اللبؤة والضباع | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

اللبؤة والضباع | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

28 Oct 2020
خالد البري رئيس تحرير دقائق نت
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

لو كنت أكتب رواية لما أخبرتكم من البداية أنني أسد. لتركتكم تكتشفون بأنفسكم. ولما أخبرتكم أيضًا أن المشهد الذي سأحكيه لكم ليس أكثر من كابوس ينتابني في الأيام الأخيرة. أما وما أكتبه رواية صحفية، وقراءة الصحافة قراءة سريعة وأحيانًا كسولة، نصف مشغولة، فقد قررت أن إخباركم من البداية أفضل. وبالمرة سأخبركم أنني هارب من سيرك ولدت فيه، ولم أعلم في بداية حياتي عالمًا غيره. وهذه النشأة وسط وعي البشر تفسر كثيرًا مما سأحكيه هنا.

أما الكابوس الذي أراه كثيرا في أيامي الأخيرة فملخصه أن الضباع هجمت على وليفتي وصغارنا بينما كنت بعيدًا أبحث عن صيد. وأن زوجتي دافعت عن الصغار حتى ماتت شهيدة. وبعد أن ماتت شهيدة التهمت الضباع الصغار أيضًا.

أصحو من هذا الكابوس فزعًا وأنا أصرخ صراخ الأسود: “أنا مش إنسان. أنا أسد. أنا مش إنسان أنا أسد”.

وأذكر نفسي بأن وليفتي إلى جواري لم تمت.

صحيح أن الضباع أكلوا الصغار، هذا الجزء من الكابوس حدث في الواقع، لكن زوجتي تصرفت التصرف الصواب وهربت.

أخبرتني وليفتي وقد تذاكرنًا لاحقًا حادثة هجوم الضباع أنها – وقبل وصول الضباع – شمت رائحة بشر.

أخبرتها أن البشر يصورون في الغابات وشرحت لها معنى “يصورون”، ثم يعرضون تلك الأفلام على صناديق داخل بيوتهم، وأنني شاهدت بعضًا منها أثناء وجودي في السيرك.

توعدت بأنها لو شمت رائحتهم مرة أخرى بعد أن تضع صغارها القادمين سوف تتعقبهم حتى تطردهم من المكان، لأنهم خطر. ربما كانت الضباع تتعقبهم هم، وفي الطريق وجدوني مع الصغار.

طمأنتها أنهم لن يأتوا. لقد أخذوا ما يريدون. لن يصوروا شيئًا آخر بعد مشهد تغلب الضباع.

لماذا؟ سألتني بصيغة لم أفهم منها هل هي حريصة على أن يأتوا ليصوروا، فتنفذ وعيدها. أم تستنكر أنهم لن يصوروا الجزء الجيد من الحياة. حين ننجب مرة أخرى.

واحترت كيف أشرح لها. صحيح أنني عشت مع البشر لكنني لم أفهمهم تمامًا أيضًا. فهم محيرون في الحكم.

من جهة لقد بلغوا من القوة مبلغًا عظيمًا. ومن جهة أخرى فأفرادهم ضعفاء.

أذكياء تغلبوا بذكائهم على مملكة حيوانية فيها أقوى منهم بكثير، وأكثر رشاقة، وأفضل صحة، وأقوى حواسا، فيها من يرى في الليل، ومن يقفز من شجرة إلى شجرة، ومن يكسر بأسنانه العظام.

لكنهم أغبياء يختارون أحيانًا من الخيارات أتعسها، ويقيدون أشياء لا تقيد. ويؤنبون أنفسهم على أفعال طبيعية.

سأحاول رغم ذلك:

البشر لديهم ممارسة عجيبة اسمها “التفكير”. ليس التفكير الذي نفعله نحن لتحقيق هدف معين، صيد أو مغازلة أو هرب. لا. البشر يفكرون لأنهم يعتقدون أنهم لا بد وأن يفكروا. يفكرون في ماضٍ لن يغيروه ولو أرادوا. يفكرون في موقف عاشوه بعد أن يعدلوا في عقلهم ظروف حدوثه.

خاف واحدهم – مثلًا – أثناء الموقف فتصرف بطريقة معينة. الآن، في وقت التفكير، يحقن نفسه بحقن شجاعة في خياله، ويقول إنه كان لا بد أن يفعل كذا. أو يحقن نفسه بحقنة سرعة بديهة لا يملكها، ويظل سنوات يلوم نفسه أنه لم يكن سريع البديهة، وأنه كان يجب أن يتصرف بالشكل الفلاني.

يقضون وقتا طويلًا في التفكير، لكنهم يفكرون قليلًا جدًا.

عملية “التفكير” لديهم ليست إلا مقارنة بين فعل الواحد فيهم كفرد، وبين التصرف النموذجي الذي يربي البشر بعضهم بعضا عليه. الآباء يربون الأبناء. المدرسون يربون الطلاب. رجال الدين يربون الناس. التليفزيون يذكرهم بالصواب والخطأ. كلها وسائل تغذية بالأفكار النموذجية، التي يجب أن يفكروا مثلها.

نحن أيضا نربي صغارنا. أعرف. لكننا نربيهم على المهارات الأساسية، الصيد والهرب والتخفي والحذر. ونفعل ذلك فقط وهم صغار، فإن بلغوا استقلوا بأنفسهم. لكن البشر يستمرون في “تربية” بعضهم البعض طوال الحياة. وبعد الموت أيضًا.

ومعظم الوقت الذي “يقضونه في التفكير” يقضونه في الحقيقة في حساب المسافة بين تصرفهم وبين “التصرف النموذجي”، أو في تبرير انحرافهم عن هذا التصرف النموذجي.

شاهدت في السيرك طفل مدربي، يمسك كتابًا، داخل كل صفحة شكل كبير، وتحته مجموعة أشكال. على الطفل أن يعرف الشكل الذي يشبه الشكل الكبير. ثم يصفق له أبواه. الإنسان يعيش حياته كلها يبحث عن شكل التصرف الذي يشبه الشكل الكبير.

سيعرضون مثلًا مشهد هروبك أمام الضباع. ولن يعجبهم التصرف. قد يتفهمونه لكنه لن يعجبهم. ليس هذا التصرف النموذجي بالنسبة لهم.. سيبررون الموضوع لأنفسهم بأن هذا قانون الغاب. يقصدون أننا حيوانات ليس لديها عقل. وسيقولون “الغاب” وليس الغابة. لماذا؟ لا أعرف.

سيفضلون لو مت شهيدة الدفاع عن صغارك.

شرحت لوليفتي كلمة شهيدة. تفكير البشر يزين لهم أحيانًا اللاجدوى، والمضحك أنهم يسمون هذه اللا جدوى بالذات جدوى أو مرادفًا آخر.. سيقولون مثلا إن موتك دفاعًا عن الصغار يجعل لموتك معنى. لن يفهموا أن موتك – شهادتك – معناه أن يموت الصغار أيضًا. ولكن أن تعيشي معناه أن تحافظي على حياتك، وأنك ستلدين مرة أخرى.

لو وضعنا الخيارين إلى جوار بعضهما فأي “حيوان” إلا الإنسان سيفعل ما فعلتِه. وهو التصرف المجدي بلا شك.. لكن الإنسان يريد شيئًا آخر. يريد إرضاء قصة أعجبته في كتاب، أو إرضاء إله القصص جميعها، الإنسان يعبد القصص. القصة التي تعجبه قادرة على رسم مسار حياته، قادرة على إلغاء عقله ومنطقه والتصديق فيها وبها.

النجاة بحياتك خالية الدسم الدرامي بالنسبة لهم. ولو حدث وتصرفت امرأة من البشر مثلك، وأرادوا أن يمدوا في الفيلم بعد هذا التصرف، فلا بد من حقن الفيلم بجرعة مكثفة من الدراما وتأنيب الضمير.

لا بد في ما تبقى من حياتها أن يراها البشر معذبة، يأكلها الإحساس بالذنب. لا بد أن تستحيل الحياة بينها وبين زوجها إلى جحيم. مع كثير من التلسين والهمز واللمز. رغم أنها كانت مضطرة، ولم تقترف جريمة. هكذا فقط يستريحون ويهدأون.

ليس لدينا بعد مشهد التهام الضباع للصغار ما نقدمه لهم في هذا الاتجاه. استمرارهم في التصوير، رؤيتنا ونحن نكمل الحياة بجلد، أننا نخرج في اليوم نفسه نصطاد ونتكاثر ونمرح، لن يخدم غرضهم الدرامي..

أقل ما يفعلونه بك في الفيلم أن يحكموا عليك بالذهاب إلى المجهول جزاء لك على “انعدام البطولة” في تصرفك.

كنت مهندس الصوت في في هذا الفيلم التسجيلي، وقبل أن أغادر موقع التصوير خطر لي أن أزرع سماعة تنصت في عرين الأسد لكي ألتقط أصوات الأم والأب حين يعودان، وأقارن هذا بالأصوات العادية في يوم عادي.

لكنني لم أكن الملك سليمان، ولا أعلم لغة الأسود. كل علاقتي بفصيلة القطط أنني حين جربت مادة سايكيديليك تخيلت نفسي نمرًا في الغابة، ويجب أن أعود إليها. وربتت صديقتي على كتفي وهي تضحك “هنرجعك ما تقلقش.”

ظننت لحظتها أنني جاد، ولم أفهم لماذا تسايرني كأنها لا تصدقني. رأيت نمورًا في انتظاري في المكان الذي كان خزانة ملابس. خرجت من أبواب الخزانة. لا أقصد أنها فتحت الباب وخرجت، فهذا غير معقول، بل الأبواب نفسها تحورت إلى نمور. ظلت النمور في انتظاري، في انتظاري، في انتظاري. ثم ملت. فعادت خزانة ملابس.. وجدتها صباحا في مكانها المعتاد. لكنني علمت أنها ليست خزانة ملابس حقيقية.

إدراكي جعلها خزانة ملابس.

وإدراكي قادر على أن يجعلها شيئًا آخر.

أجمل، فأقسى، ما يذكرني بصديقتي الفرنسية جملتاها الكيوت المقترنان كـ دوم تاك: “آي لايك. يو لايك؟”

كان التركيب غريبًا بالنسبة لي، فعل الإعجاب في الإنجليزية والعربية لا معنى له دون مفعول به في الأولى، وفاعل في الثانية. لكنني استسغت تعبير الفرنسية ثم أحببته حين أدركت أنني في الواقع أسمعه كثيرًا من أصدقائي اللبنانيين: “حبيت”. ولا أجده مزعجًا.

غياب المفعول به من الجملة يجعلها خفيفة، لا تحملك همها، ومفتوحة الخيارات.

بعد عشاء أعدته بيديها، تعبر عن نفسها بـ “آي لايك” ثم تقصدني بسؤالها القرين، “يو لايك؟”. فأجيب نعم. لست مضطرًا لإبداء رأيي في بند محدد كما الحال لو جاء بعد لايك مفعول به مقصود ومحدد. ربما لم يكن الستيك نيئًا كما أحب، لم أشعر فيه بحلاوة طعم الدم وليونة اللحم اللذي ينز الدم منه. لكن السلطة جيدة. والجو العام جميل.

ربما كانت درجة لون الجينز أغمق مما أريد، لكن رسمه مميز.

ربما تكون الكنبة بعيدة المسند الخلفي، متعبة للجلوس، لكن وسعها جيد للتمدد.

آي لايك. حبيت.

وكنت أحب قصصها التي لا تنتهي، حتى وإن حكتها بإنجليزية مكسرة بطيئة، لم تعدم أن تضيف إليها خفة دم بحركاتها وتعبيرات وجهها وجسدها. لا أتذكر منها إلا الأوقات اللطيفة، تمر منها ساعات فلا ندركها إلا دقائق.

أرسلت لها تفريغًا ملخصًا لما سجلته. يبدأ من لحظة عودة الأسد إلى وليفته. ثم، فقط، الأصوات، وتوقيتاتها. وسألتها: هل الأصوات الصادرة منهما تعطي أي إشارة إلى حالتهما النفسية، هل الحيوانات تحد على من تفقد من أحباء؟ أما السؤال المبطن فأتركه لتقديرها وقد افترقنا قبلها بثمانية أشهر.

في الدقيقة الثانية من الملخص – وهي بعد ست ساعات و سبع وأربعين دقيقة من بدء التسجيل الخام، تعود اللبؤة والأسود إلى ممارسة الجنس. يتكرر بعد ذلك ٩ مرات خلال ما تبقى من وقت التسجيل. (أسد ياله فيه إيه!)

أجابت سؤالي بأنها لا تعلم إن كانت الحيوانات تحد على من تفقد من أحباء. لكن الأكيد أن التصرف الطبيعي لفصيلة القطط حين تفقد صغارها، أن تدخل في فترة حمو جنسي، لكي تعوض ما فقدته. وهذا يفسر تكرار التزاوج كل ساعة أو أقل.

 

من المتكرر في الثقافات البشرية ربط الأخلاق بقمع الغريزة، أو “تهذيبها”. لا أريد هنا أن أخوض في ماهية الغريزة وموقعها من الإنسان وكيمياه الحيوية. بمعنى آخر لا أريد أن أخوض نقاشًا حول “الطبيعة” بالتعبير البشري، و”الفطرة” بالتعبير الإلهي الديني. وكلاهما لفظة يفترض أن تدل على الحالة الأصلية، قبل أي تأثير.

والغريب أنه كلما زاد قمع الغريزة كلما زاد الإصرار على أن هذا الأقرب إلى طبيعتنا. الإنسانجية يسمونها “أن تكون أكثر إنسانية”، تعبير يختلف في تفاصيله، لكنه لا يختلف في منبعه الجوهري عن تعبير “الفطرة” الديني. الإنسانجية والمتدينون كلاهما لا يتركون هذه “الإنسانية بيوريه” تعبر عن نفسها كما تريد.

ولم يتوقف الإنسان عند حد قمع الغريزة. لقد قمع كل ما يرتبط بكونه كائنا طبيعيًا، لصالح كونه كائنا “كتابيًا”. لديه كتالوج مكتوب. رجال الدين يقدمونه من عند الله، طازجًا ساخنًا على الدوام. والأكاديميون يدعون أنهم لو كانوا آلهة لصمموا للإنسان حياة أفضل. لا يقولون هذه الجملة بالضبط. لكنهم يقولونها بالقطاعي.

تختلف الحالتان في درجة القدسية التي ترمي كل إلى تحصين كلامها بها. رجال الدين إن خالفتهم قد يطردونك من مملكة الإيمان، إنذارًا بطردك من مملكة الآخرة. والأكاديميا، إذ تمكنت، قد تلغيك Cancel. لكن التأثير الذهني على الإنسان واحد.

لن يستطيع أحد قتل الغريزة لأنها ليست اختيارية. لكن في طريقهم إلى ذلك يستطيعون قتل قرائنها الاختيارية: قتل الملاحظة والبداهة.

الديمقراطية التوحيدية | هيا نلعب ونمرح تحت سقف المرشد الأعلى | خالد البري

معظمنا يعيش في مجتمع بشري مكون من مجتمعات فرعية، مقسمة حسب خليط الهويات. في الدول الغربية هناك مجتمع السود ومجتمع المسلمين، ومجتمع الآسيويين، مجتمع الكاثوليك، مجتمع البروتستانت، اليهود، وكل واحد من تلك مقسم بدوره إلى مجتمعات أصغر.

في مصر هناك مسلمون ومسيحيون، وهناك نوبيون وسيناويون وأهل سيوة من الأمازيغ وهناك بحاروة وصعايدة، ومحافظات مختلفة.

ومرة أخرى، كل منهم مقسم إلى مجتمعات فرعية. هناك مسيحيو الصعيد، ومسيحيو الإسكندرية، ومسيحيو الريف، ومسيحيو “الأمة القبطية”.

وهناك مسلمو الحضر ومسلمو الريف، سلفيون وصوفية وعالمانيون، وفلول الاحتلال العثماني، وهناك مسلمو العشوائيات ومسلمو الطبقة الوسطى العليا، ومسلمون ذوو سلطة إضافية ككبار ضباط الشرطة والجيش والقضاة.

خلال حياتك المتقاطعة مع كل تلك التصنيفات تكتشف صفات تميز كل مجموعة. وهذه آلية طبيعية لن تستطيع في غيابها التعامل مع كل هؤلاء البشر. الصفات المميزة قد يعتبرها الغريب عنها إيجابية أو سلبية، لكن تقييمك هذا لا يعني أن المجموعة البشرية تعتمد نفس التوصيف. أي أنها لا تنكر وجود الصفة المشتركة، لكنها تختلف معك حول تصنيفها.

على سبيل المثال، ربما ترى المسلمين متعصبين. وما تسميه أنت تعصبًا لا ينكره المسلمون، بل يسمونه “غيرة على الدين”.

هناك مجتمعات أخرى تسمي الحقد “نصرة الحق”، وتسمي الغل وتوارث المظلمة ثباتًا على الحق.

ومجتمعات تسمي التحكم في الآخرين والتسلط عليهم حفاظًا على الأمة.

ومجتمعات تسمي الخبث الذي يجمع بين سواد القلب والابتسامة على الوجه محبة.

تحتاج، كفرد، أن تستخدم ملاحظتك وبداهتك، ولو من باب “حرص ولا تخون”. لكنك تجد الأكاديمي منتفض العروق يسألك: هل درست هذا المجتمع فردًا فردًا؟ هل أحصيت من لديه هذه الصفة في مقابل من لا يملكها؟

ثم يطلق عليك صيحة الاستهجان: تعميم، ستيريوتايبنج، أحكام مسبقة، إلخ. يجعلك تتلبش في مكانك.

ومن هنا ما عليك إلا أن تبدأ رحلة العبط والانخداع. التي لن يعصمك منها أن توصفها أنت الآخر توصيفًا إيجابيًا: ليبرالي، منفتح، كائن إنساني.

ستجد نفسك سهل الخداع، حتى تنظيم تحالف الآي كيو المنخفض يمكن أن يخدعك، ويجعلك تقمع قدرتك الغريزية العادية على الملاحظة والفراسة وتحسس الخطر وترجمة سلوك المجموعات البشرية. وهو سلوك لا يحتاج إلى إحصاء، فضلًا عن أنك لن تستطيع إجراءه ولو أردت. فهو أداة مملوكة فقط لقطاع الأكاديميين ومن ينحون نحوهم.

أنت مواطن عادي. تتحرك في دائرة محدودة. لا شأن لك بمسلمي البوسنة إن كنت تعيش بين مسلمي باكستان، ولا شأن لك بمسيحيي فرنسا إن كنت تعيش بين مسيحيي أسيوط والمنيا.

ليس هذا تحقيرًا للأكاديميًا، فلها فضل عظيم.

إنما تحذير من تحويلها إلى إله، أو نسيان أن القائمين عليها فئة وظيفية، كأي فئة وظيفية أخرى، لها مصالح، وخسائر، ومكاسب، ورغبة في تعميق دورها. ولا سيما بعد توسع الأكاديميا من العلم التجريبي إلى “العلوم الإنسانية” وريثة “علوم الدين”.

قتل الملاحظة والبداهة مجرد فرع من قتل الغريزة والألجوريذم الذاتي لصالح الكتابية والتوجيه الجمعي.

اللغة هي اختراع الإنسان الأكبر، واللعب بها لا يزال حتى الآن مبهرًا لعدد من الناس أكبر من عدد المنبهرين بالنغمات الموسيقية.

الكتابة كانت التجسيد البصري لهذا السحر الذي أضفته اللغة. وعلى قدر ما يراها الواحد منا الآن مهارة بسيطة للغاية وأساسية، فقد ظلت آلاف السنين غير ذلك.

تخيل سحرها: مهارة معروفة، مرئية، منقوشة على الجدران ثم البردي ثم الرسائل .. تشرح الأفكار، وتصل بين البشر على بعدهم، ورغم ذلك لا يستطيع الأغلبية الكاسحة من البشر امتلاك زمامها. إن أردت أن تعرف مدى صعوبتها فلا تقس الأمر على لغتك الأم، بل جرب تعلم لغة من الصفر، قراءة وكتابة.

في اللغة العربية مثلًا كان كل المطلوب معرفة ثمانية وعشرين حرفًا، ومعرفة الأصوات التي تنتج من كل منها. ثم تجميع تلك الأصوات معا لقراءة الكلمة، أو قل لتخمينها لأنك في الأصل تعرفها كونها لغتك.

لكن – رغم ذلك – ظل العدد الأكبر من الناس عاجزًا عن القراءة. ليس هنا فقط، بل في أوروبا أيضًا.

وزاد من قداستها ارتباطها بالأديان. وبرجال الدين. لكنها تحولت بعد ذلك إلى ميدان للصراع بين رجال الدين، محتكريها الأوائل، وبين “كبار المتعلمين” بداية من عصر النهضة.

في الحرب بين الأديان والكتابية البشرية كانت الغلبة في البداية لرجال الدين. إليهم انحازت الجموع من الجهلة بالكتابة، واعتبروهم مثلهم الأعلى. صحيح أنهم يملكون سحر القراءة والكتابة، لكنهم باقون على “الفطرة التي فطر الله عليها”، لا يتحدونها بعلمهم. على عكس الكتابيين البشريين، الذين استخدموا “نعمة الله عليهم بمعرفة الكتابة” لكي ينصبوا أنفسهم أدلاء على منهاج آخر، اخترعوه من دون الله.

تغلب رجال الدين لقرون طويلة، لأن فئة “كبار المتعلمين” لم تملك مساجد ولا كنائس، ولا الرهبة الدينية، ولا الخشوع أمام الخطاب الديني، ولا التلويح بالجنة والنار.

ظلت هذه الكتابة على مر التاريخ سلاحًا أكبر في يد أعداء الإنسان. أعداء الغرائز الإنسانية. وتطورت في هذا الاتجاه. فقتلت بداهتنا، ووصمت غرائزنا، وقدمت نفسها كأنما عقد توثيق على صحة ما تقول. يستدل على صحة ذاته بكونه مكتوبًا مدونًا.

في العصر الحديث، وقد تحررت الكتابة في الغرب والشرق إلى حد كبير من تحكم رجال الدين، فقد وثب عليها رجال الأكاديميا. وهؤلاء أيضًا اخترعوا إلها جديدًا على نموذجهم، إله اسمه “الإنسان المثقف”. يعتقد أنه أكثر فهما، وأنه مخول وحده ليكون مصدر التوجيه والإرشاد.

الشيء الوحيد الذي اتفقا عليه هو قتل الغريزة، ثم قتل الملاحظة والبداهة، لصالح “الاستنساب البشري”. الإنسان الذي يحب أن تدافع اللبؤة عن صغارها حتى يقتلها الضباع ويقتلون صغارها.

الإنسان الذي يغضب من الضباع، لأنه يرى مشهدًا من فيلم الحياة، ولا يرى الضباع في موقف ضعف.

الإنسان الذي لا يفهم الدبة التي تترك أحد صغيريها يموت في فصل الشتاء لأنها لن تستطيع أن توفر الغذاء لكليهما. فتختار أن تبقى هي لتغذيه ويبقى واحد، بدلا من أن تضن على نفسها بالغذاء وتمنحه كله لصغيريها فتموت، ثم يموتان.

هذا الإنسان الذي يستنسب حياة أخرى غير الحياة الواقعية هو نفسه الذي يستنسب في السياسة والاقتصاد قرارات ضارة، ويتسبب في أسلوب حياته وحياة من حوله ممارسات تزيد في الحياة شقاءه. وكلما زاد شقاء قراراته كلما زاد مدحه لنفسه ولقراراته، وكلما زادت حمولة النعوت الإيجابية التي يلحقها بها.

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك