الدورة الجهنمية: لماذا يتحول الثوار إلى مستبدين؟

الدورة الجهنمية: لماذا يتحول الثوار إلى مستبدين؟

2 Jul 2018
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

الإجابة المختصرة على هذا السؤال تبدو بديهية إلى حد بعيد: إطاحة نخبة الحُكم القديمة، لا تضمن بالضرورة أن تأتي النخبة الجديدة بقواعد مختلفة.

تلك هي الدائرة الجهنمية التي يعرفها كل من قرأ رواية “الحرافيش” لنجيب محفوظ. الصراع على السلطة ليس له علاقة بتغيير “قواعد اللعبة”. هذه القواعد تبقى محفورة في بنية المنظومة السياسية القائمة نفسها. المنظومة في عالم الحرافيش المحفوظي هي الفتونة.

الفتونة، بنيتها قائمة على القوة، والسيطرة على الأتباع، والتحالف مع التجار. إنها منظومة قادرة على أن تصبغ كل من يتقلد “الفتونة” بصبغتها، وأن تصبه في قالبها. في الفصل الأخير من القصة نجد أحد الفتوات يلجأ للحرافيش للمرة الأولى من أجل بناء نظام جديد. ما قصده محفوظ هو أن القضية لا تتعلق بهذا الفتوة أو ذاك، وإنما ببنية الفتونة ذاتها.

اقرأ أيضا: في الأنظمة الشمولية.. لماذا يصل الأسوأ للقمة؟

من أين استقى محفوظ الفكرة؟

من مشاهد التاريخ المتكررة من دون شك. ما من ثورة، سوى استثناءات معدودة أهمها الثورة المجيدة في انجلترا (1688)، إلا وانقلبت استبدادًا أشد وطأة على الناس من الحكم الذي أزاحته. الثورة الفرنسية أنتجت “روسبيير” وعهد الإرهاب، ثم حكم الفرد الذي جسده “بونابارت”. الثورة البلشفية ولدت الستالينية وجنونها. الثورة الصينية أفرزت “ماو” والمجاعات وعربدة الثورة الثقافية. الثورة الإيرانية أتت بالملالي، فكانوا النسخة الأسوأ من الاستبداد الثيوقراطي. كل هؤلاء من دون استثناء قاموا بالثورات باسم الشعب، ولأجل الشعب. أزاحوا نخبة مستبدة مع وعدٍ بغدٍ أكثر عدلاً. المحصلة كانت استبدادًا ودماءً وقمعًا فاق التصور.

شاهد أيضا: قتل الملايين ورشح لنوبل للسلام! ستالين في أرقام

القائمة تطول وتطول: “منجستو” أسقط هيلاسلاسي، امبراطور أثيوبيا، في انقلاب شيوعي في 1974. بدأ يتصرف مثله تمامًا. بل سكن نفس القصر، وطفق يُقارن نفسه بتواضروس مؤسس الأسرة السُليمانية التي حكمت إثيوبيا منذ منتصف القرن التاسع عشر. تبنى برنامجًا واسعًا لتأميم الأراضي جار على حقوق “التيجراي” في الشمال (هؤلاء سيكونون بدورهم وقودًا للثورة القادمة!). أظهر من النزعات الديكتاتورية ما يفوق سلفه بكثير، إذ أنه استخدم لأول مرة سلاح المجاعة في مواجهة الشعب!

لم يختلف الأمرُ كثيرًا في حالة “لوران كابيلا” الذي خلف ديكتاتور أفريقيا الأشهر “موبوتو”، فسار على ذات الدرب من ترسيخ عبادة الفرد حتى أنه استعان بوزير إعلام “موبوتو”. اليوم، يسعى ابنه -جوزيف كابيلا- إلى ولاية جديدة على خلاف الدستور.

في زيمبابوي قاد الثائر “موجابي” تمردًا مسلحًا ضد نظام التفرقة العنصرية. وصل إلى الحكم في 1980، وأسس لنظام حكم فرد فاشل أفقر البلاد والعباد. اكتسبت ديكتاتورية “موجابي” طابعًا عبثيًا حتى أنه ربح مرة 100 ألف دولار في اليانصيب!

في هذا الفيديو من “دقائق. نت” مثال على شخصية المناضل الثوري إذ يصل إلى الحكم:

المؤسسات الاستعمارية والتغيير الثوري 

ما المشترك بين كل هذه الحالات جميعًا (وغيرها كثير)؟ ما السرُ وراء تناسل هذه الدورة الجهنمية باستمرار لتولد الديكتاتورية وحكم الفرد؟

السر في المؤسسة. نعم.. في جميع هذه الحالات يرث الحكم الجديد نفس المؤسسات القديمة. المؤسسات المغلقة تُعيد إنتاج نفسها من جديد لأنها تعمل بنفس القواعد. لهذا السبب، لم تستطع أغلب النخب الوطنية التي قادت الاستقلال وطردت الاستعمار الخروج من أسر المؤسسات الاستعمارية القائمة على حكم نخبة قليلة واستغلال الشعب. هي ورثت ذات المؤسسات، وقامت “بتشغيلها” بنفس الطريقة. أفريقيا نموذج لا يحتاج لبيان.

المؤسسة تعني القواعد الحاكمة للعبة. علاقات السلطة والإنتاج الاقتصادي والتوزيع. طالما المؤسسة لم تتغير، فإن نخبة الحكم الجديدة لا يمكن لها إلا أن تصير “فتوة” آخر جديدا من “فتوات محفوظ”. من يخرجون على هذه القاعدة هم فلتات نادرة (مثل سوار الذهب في السودان) تؤكد رسوخ القاعدة!

اقرأ أيضا: المؤسسات قبل الانتخابات!

في حالة التغيير الثوري تكون احتمالات التحول للاستبداد أكبر. النخبة التي تقوم بالثورة هي – في أغلب الأحوال- مغلقة على ذاتها. تتبع تنظيمًا هرميًا صارمًا. عند وصولها للسُلطة تُعيد إنتاج نفس النموذج الهيراركي في حُكم البلد. مخاوفها من ضياع السلطة تدفعها لتقليص دائرة الحكم والمستفيدين منه باستمرار. المثال الأقرب هنا هو حكم الإخوان المسلمين الذي دام عامًا في مصر. لم يستطع الإخوان الخروج من أسر التنظيم الهرمي. بالنسبة لهم، لم يكن الحكم يعني سوى “ابتلاع” البلد داخل التنظيم، ووراثة المؤسسات القديمة وتشغيلها بالتنظيم الجديد.

المؤسسة -أو الفتونة بلغة محفوظ- هي جوهر القضية!

 

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك