دستور 1923 | كيف حلت مصر إشكاليات الهوية – المواطنة – الحريات قبل 100 عام؟ | مينا منير

دستور 1923 | كيف حلت مصر إشكاليات الهوية – المواطنة – الحريات قبل 100 عام؟ | مينا منير

28 Feb 2020
مينا منير دقائق

مينا منير

باحث بجامعة لوزان - سويسرا

الشرق الأوسط
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

28 فبراير يحمل ذكرى قد لا يعرف عنها المصريون كثيرًا، لكنها واحدة من أهم محطات تاريخ مصر المعاصر.

في هذا اليوم سنة 1922، صدر إعلان بريطانيا لاستقلال مصر واعتبارها دولة ذات سيادة، وتحوّلها من السلطنة المصرية (تحت الحماية 1914-1922) إلى المملكة المصرية.

مصر الملكية التي نعرفها من كتاباتها وأفلامها السينمائية التي يشاهدها الناس ويشتاقون لأيامها هي منتج مباشر لهذا الحدث المفصلي.

 الهوية المصرية.. المصرية فقط

بإعلان استقلال مصر وسيادتها، صارت الركيزة الأساسية تأسيس هوية وطنية والتعبير عن مقوماتها في الدستور الذي بدأت محادثاته فور إعلان الاستقلال مباشرةً.

هنا نسأل: ما الذي تحقق من منجزات على المستوى الدستوري منذ محادثات 1922 التي أفضت لدستور 1923 وصولًا إلى دستور 2014 القائم اليوم؟

أقصد هنا تحديدًا البدء من محادثات 1922 وليس فقط دستور 1923. فقد اطلعت منذ وقت قريب على نسخة من محاضر المشاورات كما نُشرت سنة 1938، وما نجده فيها من نقاشات شديدة التهذيب، والعمق، والرقي تجعل التجربة خلف دستور 1923 ليست أقل أهمية ً من ذلك الدستور الذي استمر بشكل أو بآخر في تشكيل وعي ومحتوى سائر الدساتير التي تلته انطلاقًا من كونه كُتب ليعرّف هوية مصر ومناحي الحياة فيها.

بالنظر للدستور، ستجد أن مادته الأولى تعرف ماهية مصر دون أدنى إشارة إلى محيطها العربي أو الإقليمي، فلا يدخل في تعريفها بمادتها الأولى أي إشارة لدين، أو تقزيمها “كجزء” من أمة أكبر كما في سائر الدساتير التالية، ولا يرتبط اسمها بنظام اقتصادي كما في دستور 1937. فمصر فقط: “دولة مستقلة ذات سيادة”.

الهوية المصرية.. حينما تكون جنسيتك حقيقة بيولوجية | مينا منير | دقائق.نت

حرية الاعتقاد مطلقة

ويبدو أن القائمين على الدستور ارتأوا أن أهم الأمور التي تلي ذلك التعريف المحدد لمصر هو حقوق المصريين وواجباتهم، الأمر الذي سنجده متراجعًا في سائر الدساتير التي تلته. فما عرفوه بالباب الثاني كان يشمل ما سُمي بالحريات الكبرى التي لا يجب المساس بها، وهنا كانت النقاشات مهمة.

لجنة الثلاثين اطلعت على دساتير أوروبا فيما بينها للحصول على الرؤية الأفضل لتعريف الحريات. سنجد في هامش محضر الاجتماعات مواد الدساتير الفرنسية، الدنماركية، البروسية (قبل وحدة ألمانيا)، الإسبانية والبلجيكية. ويبدو أن الدستور البلجيكي كان الملهم الأساسي في اصطلاحاته التي حازت على قبول التيارات المختلفة في اللجنة.

تُظهر لنا المسودة أمرًا غاية في الأهمية: فقد أصر علي بك ماهر (ولم يكن بعد قد حصل على رتبة البشوية) على الفصل بين الاعتقاد والممارسة. فالخلط بين الأمرين قد يفتح الباب للمتحججين بالممارسات لقمع حرية الاعتقاد. فحجر الأساس لبناء مصر الجديدة في رأيه، الذي تغلب على باقي الآراء، هو أن حرية الاعتقاد مُطلقة. وفي الإصرار على تعبير “مطلقة” المقتبس من الدستور الروماني،[1] يجب ألا يوضع إلى جانبه أي شروط تحدده وإلا انتفى أصل المعنى.

وانطلاقًا من هذا المبدأ، فيمكن تحديد حرية الممارسة فيما لا يُعد قانونًا جُرمًا. بصيانة حرية الاعتقاد غير المشروطة، برأي أعضاء اللجنة، فقد أسس هذا المبدأ لكل ما تلاه من قوانين تشكل الهوية والنظام في مصر.

فقط لتوضيح ما حدث لاحقًا، نجد أن مادة حرية الاعتقاد قد اختفت من دستور 1971. أما دستور الإخوان فقد جعلها “مصونة”، أي أنها موهوبة من الدولة، التعبير الذي رفضته لجنة الثلاثين قبله بتسعين عامًا، بل وحدد الإخوان حرية ممارسة الشعائر “للأديان السماوية”.

دستور 2014 قد أعاد صياغة دستور 1923 بمطلقية حرية الاعتقاد (المادة 64)، وإن جاءت متأخرة بعد مواد تناقضها في تفصيلات عديدة.

جرائم السلطة الاجتماعية في حارتنا .. الحلقة الغائبة بين الحكم والقانون

حرية الصحافة

أكثر المواد المؤسِّسة في تلك الحريات، والتي حازت على نقاشات طويلة، كانت حرية ابداء الرأي من خلال النشر. حيث علي ماهر أصر على أن “الحرية الصحافية هي المظهر الأول لسائر أنواع الحريات الأخرى” وأن التشديد على ضمان حرية الصحافة وحمايتها من شتى أنواع الرقابة البرلمانية أو الإدارية هو صيانة لحق الإنسان المطلق في الاعتقاد.

هنا نجد اعتراض بعض أعضاء اللجنة كعزيز فهمي بك والمكباتي بك، وكلاهما اقترح إعطاء البرلمان صلاحية الرقابة وغلق الصحف. أما الحجج فشملت “الحفاظ على الأخلاق” إذا استدعت الضرورة، أو ظروف الأمن القومي.

استمر علي ماهر في قتاله الشرس دفاعًا عن تلك الحرية، فبرر أن وضع الصحافة تحت رحمة البرلمان هو فعليًا وضعها تحت مقصلة الأغلبية البرلمانية وليست البرلمان، فمن خلال مبررات نسبية ومبهمة كالحفاظ على الآداب العامة، تصبح الأغلبية قادرة فعليًا على قمع صحافة المعارضة.

وهنا، حينما نرى الأخذ والرد على مدار أيام حول تلك المادة، حتى الوصول إلى صياغتها النهائية التي تحمي المؤسسة الصحافية حتى إن استدعى مقتضيات القانون محاسبة الأفراد، نسأل أنفسنا: أين نحن من هذا في الدساتير التي تلته زُهاء قرنٍ؟

دستور الإخوان أيضًا يتعرض لحرية الصحافة في مادة متأخرة، طويلة الصياغة تدعو إلى تحديد دورها بـ “التعبير عن اتجاهات الرأي العام” بل و”في إطار المقومات الأساسية للدولة والمجتمع”.

تحديات المواطنة بعد ٣٠ يونيو 2013: ٢- إلى أين؟ | مينا منير

دلالة تراتبية المواد

لم يكن النقاش بين أعضاء اللجنة قائمًا على فكرة جمع مجموعة من المواد بين دفتي وثيقة الدستور، بل تحديد المواد الحاكمة والمؤسسة التي في نظرهم تبني لما يُسمى بـ “مصر المستقلة ذات السيادة” فكانت الحريات وصيانة مبادئ المواطنة هي الأصل الذي تراجع تباعًا في الدساتير التالية حتى رأينا صورته المعكوسة في دستور الإخوان.

ليست فقط أهمية بعض المواد على ما تلاها هو ما أسس لمصر التي عكف على تحديد ملامحها أعضاء اللجنة، لكن الأهم من ذلك هو عدم ترك الحرية تحت رحمة مواد يحترف “ترزية الدساتير” بعدهم بعقود في الالتفاف عليها من الباب الخلفي بدواعي “الثوابت الدينية” والاجتماعية و”الأخلاق،” حتى وإن لزم ذلك تأخر صدوره.

فنجد مثلًا في متن نص المحاضر حالة طريفة، يضعها الناشر سنة 1938 ليدلل على فكرة تراتبية مواد الدستور وأهمية مواد الحريات فوق كل شيء.

يقول لنا أن أشراف إحدى المدن رفعوا للبرلمان طلبًا بإعفائهم من بعض الواجبات القانونية كالضرائب لأنهم من نسب النبي محمد انطلاقًا من مادة أن دين الدولة هو الإسلام (99)، إلا أن الدستور أيضًا أسقط أي أنواع امتيازات حتى ولو كان له منطلقات دينية في قضايا الواجبات، إعمالًا لمواد باب الحريات الكبرى.

في ذكرى 30 يونيو.. ماذا تحقق في ملف المواطنة؟ | مينا منير

محاولات التفاف فاشلة

مرة أخرى، يرسل الأزهر خطابًا يعترض فيه على مطلقية حرية الاعتقاد التي تتعارض مع الشريعة. بل ذهب الأزهر إلى الاعتقاد بأنه “ليس لوطني أن يحتج بأحكام دينه للتخلص من واجباته” يعتبر “مساسًا بالدين الإسلامي”، فعند تناقض الواجب الوطني مع الديني، يجب أن يختار المواطن الدين.

فكان رد عبد العزيز فهمي بك أن البلد متعدد الأديان والأعراق لا يُحكم بالدين الإسلامي، وأن المساواة في الواجب الوطني هو الحاكم، وقد رجح رأيه في صياغة المادة.

أما في نقاشات المادة الثانية، فنجد أن حركة الالتفاف على الحريات والمساواة بحجة وضع صلاحية للبرلمان في تحديده تتكرر من أصوات كصوت لملوم باشا الذي رأى أن أعراف العرب وحقوقهم يجب ألا تكون متساوية مع غيرهم، وأن يُترك ذلك للبرلمان، فنجد أن رأي عبد العزيز بك فهمي يتغلب حينما يؤكد أن حقوق المساواة حاكمة وهي فوق البرلمان الذي هو نفسه خاضع للدستور.

اليوم نجد أن كافة الحريات لا تُنتهك إلا بنفس الطرق التي تلتف بها الجماعات المتشددة، وهي التعبيرات المرسلة عن الأخلاق والآداب العامة والأصول، الأمر الذي تم حسمه بتقاليد دستورية وبرلمانية صنعت مصر التي نفتخر بزخم اسهاماتها الحضارية من مئة عام، فأين نحن اليوم؟

[1] La liberté de conscience est absolue


المؤلف ممتن لأرشيف الأمم المتحدة بجنيف، والأرشيف الرقمي لمكتبة الإسكندرية على توفيق المواد المذكورة، وهي في أغلبها متاح في النسخة المطبوعة بواسطة لجنة الشئون الدستورية بمجلس الشيوخ سنة 1938.


خلاف شيخ الأزهر والخشت: مئتا عام من المساومة مع الدولة المصرية| خالد البري

الفتنة الطائفية.. أطروحة فيلون عن تحدى الدولة حلت الإشكالية قبل ألفي عام | مينا منير


رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك