاوى. 

لاحظوا أننا حتى الآن لم نتحدث عن أي محاولة للإرغام. نحن نتحدث عن التلويح بالغنيمة أو الخسارة، لأسباب لا تتعلق بأحقية المدعو المهنية أو جدارته للحصول على الوظيفة. وأيضا. نحن لم نتحدث عن نطاق القانون بعد.

لاحظ أيضا أنه من الناحية التحرشية الجسدية ليس هناك احتكاك أو إرغام أو شيء من هذا القبيل. 

طيب. ماذا لو كانت الشركة قطاعا عاما

لو أن الشركة ممولة من أموال المواطنين، وهذا الداعي أو الداعية يقبض راتبه من أموال دافعي الضرائب. هنا، في المجتمعات الغربية، تأخذ القصة منحى آخر تماما. منحى تطور كثيرا في العقود الأخيرة، ثم تطور بسرعة مضاعفة في السنوات الأخيرة. مكافحة التحرش (أي المضايقات) في أماكن العمل. 

الشركة هنا لم تعد تستطيع تجاهل شكاوى التحرش. ليس خيارا. ولا يمكن لها أن تفترض بداية أن تكون الشكوى كيدية أو حقيقية. لا بد من التحقيق، واتخاذ إجراء إداري يرضي الأطراف. قد يستقر في وعيها أن الشكوى بلا أساس، وقد لا تفعل. المهم أن تحقق في الشكوى. وهي تفعل ذلك وفوق عنقها سيف القانون، الذي يجبرها على أخذ الموضوع بجدية، وإلا ستخاطر بانتقال القضية إلى المحاكم لو كان هناك أساس للشكوى وشهود عليها بينما لم تتخذ هي من الإجراءات ما يتناسب مع حجم المشكلة. 

من الناحية الأخرى، فإن الشاكي نفسه ملتزم بالقانون. لو خرج إلى السوشال ميديا وادعى على شخص، ثم لم يثبت على المدعَى عليه الاتهام، يستطيع بدوره اتهام الشاكي بالسب والقذف والتشهير. لذلك ستلاحظون أن الشكاة في المجتمعات الغربية يلتزمون بما لا يلتزم به الشكاة في مجتمعاتنا.

كل هذا المقال يدور في دائرة ما نسميه مجازا بالتحرش ”الناعم“. أما ما غير ذلك من إجبار فجريمة أخرى تماما. ليس هذا محلها. 

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك