ملف السويس .. وثائق سرية تطالعها لأول مرة عن العدوان الثلاثي | (1/3) | مينا منير

ملف السويس .. وثائق سرية تطالعها لأول مرة عن العدوان الثلاثي | (1/3) | مينا منير

9 Jan 2020
مينا منير دقائق

مينا منير

باحث بجامعة لوزان - سويسرا

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في 9 يناير 1957، وبينما يُتلى قرار استقالته وسط مجلس العموم البريطاني الهائج، وصلت سيارته قصر باكنجهام لملاقاة الملكة وإعلامها بالاستقالة المتوقعة.

كانت الطرق مزدحمة بمظاهرات تطالب برأسه بعد الإهانة التي حاقت بالجيش المنسحب، والأزمة الاقتصادية العنيفة التي تركت البلاد مشلولة بعد أن استنفذت مخزونها الإستراتيجي من المحروقات، بينما هبطت قيمة الجنيه الإسترليني لمستويات الحرب العالمية الثانية.[1]

وبدلًا من مواجهة نتائج قراراته التي جرفت مكانة بلاده، قرر رئيس الوزراء أنتوني إيدن الهرب إلى جامايكا بعدما هُزمت بريطانيا في معركة السويس في أكتوبر – نوفمبر 1956، واختفى هناك بادعاء المرض (الأمر الذي سنكتشف أنه أكذوبة أخرى من سلسلة أكاذيب حاول بها تخليص نفسه)، وبعودته، كانت الاستقالة خيارًا وحيدًا إن أراد تجنيب البلاد مزيدًا من الإهانة.

أزمة السويس تركت أثرًا بالغًا أعاد تشكيل الخريطة الدولية. لكن وقعها كان شديد الوطأة على نفسية ساسة بريطانيا في كل العصور التي تلتها، حتى وصفتها مرجريت تاتشر بـ “Suez Syndrome” أو “عقدة السويس”. [2]

في تقديري، فالمعالجة التي تحصر قضية العدوان الثلاثي في مسألة تأميم قناة السويس تثبت خطأها تباعًا. فمع الإفراج المتوالي عن وثائق الدول التي تدور في فلك هذه القضية، يظهر أن القضية كانت أكبر، أما أخطر جوانبها ففكرة خروج مصر عن سيطرة بريطانيا الأمنية والاستخباراتية، الأمر الذي أدى إلى الهزيمة السياسية وسقوط رئيس الوزراء في لندن. في هذا المقال سنعرض هذا الجانب من ملف السويس.

   سر الوثيقة 

لم تكن استقالة إيدن إلا البداية لمحاولة فهم تلك الحرب الخاطفة وغير مفهومة الدوافع والأهداف. رسميًا، كانت الحجة الأساسية التي ساقها لحشد موافقة مجلس العموم للتحرك العسكري هي منع الحرب القائمة بين مصر وإسرائيل من تعطيل الملاحة في قناة السويس. وبالتالي، فلم تكن بريطانيا، بحسب إيدن، إلا وسيطًا (يهدئ النفوس) بين إسرائيل الباغية على سيناء وعبد الناصر الذي يهدد بغلق القناة.

لا يحتاج المرء كثيرًا من الذكاء ليدرك سريعًا سذاجة الحجة؛ بريطانيا طرف أصيل في المعركة، وحربها مع عبد الناصر وحده، الأمر الذي عبر عنه إيدن نفسه في خطابه الشهير بعد تأميم القناة.

كان دفاع إيدن عن صدقه مرتكزًا على أمرٍ أساسي: كيف دبر اعتداءً على مصر وقد تحركت قواته فقط بعد هجوم إسرائيل؟ بمعنى آخر: إن لم تكن حركة القوات البريطانية مجرد رد فعل للاشتباك الإسرائيلي المصري في أكتوبر 56، فعلى الشاكين أن يثبتوا أنها كانت في الأصل مؤامرة دبرتها إسرائيل وفرنسا وبريطانيا معًا. ولأنه لم يكن هناك ما يثبت ذلك التنسيق المزعوم، فقد تجمدت القضية رغم يقين الجميع بكذبه وإن لم يتوفر الدليل المادي.

الشكوك تأكدت بعد الأحداث بمدة طويلة، بتسريب النسخة الإسرائيلية من وثيقة اتفاق الدول الثلاث على تفاصيل الخطة. ففي حي سيفر بباريس، التقى وزيرا خارجية بريطانيا وفرنسا مع بن جوريون، ووقعوا على بروتوكول سيفر في 24 أكتوبر، والذي نص على:

1- تخترق إسرائيل سيناء فجر 29 أكتوبر حتى تصل إلى قناة السويس.

2- تشجب بريطانيا وفرنسا “العدوان الإسرائيلي” الذي يهدد الملاحة، فيطلبان من إسرائيل ومصر أن ينسحب كلاهما من قناة السويس بمسافة 10 أميال، مع تسليم مصر نقاط الارتكاز والمراقبة للقوات البريطانية.

3- بالطبع مصر سترفض، وفي هذه الحالة تكون هي المسؤولة عن الاحتقان، بينما تتراجع إسرائيل إلى خليج العقبة وتسيطر عليه. هنا تتدخل فرنسا وبريطانيا عسكريًا للسيطرة على قناة السويس.

النسخة الإسرائيلية من الاتفاق

النسخة الإسرائيلية من الاتفاق، تم تسريبها من أرشيف بن جوريون السري في النقب

توقيع وزير الخارجية البريطاني باتريك دين، رئيس الحكومة الإسرائيلية بن جوريون ووزير خارجية فرنسا بينو

   إقرار ومراوغة 

بعد سنوات من الإنكار، أقر المتورطون بصحة الوثيقة، لكن التضليل استمر في معلومة أخرى، وهي أن الفرنسيين بادروا بخيوط الخطة يوم 22 أكتوبر فقط، أي في نفس اللقاء الذي أخرج الوثيقة، وأنه لم تكن لبريطانيا نوايا عسكرية قبل ذلك.

في تقديري هذا أيضًا تضليل؛ في الأرشيف القومي في لندن اطلعت على رسالة من إيدن إلى وزير الإسكان [3] يرد فيها على شكوى الأخير حول غموض التحركات التي تحدث بغير علم الحكومة. نسخة الرسالة المتاحة كانت مسودة إيدن، والتي يظهر فيها العبارات التي حذفها لاحقًا من النسخة النهائية، وهي مهمة.

المسودة تظهر المعلومات التالية:

1- أن كل الخطط الموضوعة فشلت، وبالتالي حان وقت فرض الحل العسكري بالقوة. يظهر في الرسالة أنه قام بحذف تلك الجملة، حيث كتب إلى جانبها (Forwarded).

2- أنه لن يستطيع إخبار أحد بالخطة نظرًا للتنسيق السري مع الفرنسيين. وقام بحذف الجملة نهائياً (كتب إلى جانبها بخطه omit?).

3- تاريخ المسودة هو أغسطس 1956، أي قبل لقاء سيفر بشهرين.

التضليل الذي تكشفه رسالة إيدن لوزير الإسكان يطال الملكة، التي كان لا بد لها أن تصادق على قرار الحرب. لذلك، يظهر لنا أن إيدن ورط الملكة من خلال المصادقة فقط في ضوء محادثات باريس المذكورة، أي أنها كانت آخر من يعلم، كما يتضح من رسالة بوسم سري جدًا أرسلها إيدن لنظيره الفرنسي يبلغه بمصادقة الملكة.

هنا يلاحظ باحث إسرائيلي أمرًا طريفًا؛ أن وثيقة سيفر والمراسلات المتعلقة بها، بما في ذلك رسالة إيدن عن مصادقة الملكة، كلها تشترك في خاصية واحدة وهي أن التواريخ جميعها مكتوبة بخط اليد، وليست مطبوعة، أي أنها أضيفت لاحقًا.[4] السبب في ذلك لا يصعب استنتاجه، وهو التلاعب في التواريخ والتنسيق

بعيدًا عن حقيقة أن التنسيق البريطاني الفرنسي كان عسكريًا، وأنه سبق لقاء سيفر، ما هي الخطط التي فشلت؟ وما دلالة التاريخ أغسطس 1956؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في المقال التالي من الملف.


# يعبر المؤلف عن امتنانه للعاملين في الأرشيف القومي البريطاني National Archives، والمكتبة البريطانية British Library على ما قدموه من تسهيلات.


* سلسلة من 3 مقالات – الأولى عن تاريخ سقوط إيدن. الثانية عن المعركة المخابراتية التي أسقطته كما يظهر من تاريخ مسودة رسالته. الثالثة هي التبعات السياسية لأزمة السويس التي خلقت الحاجة لإنشاء الاتحاد الأوروبي، والتبعات الأخلاقية في الذاكرة السياسية.
* الملف سيعتمد على وثائق من الأرشيف القومي البريطاني وما تم رفع وسم السرية عنه في المخابرات الأمريكية.


[1] https://www.imf.org/external/pubs/ft/fandd/2001/09/boughton.htm

[2] M. Thatcher, The Downing Street Years (OUP, 2012).

[3] الأرشيف القومي البريطاني، ترميز PREM رقم 11/1152

[4] Troen, S. Ilan. “The Protocol of Sèvres: British/French/Israeli Collusion Against Egypt, 1956.” Israel Studies 1.2 (1996): 122-139.


تنشر لأول مرة| سقوط الملك فاروق.. وثائق المراسلات السرية للمخابرات الأمريكية | مينا منير

تقرير سري| كيف اعترف جمال عبد الناصر بفشل الاشتراكية في خطاب التنحي!! | مينا منير

النور الساطع | لأول مرة بالوثائق: أخطر أسلحة إسرائيل في حرب أكتوبر.. هل كان حقيقيًا؟ | مينا منير


رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك