لماذا ظل السيسي صامتا في استقبال الموكب الذهبي؟ مصر حقيقة مش أساطير | خالد البري

لماذا ظل السيسي صامتا في استقبال الموكب الذهبي؟ مصر حقيقة مش أساطير | خالد البري

4 Apr 2021
خالد البري رئيس تحرير دقائق نت
مصر
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

أقدم الملوك الذين احتفينا بهم في الموكب الذهبي في شوارع مصر كان سقنن رع. تولى الحكم سنة ١٥٦٠ قبل الميلاد، بعد فترة التدهور الثانية في الحضارة المصرية القديمة، وعلى الفور بدأ الدفاع عن مصر ضد حقا-خاسوت (الهكسوس)، وهي كلمة مصرية قديمة تعني “الحكام الأجانب”.

الهكسوس حكموا الدلتا، لا نعرف الكثير عن ظروف تواجدهم، وكيفية وصولهم إلى الحكم، كل ما نعرفه أنهم كانوا مختلفين عن المصريين عرقيًا ومعرفيًا وشكليًا. عرقيًا لأنهم من “الساميين” ومعرفيًا لأنهم “أميون” وشكليًا حيث كانوا يطلقون اللحى. هذه الاختلافات الثلاثة مدونة مسجلة من واقع الآثار التي عثر عليها وليست مجرد تكهنات.

سقنن رع مات في أرض المعركة. ورغم ذلك حرص الجيش على أن ينقل الجثة ويحنطها ويجهزها للخلود، على عادة أهل “كمت” (مصر) القدماء. الذين اعتقدوا في أن الإنسان يقيَّم بعد موته، فيوزن قلبه مقابل مثقال دقيق للغاية هو الحقيقة، التي رمزوا لها بالريشة. ولذلك كان حفاظهم على الجسد مهما، لكي يعود إليه سر الحياة في حياة الخلود بعد الموت. جزاء المحسنين كان استمرار حياتهم كما يعرفونها، في بلدهم العظيمة كمت، الجنة بالنسبة لهم.

خاطر بحياته لأجل مصر..
سقنن رع قُتل في الصفوف الأولى بالمعركة ضد الهكسوس ولم يُقتل في قصره
———-

طريقة وفاة حاكم…

Posted by ‎دقائق‎ on Thursday, February 18, 2021

   أسر مختلفة.. والعقيدة واحدة 

الخلود كلمة سهلة النطق، صعبة التحقيق. حين قتل سقنن رع في أرض المعركة دفاعًا عن كمت كان الهرم الأكبر مبنيا منذ ألف عام، أي كالفرق بيننا وبين بناء القاهرة. وكانت مصر موحدة منذ ١٧٠٠ عام، أي مثل الفارق الزمني بيننا وبين تبني الإمبراطورية الرومانية الديانة المسيحية. قبل مولد الإسلام بحوالي ٣٠٠ عام.

 بعد سقنن رع استمر الكفاح حتى طرد الهكسوس على يد ابنه أحمس. وازدهرت مصر ازدهارًا عظيمًا في الدولة الحديثة. نعرف من الدولة الحديثة أسماءً مثل سيتي الأول، وابنه رمسيس الثاني، ونعرف تحتمس الثالث وحتشبسوت. انتهى الجكم الوطني بعد سقنن رع بألف عام، مع غزو الفرس، حوالي ٥٢٥ قبل الميلاد.

بحساب بسيط، لقد استمر الحكم الوطني لملوك كمت/مصر القدماء ٢٧٠٠ عام متواصلة. وحين أقول مستمر أعني الكلمة بموجباتها، أسماء الملوك مدونة ومحفوظة في سجلات الدولة ملكًا بعد ملك، سجل أعمالهم معروفة. في فترات الإحياء بعد الضعف يعود ملك من الأسرة ٢٦ إلى مقولات سنفرو من الأسرة الرابعة (عاش قبله بألفي عام) لكي يستلهمها ويستشهد بها. على أساس أنه امتداد له. رغم أنهم ينتمون إلى أكثر من عشرين أسرة (عائلة) مختلفة.

في التاريخ القديم هذا شيء خارق للعادة. أسر مختلفة، عائلات مختلفة، تحكم بلدًا واحدة، على أساس أنهم جميعًا امتداد، بعقيدة واحدة، ونظام حكم واحد، وقيم واحدة.

في ظل المركزية الثقافية الأوروبية يتغنى الناس ببضع سنوات من “ديمقراطية أثينا”، أو بما أنتجته من فلسفة في عصر ما بعد الكتابة. وكوننا في عصر تمجيد الديمقراطية ننظر إلى هذا وكأنه أعجوبة غير مسبوقة. لو قيمنا بالنتائج والاستمرارية والإنتاج المادي والاجتماعي فالنتيجة لصالح قيم الحكم في كمت/ مصر ودستورها الذي لا نملكه مكتوبًا. لقد أنشأت هذه الأرض دولة مزدهرة خالدة، ما نعرفه منها زمنيًا يساوي تسعة أضعاف حكم أثينا. دولة لم تقف على أكتاف أحد. لم تكن حلقة في التاريخ الذي نعرفه. بل جاءت ثم جاء التاريخ.

التقويم المصري القديم | 3 تقويمات: واحد للرب.. آخر للزراعة.. الثالث استورده العالم | الحكاية في دقائق

   صمت السيسي 

المقارنة الزمنية التي أشرت إليها سابقًا ضرورية، لكي نضع استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي لموكب ملوك وملكات مصر في سياقه الزمني. إذ الفاصل بين انهيار الحكم الوطني لكمت/ مصر، وبين زماننا الحالي، بكل من تعاقب علينا من حكام أجانب، أقل من الفارق بين بسماتيك الأول مؤسس الأسرة ٢٦ وبين مينا مؤسس الدولة الموحدة. أقل من الحكم الوطني المستمر المدون في السجلات.

وهذا يأخذنا إلى الملاحظة التي لاحظناها جميعا. أن الرئيس السيسي لم ينطق كلمة واحدة طوال الاحتفالية، تاركا الأمر للصورة بجلالها وعظمتها، مسترشدا على ما يبدو بمقولة حافظ إبراهيم:

وبناة الأهرام في سالف الدهر .. كفوني الكلام عند التحدي 

لا شك عندي في أن هذا كان مقصودًا بالمعنى ذاته. أن هذه الحضارة الخالدة كفيلة بالتحدث عن نفسها. كما كانت كفيلة بمنح ملوكها الخلود. ليس فقط بالتحنيط، ولا حتى بالأهرامات والآثار، هذه معجزة يقف أمامها العالم متعجبًا. لكن الإعجاز الأكبر منها هو بقاء أجسادهم طوال هذه المدة، ثم وصولهم إلينا، رغم انقطاع الحكم الوطني عن كمت/ مصر لحوالي ألفين وخمسمئة عام.

   رسالة واحدة.. مصر حقيقة 

تخيل القصة كالتالي: في عقل شخص عاش قبل آلاف السنين هاجس جعله ينقل جثامين هؤلاء العظماء، الجبابرة، لكي تبقى بعيدة عن أعين المتربصين. لكي لا تمتد إليها أيدي أعداء أو خصوم عقائديين. وبالفعل تتخفى، بلا حول ولا قوة، أياديها معقودة إلى صدورها، بلا أنفاس، ولا أجنحة. لكنها تبقى وتبقى وتبقى. ثم لا تخرج إلا وقد صار العالم مهيئا لكي يوليهم ما يستحقون من تقدير.

الرمزية التي حملها استقبال الرئيس المصري لهم بعد كل هذه القرون، وانطلاق المدافع تكريمًا لموكبهم أكبر من كل كلام. صوت الموسيقى مع النطق المصري القديم بـ ترنيمة مآلوفة لآذانهم قصة درامية لا نظير لها، بل يستحيل أن يكون لها نظير في المستقبل. انتهت. لقد كانت فرصة المرة الواحدة، ولم يستحق أن ينالها سوى هؤلاء الملوك والملكات.

ماذا فعلتم أيها العظماء لتحظوا بهذا التكريم!!

في النهاية، أبلغ ما قرأته وأنا أتابع موكب ملوك وملكات مصر مقولة لصديق على فيسبوك “مصر حقيقة .. مش أساطير”.

أعتقد في هذه الجملة ما يجعلنا نفهم الكثير من فرح الفرحين ومن انزعاج المنزعجين.. أعتقد أن هذه الجملة هي الرسالة التي فعل ملوكنا العظماء كل ما في وسعهم لكي تصل إلينا. من الأهرامات إلى المسلات إلى المعابد إلى تخليد الأجساد.

فهل وصلت الرسالة؟!


 

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك