لماذا يتخلص محمد بن سلمان من ميراث الصحوة الآن؟ وهل تأخرت مصر؟ | عبد السميع جميل

لماذا يتخلص محمد بن سلمان من ميراث الصحوة الآن؟ وهل تأخرت مصر؟ | عبد السميع جميل

2 May 2021
السعودية
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في حوار سابق مع واشنطن بوست، قال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إن دعم بلاده لتيار الصحوة المتشدد كان بطلب من الحلفاء خلال الحرب الباردة؛ بهدف منع الاتحاد السوفييتي من التغلغل وكسب النفوذ داخل العالم الإسلامي.

محمد بن سلمان صرح أيضًا أن عاملًا آخر تسبب في تبني السعودية لهذا التيار كنوع من رد الفعل على أحداث 1979؛ حيث ثورة الخميني في إيران، وما تبعها من تشجيع للتيارات الدينية المتشددة على تكرار التجربة، وهو ما فعله جهيمان العتيبي فعلًا عندما احتل الحرم المكي في العام نفسه، ما دفع السعودية لاحتواء موجة التطرف تللك بتعزيز الروابط التي تجمعها بمشروع الصحوة.

مؤخرًا، أضاف محمد بن سلمان عاملًا ثالثًا ساهم في تعزيز تيار الصحوة داخل المملكة، فمنذ الخمسينات والمشروع الناصري يعادي السعودية ويرغب في التمدد داخل المملكة والدول المجاورة، الأمر الذي دفعها لإعطاء فرصة لكثير من الجماعات الدينية المتطرفة – المعادية للمشروع الناصري – للتدخل نكاية في الناصرية.

الأخطاء نفسها وقع فيها الرئيس المصري محمد أنور السادات. لكن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان كان لديه من الشجاعة ما دفعه إلى الاعتراف بأن الحكومات السعودية المتعاقبة “ضلّت الطريق”، وأنها وصلت اليوم إلى نقطة يتوجب فيها التوقف وإعادة الأمور إلى نصابها.. إلى عصر ما قبل الصحوة.

محمد بن سلمان لم يكتفِ كذلك بتقديم الاعتذارات، بل سعى إلى تصحيح المسار عمليًا وتدريجيًا بشكل واضح وقاطع.

    ابتزاز المملكة 

أصحاب الأجندات المعادية للسعودية كما لم يتغيروا تقريبًا عن التحدي القديم. متضررون بالتأكيد من تغيير المسار. منهم من يشكك في رغبة محمد بن سلمان في إجراء إصلاح ديني حقيقي. منهم من يصور الإصلاحات الدينية كـ “إملاء من الغرب”، ومنهم من يشيطن الإصلاحات فيصور السعودية في صورة معادية للإسلام ذاته!

ليس من مصلحة أصحاب تلك التوجهات أن تظهر الأهداف الحقيقية والصورة الطبيعية لتلك الإصلاحات؛ ليس من مصلحتهم بالتأكيد أن تقدم السعودية صورة حقيقية للإسلام المعتدل، وليس من مصلحتهم في ظل انحسار البترول أن تجري المملكة إصلاحًا اقتصاديًا جذريًا انطلاقًا من تلك الإصلاحات الدينية.

لكن مرحلة ابتزاز المملكة بتصدير الثورة الإيرانية انتهت، وكذلك مرحلة ابتزازها بالناصرية والشيوعية.

من ثمَّ، لا يبدو أن أجندات تيار الصحوة ستعرقل السعودية عن الإصلاح الحقيقي؛ فمرحلة ابتزاز المملكة كانت صفحة يبدو أن محمد بن سلمان قرر إغلاقها تمامًا.

صعود وانهيار الإخوان في السعودية .. رحلتهم قبل تعهد بن سلمان بنهاية حقبة ٧٩ | س/ج في دقائق

   لماذا الآن؟ 

توجه السعودية نحو إصلاح اقتصادي حقيقي كان كلمة السر في تلك الإصلاحات الدينية والاجتماعية المناهضة للتشدد والتطرف.

فمن المؤسف أن النخب السياسية والثقافية في مجتمعاتنا العربية، فضلًا عن عامة الناس، تكاد تغفل تمامًا أهمية الإصلاح الديني وأثره على الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

الأمر في علم الاقتصاد أشبه بمعادلة رياضية تقول إن المجتمعات التي لا تملك قيما اجتماعية منفتحة وبيئة ومناخا مشجعين وجاذبين للاستثمار هي الأقل حظًا في النجاح الاقتصادي.

صحيح أن هذه المعادلة لم تكن فاعلة في المجتمع السعودي الذي يقوم أكثر من 70% من اقتصاده على النفط فقط، حيث لا حاجة لبيئة جاذبة أو طاردة للاقتصاد الطبيعي. لكن السعودية الآن تفكر في التحول الاقتصادي إلى مرحلة ما بعد النفط، من أجل تعزيز الإنتاجية وزيادة الاستثمار وتوفير فرص العمل وتحقيق الرفاهية للمواطنين، ومن ثمَّ كان لابد من هذا الإصلاح الديني أولًا!

محمد بن سلمان أدرك أن نجاح المجتمعات سياسيًا واقتصاديًا ليس بمعزل عن منظومة القيم الاجتماعية والدينية الحاكمة. ولذلك صرح بالفعل أن أي محاولات للاستثمار والإصلاح الاقتصادية ستفشل حتمًا إذا لم يسبقها إصلاح اجتماعي واسع.

هذا نص كلامه بالفعل، ليس مجرد تحليل أو تبرير أو تخمين، فهو يقول بوضوح:

لن يأتي السياح والمستثمرون والعقول والقدرات البشرية إذا اخترعنا قوانين غير المتعارف عليها عندهم.

لا سياحة ولا جذب رؤوس أموال ولا تقدم بوجود فكر متطرف. إذا تريد ملايين الوظائف والبطالة تنزل والاقتصاد ينمو ودخلك يتحسن يجب أن تستأصل هذا المشروع لمصلحة دنيوية.

من ثمَّ حديث الرجل عن الإصلاح الديني ليس مجرد شعارات أو إملاءات أجنبية أو رغبة في محاربة الدين كما يروّج المتطرفون وأصحاب الأجندات المعادية، بل قناعة راسخة ونابعة من داخل السعودية ذاتها.

    الإصلاح الديني هو الحل الآمن 

قطاعات واسعة من المواطنين والنخب داخل السعودية رحبت بتلك الإصلاحات، بل كانت تنتظرها بشغف، ومحمد بن سلمان ليس من السذاجة أن يقوم بتلك الإصلاحات لإرضاء الخارج كما يزعم البعض، فيورط نفسه في خسارة الداخل السعودي، بل هو من الذكاء بحيث يكون لسان حال المواطن السعودي الذي يريد أن “يعيش حياة طبيعية، حياة تترجم الدين السمح، والعادات والتقاليد الطيبة، وتساهم في تنمية وطنه والعالم” بنص كلام محمد بن سلمان نفسه.

الرجل يعلم جيدًا أن أكثر من 70% من الشعب السعودي أقل من 30 سنة كما صرح من قبل، ويعلم أيضًا أن الشعب السعودي شعب يحب الحياة والفن والسياحة والترفيه وكان ممنوعًا من ممارسة كل ذلك باسم تفسيرات دينية متشددة، الأمر الذي كان يدفع الكثير للسفر خارج المملكة لممارسة الحياة الطبيعية، ما يمثل خسارة اقتصادية واجتماعية مؤكدة للمملكة، ولم تعد السعودية تملك رفاهية تحمّل تلك الخسائر.

لا يريد ولي العهد السعودي أن يخلع المملكة من خصوصياتها الدينية والروحية، ولا يريد أيضًا أن تتفاقم الخسائر الاقتصادية والاجتماعية، ولذلك كان نموذج الإصلاح الديني هو الأكثر أمانًا للمملكة في تحقيق تلك المعادلة، فالرجل يتحدث عن دستور قائم على القرآن، وأحاديث متواترة، واجتهادات فقهية، وشريعة دينية، ومملكة لها خصوصية دينية وروحية ..

كل ما في الأمر أن تلك المملكة ترغب في إجراء إصلاح اقتصادي يحتاج منها بعض الإصلاحات الدينية والاجتماعية.. فقط بعض الإصلاحات.

رسالة من جهيمان العتيبي إلى محمد بن سلمان .. رواية صحفية في دقائق

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك