مأزق التعليم المسيحي (1) | لماذا لا نعرف كيف دخلت المسيحية مصر؟ | مينا منير 

مأزق التعليم المسيحي (1) | لماذا لا نعرف كيف دخلت المسيحية مصر؟ | مينا منير 

11 Jan 2021
مينا منير دقائق

مينا منير

باحث بجامعة لوزان - سويسرا

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

كيف دخلت المسيحية مصر؟ سؤال بهذه البساطة سأله الكاتب إبراهيم عيسى حين أراد أن يفهم جزءًا من تاريخ وطنه قبل دخول عمرو عبد العاص، فاستضاف مدرسًا شابًا في إحدى الإكليريكيات المصرية.

وهنا ظهر أحد أوجه المأساة: مجرد “حواديت” من رجال دين مسيحيين أو مدنيين عن المرويات التراثية بلا أساس تاريخي وغير منضبطة تأريخيًا.

رواية عن مرقس حينما عالج يد إسكافي بمعجزةٍ، فآمن الإسكافي وفرح المشاهدون وعم الإيمان في الأرجاء، إلى آخره من مرويات شعبية تناقلها المسيحيون بعدها بقرون، مصحوبة بارتجال واضح في الأرقام التاريخية والتفاصيل لإيفاء تساؤلات عيسى.

حينما سأل أحدُ أصدقائي الضيف عن مدى أمانة الإجابة، مذكرًا إياه أن عيسى استضافه تحديدًا بصفته “أستاذًا” أي أنه يبحث عن المعلومة التاريخية، قال الشاب إنه بغض النظر عن “تأسيس” تلك الروايات، ففي النهاية ما ترسخ هو أن مرقس أساس المسيحية، وهي تقريبًا نفس المقاربة التي ستجدها في التراث الإسلامي والمعروفة بالتواتر.

لكن هل هكذا يُقرأ التاريخ؟ هذا التعليق يلخص أبعاد الأزمة الفكرية التي يعاني منها المجتمع المسيحي، كجزء لا يتجزأ من أزمة أكبر في مصر، أخطأ بعض الناس في الإعتقاد بأنها حكر على الإسلاميين.

إذاً بعيداً عن حواديت “مارمرقس والإسكافي”، ما الذي يعرفه المؤرخون اليوم عن أصل المسيحية في مصر؟ أليس من حق إبراهيم عيسى والمسلمين أن يعرفوا جزءًا أصيلًا من تاريخ وطنهم؟

وهنا نحتاج للعودة لأصل المشكلة..

   لفكر البائس في مصر 

حينما أشاهد منصات تواجه العنف والتطرف بجرأة من خلال طرح أسئلة نقدية حول التراث الديني الإسلامي “كما الحال هنا في دقائق” لا أملك إلا أن أحيي القائمين على مثل تلك الدراسات؛ ليس فقط لجودتها. بل للشعور الصادق بأن الواقع لن يتغير فقط باستبدال معلومة بأخرى، بل استبدال طريقة تفكير بأخرى.

وهنا، يستحضرني سؤال آخر: هل من صوتٍ شجاع قادر على مناقشة التراث المسيحي؟ هل يمكن استغلال خضوع التراث المسيحي بالفعل للفحص والتمحيص بشدة لا يوازيها أي دين آخر عبر جامعات الغرب؟ بمعنى آخر، هل يمكن أن نسلك في الشرق اليوم الطريق الذي سلكه الغربيون بحرية على مدى أكثر من مئتي عام؟

قد لا يعرف القارئ غير المسيحي بطبيعة وضع الفكر المسيحي في مصر. لكنه بائس لدرجة كبيرة. المسيحيون في مصر يعيشون ما يُسمى بـ “عصور ما قبل التنوير”، حيثُ تقبل الروايات والقصص غير الموثقة دون تدقيق علمي قادر على تحديد مدى تاريخيتها.

لبنان – الذي لا يتجاوز تعداد سكانه الأربعة ملايين نسمة (أي تقريبًا ثُلث تعداد الأقباط) – يضم عدة كليات لاهوتية درجاتها العلمية معتمدة دوليًا، ويشارك باحثوها في المؤتمرات العلمية، وينشرون في الدوريات الأكاديمية الكبرى بفضل الإنفتاح والحرية التي يمتاز بها المجتمع المسيحي اللبناني عن نظيره المصري.

أما في مصر، فقد ظل الأقباط على اختلاف طوائفهم بعيدين تمامًا عما يحدث حولهم. رغم ضخامة تعداد المسيحيين المصريين مقارنة بلبنان، ورغم الإمكانيات المادية الأكبر، ووفرة الاستقرار السياسي والبنية التحتية،

لن تجد في مصر معهدًا أو كلية مسيحية معتمدة عالميًا؛ لأن القائمين على تلك الأكاديميات يعرفون أن الاعتماد سيجبرهم على اتخاذ مسلك البحث العلمي النقدي.

أي أن المسيحيين في مصر، وباختصار، خارج التاريخ. لكني أرى أن أصل القضية يعود إلى طبيعة رؤية الدولة التي لا تقوم بتدريس المسيحية في جامعاتها، تاركةً القضية برمتها لكيانات غير أكاديمية، كالكنائس. وهنا أصل المشكلة.

الوجودية المسيحية بين بولس ونجيب محفوظ: قراءة في رواية “الطريق” | مينا منير

الآن نعود لإجابة السؤال..

   كيف دخلت المسيحية مصر؟ 

لا نعرف تحديدًا سيناريو يشرح كيف دخلت المسيحية مصر؟ تحديدًا من الإسكندرية. والسبب أنها كحال المدن الأخرى الكبرى، لم يكن انتشار المسيحية فيها عن طريق فرد، وإنما عبر المجتمعات اليهودية واليونانية التي كانت كثيرة التواصل بالمدن من حولها.

فالإسكندرية كان بها أكبر تجمع يهودي في العالم خارج أورشليم، وإليها كان يهرب اليهود من فلسطين أثناء الاضطرابات السياسية، ومنها خرجت أكثر نسخ اليهودية تقدمًا ورحابة وتحررًا بسبب امتزاجها العميق بالثقافة اليونانية من خلال مفكرين مثل فايلو (الذي تحدثنا عنه سابقًا هنا).

أقدم شخصية مسيحية مصرية نعرفها هي أبولوس. رجل على درجة عالية من الثقافة والعلم، توثق عدة مصادر من القرن الأول وجوده ومركزيته، وقد تلقى مسيحيته في مدينة الإسكندرية بحسب بعض المخطوطات المهمة.

ويخبرنا سفر الأعمال، رسالة تيطس، كورنثوس الأولى ورسالة كليمندس الأولى أنه تلقى مسيحيةً من دائرةٍ تنتمي مسبقًا لمجموعة فلسطينية (كانت تؤمن بمعمودية يوحنا المعمدان) ثم صار أبولوس ممثلًا للمسيحية المصرية الإسكندرية كما تنعكس أفكاره التي تلتقي بفكر فايلو، وتصطدم بمسيحية بولس في مدينة كورنثوس.

ثم نعرف أيضًا أن وسط التعددية هذه كانت هناك على الأرجح جماعتان يهودية منها ومصرية متزامنتان، حتى أن أقدم الأناجيل التي نعرف بتداولها في الإسكندرية على وجه الثقة هي “البشارة بحسب العبرانيين” وإنجيل آخر اسمه “البشارة بحسب المصريين”.

وهي أناجيل كان كُتاب بارزون مصريون لاحقًا يستخدمونها في الإسكندرية (مثل كليمندس الإسكندري) دون تقليل من شأنها كونها “غير قانونية.”

وفي وسط هذه النصوص المستخدمة كانت رسالة برنابا التي على الأرجح كُتبت بين العامين 95 و135 ميلاديًا في الإسكندرية، وترينا كيف كانت اليهودية الهلينية هي المنبع الأصيل لتلك النسخة الأخرى من المسيحية التي مثلها صاحب الرسالة.

ثم لدينا أيضًا المسيحية الغنوسية التي ترعرعت في مطلع القرن الثاني في مصر وكان أبوها الروحي باسيليدس، وكلها ألوان ثقافية أثّرت وأثرَت العالم من حولها. لكن مشكلتها أنها كانت “غير أرثوذكسية” بالمفهوم الضيق الذي سيأتي لاحقًا.

مارسيون السينوبي.. رجل الأعمال المنبوذ كنسيًا مخترع العهد الجديد | مينا منير

   إحراق كنوز التأريخ! 

هذا ما نعرفه تاريخًا. هذه الغابة المتشعبة والنسخ المتعددة التي تم التخلص منها كلها تباعًا والإبقاء على النسخة الوحيدة التي ظهرت مع ظهور قصة مرقس، هي ما لدينا من معلومات عن حركة طبيعية للمجتمع المسيحي الحر في قلب الإسكندرية، والقادر على التعاطي مع معطيات ثقافية مختلفة أخافت لاحقًا من يبحثون عن تأسيس وتأصيل تاريخي للمسيحية “الواحدة الوحيدة الجامعة الرسولية” التي لدينا اليوم.

ترك المسيحيون في مصر كنوزًا مكتوبة وهامة من نصوص إما بحرقها أو التخلص منها تباعًا. وبقيت لنا نسخة ستدخل في صراعاتٍ متعددة لإثبات مكانتها السياسية في الإمبراطورية، ومعها يتضخم دور مرقس الرسول مع تقزيم كل ماهو غير ذلك حتى باتت لدينا النوادر والمرويات المتواترة عنه هي “الرواية الراسخة.”

أليس من حق إبراهيم عيسى والمشاهد أن يعرف غنى وتلون وديناميكية الثقافات والمجتمعات المسيحية واليهودية واليونانية التي عاشت في تناغم وأبدعت في كتاباتها ونصوصها، وعدم اختزالها في نوادر الإسكافي والأسد والجمل وتلك القصص الشعبية؟

لقد حان الوقت أن تتولى الدولة زمام تعليم تاريخ الأديان كفرع من فروع العلوم الإنسانية داخل الجامعات، وتحريرها من قبضة من لا يستطيعون أو لا يريدون للإبداع والتفكير الحر والتواصل المباشر مع الماضي، دون وسطاء، أن يحدث.


   مراجع 

  1. von Harnack, Die Mission und Ausbreitung des Christentums (4th ed.; Leipzig: Hinrichs, 1924) vol.II, P.706
  2. Bauer, Rechtgläubigkeit und Ketzerei im ältesten Christentum (Tübingen: Mohr, 1964) ET: idem and Georg Strecker. Orthodoxy and heresy in earliest Christianity (Philadelphia: Fortress Press, 1971)
  3. Dibelius, Studies in the Acts of the Apostles (London: Charles Scribner’s, 1956). Käsemann op. cit, C.K. Barrett, Acts: Volume 2: 15-28. Vol. 2. (London: A&C Black, 2004), pp.883-8
  4. Käsemann,  ‘The Disciples of John the Baptist in Ephesus’ in idem. Essays on New Testament Themes (London: SCM Press, 1964), pp.136-148
  5. Smallwood, The Jews under Roman Rule (Leiden: Brill, 1976), p.220

For the Gospel of the Egyptians see Clement’s Strom. III.9: 63, 13:93. For the Gospel of the Hebrews see Strom. II.9. A. Harnack, op.cit., Bauer op.cit.4

  1. C. Paget, The Epistle of Barnabas (Cambridge: Cambridge University Press, 1994)

Delaunay, F., 1874. Moines et Sibylles dans l’antiquite Judeo-Grecque. Paris: Libraire Academique p.1f

  1. Pearson, The pneumatikos-psychikos terminology in 1 Corinthians: a study in the theology of the Corinthian opponents of Paul and its relation to gnosticism (Scholars Press, 1976)
  2. Schmithals, Gnosticism in Corinth: An investigation of the letters to the Corinthians (Abingdon Press, 1971)

Pearson, B. and Goehring, J. E. (eds.), The Roots of Egyptian Christianity, Philadelphia: Fortress Press. p.32

  1. Monier, Temple and Empire: The Context of the Temple Piety of Luke-Acts. Lenham: Fortress Press Academic,  2020.
  2. Monier, “Apollos and the Church of Corinth,” Fédération Biblique Catholique 53 (2019): 539-556.

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك