محمد رشيد رضا | وجهه الآخر.. رد أحاديث من البخاري ومسلم وندد بمذابح الأرمن | هاني عمارة

محمد رشيد رضا | وجهه الآخر.. رد أحاديث من البخاري ومسلم وندد بمذابح الأرمن | هاني عمارة

30 Dec 2020
هاني عمارة دقائق.نت

هاني عمارة

باحث في جماعات الإسلام السياسي والتراث الإسلامي

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

محمد رشيد رضا من الشخصيات المهمة ذات التأثير البالغ في في الحياة الثقافية في مصر في النصف الأول من القرن العشرين لعدة أسباب:

1 – يعتبر حامل تراث الإمام محمد عبده وأهم تلاميذه. كتابه “تاريخ الأستاذ الإمام” من أهم المصادر عن حياة الشيخ وآرائه.

2 – أسس مجلة المنار ذات التأثير البالغ في العالم الإسلامي. يتضح هذا من حجم الانتشار والتفاعل من شتى البلدان الإسلامية، وحجم الكتاب الذين شاركوا في تحريرها حتى أن محمد رشيد رضا كان يعرف بـ “صاحب المنار”.
3 – لعب دورًا بارزًا في المشهد الثقافي والاجتماعي. ويعتقد أن جذور الإسلام السياسي بدأت من عند جمال الدين الأفغاني، ومنه إلى محمد عبده، ومنه إلى محمد رشيد رضا.. ومنه إلى مؤسس تنظيم الإخوان حسن البنا، الذي تولى رئاسة تحرير مجلة المنار بعد وفاة الشيخ لستة أعداد فقط قبل أن تتوقف نهائيًا.

   اختلافات بين محمد رشيد رضا وحسن البنا 

من يتابع الأعداد القليلة الاخيرة التي صدرت من مجلة المنار تحت إشراف حسن البنا سيلاحظ انحدارًا في المستوى وميلًا نحو التشدد وغلبة الموضوعات الدينية على الاجتماعية.

يوسف القرضاوي نفسه أقر بأن حسن البنا كان أكثر تشددًا من شيخه محمد رشيد رضا في كتابه “الإخوان المسلمون.. سبعون عامًا من التربية والجهاد.

كما أن خط محمد رشيد رضا كان يختلف عن خط البنا؛ إذ كان يميل لفكرة التعليم ونشر الثقافة، ولم يكن لديه ميل للمشاركة في الحركات السرية.

بالجملة، يصنف محمد رشيد رضا عمومًا ضمن التيار المحافظ في معركة الأصالة والتغريب في مطلع القرن العشرين.

نظرة أعمق | معالم في طريق أسرار الإخوان.. متى ولماذا وأين يصبح الإخواني أليفًا؟

   المحافظ الإصلاحي! 

مواقف محمد رشيد رضا محافظة في العموم. أيد فكرة الجامعة الإسلامية على حساب الدولة الوطنية، وعارض كتاب “الإسلام وأصول الحكم” للشيخ علي عبد الرازق، ودعم إعلان الملك فؤاد خليفة للمسلمين بعد إعلان مصطفى كمال أتاتورك سقوط الدولة العثمانية.

غير أنه ليس من الدقة تعميم الحكم عليه بنفس الصورة النمطية المترسخة عن تيار الإسلام السياسي منذ حسن البنا.. حيث كان له خط مختلف أقرب إلى شيخه محمد عبده جمع فيه بين السلفية والعقلانية.

في السطور التالية، نسلط الضوء على خمسة مواقف للشيخ محمد رشيد رضا يخالف فيها الخط العام لتيار الإسلام السياسي:

1 – عادى السلطان عبد الحميد الثاني ورحب بسقوطه

يحتفي الإسلاميون كثيرًا بالسلطان عبد الحميد الثاني، وينسجون حوله الأساطير. لكن موقف رضا وقتها كان مختلفًا.

فبرغم أنه في بداية إنشاء مجلة المنار وفي حياة الإمام محمد عبده كان رشيد رضا – تبعًا لموقف الإمام – مؤيدًا للسلطان عبد الحميد. لكنه انقلب عليه بعد وفاة عبده، وتحديدًا في عام 1908، وشن حملة في المجلة ضده، بدأها بمقالاته النارية بعنوان “إحدى الكبر وكبرى العبر“.

ولم يكتف بالكتابات، بل انضم إلى “جمعية الشورى العثمانية” التي تأسست لمناهضة السلطان العثماني.

ويوم عزل السلطان عبد الحميد، وصف الإطاحة به من السلطة ب، “الانقلاب الميمون”.

موقف محمد رشيد رضا يبدو غريبًا نسبيًا عن موقف النخب في مصر، والخديوي عباس حلمي الثاني، والأزهر، إذ كان أغلبهم يميل للسلطان العثماني نكاية في الإنجليز، بل واستعدى عليه رجال الدين في العالم الإسلامي، وتحديدًا في الهند، الذين كان يرتبط بهم قبلها ارتباطًا وثيقًا؛ إذ اعتبروا موقفه أقرب للتيار الوطني منه إلى الإسلاميين.

وفي ظني، فسبب موقفه يعود لأصوله الشامية، ودرايته بالمظالم العثمانية هناك،

فبينما كان ينعم المصريون بهامش من الحريات مصحوبًا بالتطوير والتحديث مع الحراك الثقافي والفكري خلال فترة الاحتلال الإنجليزي الذي رآه وعاينه بنفسه، كانت الشام لا تزال راضخة تحت الحكم العثماني بطبيعته المنغلقة والتسلطية القمعية.

2 – دافع عن الأرمن ضد “الهمجية العثمانية”

للشيخ محمد رشيد رضا كذلك موقف مميز من قضية الأرمن؛ فبرغم أنه كان معارضًا لثورات الأرمن ضد العثمانيين، وكثيرًا ما كان يتهم روسيا والدول الأوروبية بتأجيج مشكلة الأرمن،  إلا أنه تضامن مع الأرمن الفارين إلى مصر: خطب في كنيستهم، واستكتبهم في مجلته، وأدان جرائم الإبادة العثمانية بحقهم.

منها ما ذكره عن مجزرة أضنة “وقد ولدت الثورة بالعاصمة فتنة في ولاية أضنه، فهب الترك لذبح الأرمن، وهو عمل يتبرأ الإسلام منه ومن فاعليه. ولكنه لا يسلم معه من طعن الأمم فيه، فبهمجية هؤلاء الأقوام صار المسلمون حجة على الإسلام”.

غير أنه من الأمانة أن نذكر أن قضية الأرمن كانت تخدم الثورة العربية في الشام والحجاز ضد العثمانيين، وهو ما سنوضحه في الفقرة التالية.

3 – دعم الثورة العربية ضد العثمانيين

يضيق الإسلاميون بفكرة العروبة لصالح الخلافة الإسلامية، ويعتبرون ثورة الشريف حسين ضد الأتراك خيانة وعمالة. أما محمد رشيد رضا فيعتبر من أوائل المنظرين الذين تولوا قضية العرب والترك، وكان يرى أنه لا بد للعرب من رابطة تجمعهم، وأنهم أحق بالخلافة من الأتراك.

وفي سبيل ذلك، دعم الثور العربية في الحجاز بقيادة الشريف حسين ضد الأتراك، حيث كتب مؤيدًا له، ودعم تحالفه مع الإنجليز رغم عدائه المعلن لهم في كتاباته باعتبارهم محتلين، كما كان من مؤسسي “جمعية الجامعة العربية” بعد سقوط طرابلس في يد الطليان، والتي تعتبر من بواكير فكرة فكرة القومية العربية.

4 – أمر بتهنئة غير المسلمين بأعيادهم

كانت لرشيد رضا فتوى سباقة في مجالها، لم أجد من سبقه اليها من رجال الدين، وهي جواز تهنئة غير المسلمين وزيارتهم في أعيادهم.

كان ذلك بناءًا على طلب فتوى ورد له من مسلمي الجبل الأسود بالبلقان عام 1904. وكان نص السؤال: “معلوم عند جنابكم أننا تحت تصرف حكومة نصرانية، وأن النصارى يزوروننا يوم عيدنا للتهنئة بالعيد، ويطلبون منا مثل هذه الزيارة في أعيادهم، فهل نحن معذورون إذا زرناهم أم لا؟”

رد محمد رشيد رضا بإجابة طويلة دلل فيها على الجواز.

جاء في ختامها: “فلك أيها السائل ولغيرك من المسلمين أن تزوروا النصارى في أعيادهم، وتعاملوهم بمكارم الأخلاق أحسن مما يعاملونكم، ولا تعدوا هذا من باب الضرورة؛ فإنه مطلوب لذاته، مع حسن النية واتقاء مشاركتهم في المحرمات، كشرب الخمر مثلًا. والله أعلم وأحكم”.

كما كان للشيخ كما أسلفنا مواقف بحضوره بعض الفعاليات السياسية والاجتماعية التي تقام في الكنائس كما حدث معه في قضية الأرمن.

فتوى محمد رشيد رضا جواز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم

فتوى محمد رشيد رضا بجواز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم

5 – مواقف عقلانية في التعاطي مع التراث الديني

وبالرغم من أن الشيخ محمد رشيد رضا في العموم يصنف ضمن المدرسة السلفية، إلا أن سلفيته كانت عقلانية وليست نصوصية كسلفية محب الدين الخطيب وحامد الفقي، مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية.

يتضح هذا في آرائه العقدية والفقهية، إذ لم يكن يميل إلى التوسع في الاعتقاد في المعجزات، فأنكر انشقاق القمر، والمعراج الحسي، وشق صدر النبي،

كما كان لا يميل إلى الاعتقاد الحرفي بكرامات الأولياء، ومس الجن، وأنكر بعض علامات الساعة كظهور المهدي ونزول المسيح وغيرها.

وفي السنة والأحاديث، برغم إقراره بها، إلا أنه عارض بعضًا مما ورد في كتب الصحيحين مما يراه مخالفًا للعقل، حيث أنكر أحاديث بينها سحر النبي، والجساسة، والذباب.

كما كانت مواقفه تجاه المرأة أقل تشددًا مقارنة برجال الدين وقتها.

فلم يمانع من تعليمها وعملها، ولم يتشدد للحجاب الكامل “النقاب” وقال بكشف وجه المرأة، وأبدى عدم ميله لتعدد الزوجات، لكنه لم يطالب بتجريمه كما فعل محمد عبده، كما عارض فكرة ضرب الناشز، وقال إنها ليست من شيم الرجال، متأولًا عبارة “واضربوهن”.


لمطالعة الوجه الآخر لمحمد رشيد رضا.. سيهمك قراءة هذا المقال:

سلة القيم القطرية | (1) أستاذية رشيد رضا: الدين جنسية.. والولاء للعثماني قمة الوطنية | مينا منير

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك