سد النهضة (3) | كيف فوتت مصر فرصة ردع إثيوبيا بالتهديد العسكري؟ | محمد زكي الشيمي

سد النهضة (3) | كيف فوتت مصر فرصة ردع إثيوبيا بالتهديد العسكري؟ | محمد زكي الشيمي

18 Mar 2020
أثيوبيا مصر
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في الجزء الأول، استعرضنا أوراق قوة إثيوبيا في قضية سد النهضة. في الجزء الثاني عرضنا حلول الرؤساء المصريين السابقين. في الجزء الثالث نتحدث عن أسباب تغير الموقف تجاه السد من الجانبين.

   موقف الولايات المتحدة 

بعد غزو العراق في عهد جورج بوش الابن، تعاملت الولايات المتحدة مع مصر بفتور؛ باعتبارها حليفًا لا يحقق مصالح الولايات المتحدة بالشكل الأمثل، كون القاهرة احتفظت دائما بعلاقتها مع واشنطن على مسافة غير قريبة.

على سبيل المثال لا الحصر، اصطدمت مصر بالولايات المتحدة في عهد ريجان في قضية السفينة أكيلي لاورو بشدة، برفضها تسليم مجموعة أبوالعباس التي خطفت السفينة وقتلت راكبًا أمريكيًا. وأكدت مصر آنذاك أنهم غادروا بالفعل الأراضي المصرية بينما أكد الأمريكيون أن المجموعة كانت في مصر حينها.

قبلها تجاهلت مصر طلب إدارة ريجان بشن هجوم مشترك علي ليبيا عام 1985.

في عهد بوش الأب لم تتحمس مصر للإطاحة بصدام حسين، رغم مشاركتها في التحالف الدولي لتحرير الكويت.

وفي عهد بوش الابن، لم تشارك مصر في التحالف الدولي ضد أفغانستان أو العراق.

وحتي في عهد كلينتون، الذي كانت إدارته هي الأقرب أمريكيًا لمبارك، خاضت مصر معركة لرفض التوقيع على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية ما لم توقع عليها إسرائيل.

لم يضغط مبارك كذلك على ياسر عرفات لإتمام اتفاق السلام التاريخي المنتظر في نهاية 2000، والذي أراد كلينتون أن يختم به رئاسته، وكثير من الآراء تشير إلى أنه تعمد إفشال الاتفاق.

كذلك، لم تقل حدة العداء للولايات المتحدة في الخطاب الثقافي والإعلامي المصري (صاحب التاثير الكبير خارج حدوده)، ولم ينتج عن المساعدات الأمريكية تغيير في تركيبة النظام السياسي نحو الديمقراطية بشكل يمكن الولايات المتحدة من تصدير مصر كنموذج لحليف الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي بشكل يقلص العداء للولايات المتحدة في المنطقة، الذي ظهر في هجمات سبتمبر والعمليات الإرهابية المختلفة قبلها وبعدها، وبالتالي توجهت إدارة أوباما نحو حل آخر وهو قبول قيام التنظيمات الإسلامية المختلفة بهذا الدور على أن يحلوا محل النظم التقليدية الجمهورية والملكية في المنطقة مع تصدير تركيا كنموذج للحليف المثالي لواشنطن.

   الوضع في إثيوبيا والسودان 

الوضع في إثيوبيا ذاتها تغير؛ فالنظام المرتبط بالسوفييت سقط عام 1991 وحل محله نظام ميليس زيناوي، والذي أصبحت علاقته بالولايات المتحدة والدول الغربية جيدة، بما يعني أن المواجهة بين إثيوبيا ومصر لن تكون بين صديق لواشنطن وخصم لها، بل بين صديقين، مما يعني أنه لا مصلحة للولايات المتحدة في الانحياز لأحدهما.

في السودان، خلق وصول الإسلاميين للسلطة في يونيو 1989 وماتبعه من محاولة التدخل في الشأن المصري، موقفًا مليئًا بالحساسيات مع السودان، استغلته حكومة عمر البشير في تأجيج العداء الإعلامي لمصر في السودان.

لكن حروب البشير العبثية في الجنوب وفي دارفور خلقت وضعًا بات فيه نظام البشير معزولًا دوليًا بشكل اضطر معه إلى تجنب الاصطدام مع مصر رغم الحساسيات. واستجابت مصر بتهدئة الوضع  على طريقة (اللي في القلب في القلب).

ورغم تحالف البشير مع تركيا وقطر وكلا الطرفين يحاول ضرب المصالح المصرية منذ وقت بعيد، فقد ظل السودان حتى 2011 يتخذ نفس الموقف المصري في قضية الحقوق التاريخية لمياه النيل.

الموقف شديد الأهمية لسببين:

الأول: أنه (بحدوده قبل استقلال جنوب السودان) يملك الجوار الجغرافي مع كل دول حوض النيل عدا تنزانيا ورواندا وبوروندي، وبالتالي فاصطفافه مع مصر يعني أن الطرفين منفردين يملكان عمقًا للتحرك ضد بقية الأطراف ولو عسكريًا. وهو وضع انتهي باستقلال جنوب السودان في يوليو 2011، لتصبح حدود السودان مع دول الحوض محصورة في مصر وإثيوبيا وجنوب السودان، بالإضافة لإريتريا التي ليست من دول الحوض بشكل حقيقي، وهو ما يعني أن الاصطفاف مع مصر قد لايكون بذات أهمية النأي بالنفس عنها.

والثاني: أن معظم الاتفاقات الدولية التي تتمسك بها مصر وقعها الإنجليز باعتبارهم سلطة الحكم في السودان ذات الحكم الثنائي المصري البريطاني آنذاك، وبالتالي فتجاهل السودان لأهمية هذه الاتفاقات يقوي الموقف الإثيوبي القائل بأنها اتفاقات استعمارية غير ملزمة له،ا طالما أن الوريث السياسي للحكومة الإنجليزية المصرية في السودان، وهما دولتا السودان وجنوب السودان لا يوليانها ذات الاهتمام.

هذا الموقف عمليًا لا يؤثر على نصيب السودان؛ لأنها أصلًا لا تعتمد فقط على مياه النيل بل على الأمطار كذلك، ولا تستهلك نصيبها من مياه النيل بشكل كامل، ولأن المياه تصلها قبل مصر، ولأنها ليست في حاجة للاصطفاف مع جار واحد هو مصر أمام بقية دول الحوض، وأخيرًا، لأنها بالفعل قد تحقق نتائج إيجابية من سد النهضة سواء بالحصول على الكهرباء أو بحجز مياه الفيضان، وهو عامل كان يأتي متأخرًا في الحسابات بعد بقية العوامل، لكنه أصبح يتقدم عليها، مع تراجع أهمية بقية العوامل.

وبرغم أن العلاقة القوية مع مصر استراتيجية للسودان في جميع الأحوال، فإن السودان لم يعد يولي الموضوع الأهمية القصوى في حساباته.

من حلايب إلى سد النهضة: الغموض يهزم الوضوح في علاقة مصر والسودان

   الوضع في أفريقيا 

أهداف دول أفريقيا عمومًا وحوض النيل بالذات تحولت من التركيز على الاستقلال السياسي واستقلالية القرار إلي التركيز على التنمية، وبالتالي فتقوية العلاقات مع مانحين ومستثمرين دوليين ودول غنية عمومًا سيقلل احتياج هذه الدول للدعم المصري.

الوضع الإقليمي في الجوار الإثيوبي نفسه تغير؛ لا تهديد حقيقي من دول الجوار، خصوصًا الأطراف القوية عسكريًا.

الصومال “ذو المطالبات التاريخية باسم الصومال الكبرى” تفكك منذ 1991، والسودان انقسم منذ 2011، ولاحقًا وقعت إثيوبيا في يوليو 2013 ( لاحظ التاريخ مرة أخرى) اتفاقًا لتسوية نزاعها مع السودان حول الفشقة في لحظة شهدت بداية انحياز السودان الصريح لإثيوبيا، بالتزامن مع سقوط الإخوان في مصر.

ورغم انتهاء الحرب الأهلية الإثيوبية وحرب التحرير الإريترية بسقوط نظام منجستوهيلا مريام الماركسي 1991 وباستقلال إريتريا 1993، وفقدان إثيوبيا لإريتريا التي كانت ساحلها على البحر الأحمر، ثم صراع إريتريا وإثيوبيا بسبب الحدود بينهما بين عامي 1998 و2000،  انتهى  الصراع باحتلال إثيوبيا للأراضي المتنازع عليها، وتجنب إريتريا الدخول في الحرب مجددًا رغم العلاقات السيئة الناتجة عن رفض إثيوبيا القبول بقرارات لجان ترسيم الحدود المشتركة والمدعومة من الأمم المتحدة، والتي كان قرارها الاعتراف بأن جزءًا من الأراضي التي تحتلها إثيوبيا أراضٍ إريترية.

بالتالي، فرغم الاشتباكات المتقطعة بين البلدين بين 2000 و2018، لا تريد إريتريا الدخول في حرب واسعة مجددًا مع إثيوبيا.

وعلى هذا، لم تشعر إثيوبيا منذ  أكثر من عشر سنوات بتهديد كبير من أحد جيرانها المباشرين يدفعها للخوف من الدعم المصري له.

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد سعى في 2018 لتقليل هذا التهديد أكثر باعترافه بتبعية الأراضي المتنازع عليها لإريتريا وتوقيع اتفاق سلام معها أخيرًا في 2018، وهو أمر جاء توقيته المتزامن مع استمرار العمل في سد النهضة ليوحي بأن الهدف منه هو خلق مصلحة لإريتريا في عدم التفكير في  فتح صدام مع إثيوبيا في هذا التوقيت، خصوصًا مع فوز آبي أحمد بجائزة نوبل للسلام بسبب الاتفاق، وحصوله بالتالي على تقدير ودعم سياسي دولي.

ومن الملاحظ أنه رغم عودة العلاقات الطبيعية بين إريتريا وإثيوبيا، وعودة رحلات الطيران والزيارات الحكومية، وفتح الحدود، فإن إثيوبيا لم تسلم المناطق المتنازع عليها إلى إريتريا حتى الآن، وهو مايعني إما أنها وقعت الاتفاق وهي تنوي إلغاءه لاحقًا، أو أنها تريد الاحتفاظ بالورقة لأطول مدة ممكنة، لإبقاء فكرة تحالف مصري إريتري في الثلاجة لحين الانتهاء من مشكلة سد النهضة.

إثيوبيا | جوهر محمد وآبي أحمد – الصداقة التنافس الخصومة تراجيديا إثيوبية | س/ ج في دقائق

   الوضع في مصر 

الوضع السياسي الداخلي في مصر اضطرب بشدة طيلة ثلاث سنوات بين عامي 2011-2013. كانت في الواقع سنوات حاسمة؛ لأنها شهدت انطلاق انشاء سد النهضة. وبالتالي، فإن فرصة المنع بالردع فاتت. وأصبح على مصر بعد ذلك بناء استراتيجيتها على أساس مختلف.

فمن المفهوم سياسيًا أن أكبر قيمة للتهديد هي في ثلاثة أمور: كونه تهديدًا قابلًا للتنفيذ، وفي الوقت ذاته لا يجري تنفيذه، وإطلاقه في التوقيت المناسب.  فالثلاثة معًا يحققون معنى الردع. التهديد بما لاتستطيع فعله، أوتنفيذ تهديدك بالفعل، كلاهما يحرق ورقة اللعب الخاصة بالتهديد. في الحالة الأولى لا تنال سوى السخرية، وفي الثانية فقد تحقق بعض المكاسب إذا استطعت تنفيذ تهديدك بأقل الخسائر.

أما إطلاق التهديد في وقت متأخر، فإنه غالبًا يفقد قيمته بسبب كمية المصالح المعقدة التني تنشأ في الفترة السابقة لاطلاقه، ولأن أي تهديد صريح لإثيوبيا في خلال تلك السنوات كان سيثير السخرية في ظل اضطراب الداخل المصري وعدم الاستعداد داخليًا للدخول في حرب، فإن فرصة الردع بالتهديد كانت قد انقضت بالفعل.

بعد ٣٠ يونيو ٢٠١٣ تبنت مصر استراتيجية جديدة مستفيدة شيئًا فشيئًا من المستجدات في السياسة الدولية. نعرضها في المقال القادم، الرابع من هذه السلسلة.

خطايا حسني مبارك السبع.. دروس للمستقبل من الماضي القريب | هاني عمارة


رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك