كتائب النظام العام | تجارب شخصية عن المقاطعة – التطبيع.. وفلسطين المجهولة | فيروز كراوية

كتائب النظام العام | تجارب شخصية عن المقاطعة – التطبيع.. وفلسطين المجهولة | فيروز كراوية

26 Nov 2020
فيروز كراوية
إسرائيل مصر
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في 2017، دعيت كضيفة على حفل غنائي لإطلاق الألبوم الأول لباند موسيقي ألماني اسمه Out of Nations.

تعرّفت على مؤسسة الباند أثناء تسجيل ألبوم لي في القاهرة. عازفة ساكسوفون تعيش في القاهرة. أمريكية لأب من أصول مصرية حصلت على منحة لتعيش بين القاهرة وبيروت لعدة سنوات بهدف تعلم الناي الشرقي.

ثم التقيت بها مع المؤسس الثاني للباند (من أصول لبنانية) في حفل لي ببرلين حيث يعيشان.

وقتها اتفقنا على تقديم عمل مشترك وأنجزناه على مدى سنة وسجلت الأغنية في برلين أيضًا.

عندما جاء وقت إطلاق الألبوم الأول للباند دعاني الصديقان لأشاركهما الحفل بتقديم أغنيتين. رتبوا لي إقامة لمدة أسبوع في برلين نجري فيه البروفات ثم الحفل.

   التطبيع.. بلا حول ولا قوة 

فكرة الباند تقوم على جمع موسيقيين من بلاد متعددة تحت شعار أن الموسيقى لا تعرف بلدًا. يسافر أعضاؤه عبر بلدان أوروبية وشرق أوسطية ليلتقوا، حيث يقيمون حفلًا وراء حفل. كنت أحد الضيوف في هذا الحفل ومعي مطرب جاء من لبنان وعازف إيقاع شرقي جاء من القاهرة أيضًا.

في البروفات التقيت بموسيقيين متعددي الجنسيات: يوناني وبلغاري وألماني وتشيكية وروسي. الموسيقي روسي الأصل يلعب الكمان. قطع رحلة من روسيا إلى إسرائيل ليتعلم عزف الكمان الشرقي في عامين ثم سافر إلى برلين واستقر هناك.

عدا مؤسسي الباند الاثنين، لم ألتق أحدًا من الموسيقيين من قبل. وأثناء الحفل لم تجمعني فقرة على المسرح بعازف الكمان روسي الأصل.

انتهى الحفل الذي كان أكثر من نصف حضوره من أصول عربية استقبلوني بشكل رائع. عدت من برلين إلى باريس كما رتبت رحلتي مسبقًا. قضيت هناك أسبوعًا آخر ثم إلى القاهرة.

خلال هذا الأسبوع وصلتني مانشيتات ساخنة من صحف لبنانية ثم مصرية تتهمني بالسقوط في التطبيع أنا والفنان اللبناني الذي جاء ضيفًا مثلي على الحفل.

لم يتصل بي أحد يطلب استفسارًا أو تعليقًا. لم يجمع أحد أي تفاصيل. تعجبت أصلًا أن أحد هؤلاء الصحفيين النبهاء لم ينشر أبدًا خبرًا عن الحفل أو وجودي أنا أو الفنان اللبناني كمطربين فيه، ولا على سبيل التغطية الصحفية ولا الاهتمام بنا كفنانين بالطبع.

لكننا أصبحنا خبرًًا عندما وقعنا في الفخ. بدأت صفحات حركة المقاطعة العالمية BDS في نسختها المصرية تنشر تدوينات متعددة عن جريمة التطبيع التي ارتكبتها. تحتها تعليقات عن “أبي الذي جمع ثروة طائلة من التطبيع” أيضًا. من هذه الثروات بنى لي “أكبر استوديو موسيقي في مصر”.

مسلسل أم هارون متهم بالتطبيع مع إسرائيل.. من بدأ هذه الحملة؟ | س/ج في دقائق

   تحالف كوبنهاجن.. وفلسطين التي لا نعرفها 

هذه تجربة هامشية جدًا بالنسبة لما يحدث كل يوم وما حدث عبر عشرات السنين. عندما أفكر في أسماء مثل صلاح عبد الصبور، نجيب محفوظ، علي سالم، أحمد زويل، مفكري ما أطلق عليه تحالف كوبنهاجن.. أرى قامات كلها حتمًا قدّمت لبلدها منجزًا إبداعيًا وقيميًا وثقافيًا ثمينًا.

وأرى من تجربتي الصغيرة أن في حالة تلك الاتهامات تبدو الحقيقة والكذب والتلفيق والتشويه ومشاركة أطراف صاحبة مصالح متعددة.. تبدو كلها قريبة ومختلطة لدرجة يصعب معها التمييز.

أي هؤلاء مناصر للقضية الفلسطينية فعلًا؟

وأيهم يدرك المقصد والمصلحة من اتهامات التطبيع أو من منع التطبيع؟

أذكر أول مرة التقيت في حياتي بفتاة فلسطينية في القاهرة. جاءت من غزة لحضور تدريب حول المفاهيم الأساسية لحقوق الإنسان، وكنت أحضره أيضًا.

أتذكر يومًا بدا عليها الضيق وهي خفيفة الدم تضحك وتلقي النكات طول الوقت. قالت لي: “من اليوم الأول هنا كلما عرّفت نفسي أجد المصريين ينظرون لي بشفقة، وكلما طال وقت الحديث أجد كل فكرتهم عن حياتنا في غزة أننا نرتدي الكوفية الفلسطينية في الصباح وننطلق في انتفاضة حجارة، ثم يطاردنا القصف، ويستشهد بعضنا، فنعود لنبكيه، ونواصل في اليوم التالي. لا حياة لنا، ولا يليق أن نضحك، ولا نحتفل بأعياد الميلاد والسبوع كما تحتفلون، علينا أن نعيش في حداد دائم. أريد أن أقول لهم أن لدينا هموما كثيرة أخرى، نحب ونفارق، نمرض ونشفى، نتطلع لشراء بضائع وفساتين وندخر لها النقود، نتزوج وننجب ونغني ونرقص. هل يتكرم الأخوة بتقبلنا في برواز آخر؟ بلا كوفية؟”.

أتذكر أيضًا مقالًا لصديقة ولقاء آخر بصديق، فلسطينيين يجمعهما أنهما يعيشان في إسرائيل. المقال كان يكسر تابو حصار فلسطينيي إسرائيل من قبل الدول العربية.

وكذلك حديث صديقي الذي يعشق القاهرة: ممنوع عليهم الاتصال بمن يعتبرونهم امتدادًا حتى من باب اللغة والثقافة المشتركة.

ممنوعون من المشاركة في الفعاليات الثقافية والفنية، كما هو ممنوع على تلك الفعاليات أن تصل إليهم.

تطاردهم وصمة دائمة في معظم لقاءاتهم مع العرب في أي بلد. يكفّرون عن ذنبين؛ واحد لأنهم يعيشون في إسرائيل موقنين أنهم محتلون، والثاني أنهم ينتمون ولو باللغة لشعوب تلفظهم وترتاب فيهم؛ كحب من طرف واحد.

6 أسباب لنكسة السينما المصرية المستمرة بخصوص أفلام حرب أكتوبر | حاتم منصور

   كتائب حراسة النظام العام 

في كل هذه الملابسات أتحدث عن مثقفين وفنانين ليسوا في شهرة محمد رمضان. وأعرف غيرهم كثيرين لا بد جمعتهم الصدف واللقاءات بإسرائيليين ولا نعرف عنهم شيئًا.

وأعرف غيرهم يناصرون حقوق الفلسطينيين بصدق ولا يمنعهم هذا عن المشاركة في مؤتمرات علمية أو في مجالات العلوم الإنسانية والثقافة يحضرها إسرائيليون.

ببساطة، لأن العكس يعني استبعادهم من كل دوائر الاتصال بالعالم التي تعترف بإسرائيل حتى لو رفضت جرائمها.

الاستبعاد يقصيهم ولا يقصي إسرائيل. يقصرهم على حدود بلادهم ويجعل مساهماتهم غير مرئية ولا قيمة لها. حيث إن بلادهم مشغولة بقضايا ما قبل تاريخية، لا وقت لديها للأبحاث الجديدة أو الابتكارات الفنية أو المشاركات الفكرية والنقدية التي تلقي حجر في مياه راكدة. مشغولة أيضًا باصطياد ضحايا جدد تتهمهم بازدراء الأديان أو مخالفة الشرع أو انتهاك قيم الأسرة. مشغولة بدعم قطع الرؤوس ومقاطعة فرنسا.

لكن كل هؤلاء في أمان ما لم يقعوا تحت دائرة الضوء التي تهم حراس النظام العام المعنيين ببقاء الحال كما هو عليه. لهم في ذلك سبيلان؛ إرهاب ديني وإرهاب قومي.

ولهذا الغرض خصصت لهم وظائف ومقاعد ثابتة وألواح قانونية محفوظة ومواد في لوائح وضبطيات قضائية ومنابر إعلامية ونقابية. فيصبح الفنان الموظف رقيبًا على الفنان الذي على باب الله. والكاتب الموظف رقيبًا على علي سالم. ورئيس النقابة الموظف قيّمًا على جيرار ديبارديو الفرنسي و”اللي يتشددله”.

مهما علا مجده وارتفع، يردم تاريخه يوم زار إسرائيل. يمنع من دخول بلدنا المصونة التي تجمعها أيضًا معاهدة سلام مع إسرائيل. تجمعها وحدها بدوننا نحن. بلدنا كرمز وسلطة مستقلة بذاتها عننا. لا تخبرنا لماذا توقع المعاهدات، ولا ماذا ستفعل بها، ولا ما سيتغير في حياتنا بتوقيعها، ولا العدد الحقيقي لرافضي المعاهدات أو مؤيديها.

الفنان والكراهية والتطبيع | أسئلة مشروعة قبل إعدام محمد رمضان | أمجد جمال

   متروكون لنأكل نفسنا  

هي فقط تتركنا لحراس النظام العام، رؤيتها وأنيابهم. يلغون تلك الفعالية أو يوقعون ذلك البيان. ولا عجب أن نرى بعضهم حاضرين في الافتتاح يأكلون في البوفيه. يصيغون المانشيتات الكذابة ولا يحق عليهم الاعتذار أو رد الكرامة. يعزلون هذا الكاتب المبدع أو يقيلون ذلك المفكر المهم من الحياة العامة ولا يتبقى لنا سوى نعيقهم.

يبقون في المناصب والمراكز مدى حياتنا، بل يرتقون ماديا واجتماعيا، ونبقى نحن في صراعات على فتات. كطفل ساذج يعيش بين فانتازيا متضخمة وعجز مزمن. مزاعم عن دولة أسطورية التقدم تحيك لنا المؤامرات. مع ذلك نستمر في علاقتنا بها. ومزاعم عكسية عن دولة تحيطها وتخترقها أزمات كبرى. مع ذلك لا تنهار في التاريخ الذي حددناه أكثر من مرة.

مقابل ألا يتغير شيء في حياتهم، لا يتغير شيء في حياتنا نحن أيضًا.

مقابل أن يستمر النظام العام، نظل نحن في أقفاص معرفية وحضارية وإبداعية.

داخل القفص محدود المساحة والرؤية نبقى ميتين عقلا وروحا. لا نستطيع أن ننتج مواقفنا الخاصة ولا نحددها. لا نستطيع أن ننتج قناعات بفاعلية التطبيع ولا فاعلية منعه لنا أو للفلسطينيين. لا نستطيع حتى أن ننتج فكرًا مضادًا لإسرائيل من وحي أفكارنا. لا نستطيع أن نناظر الإسرائيليين أو نتبيّن مصالح ومخاطر علاقتنا بهم اعتمادًا على تجاربنا. ما الغريب.. إن كنا لا نستطيع أن نفعل الشيء نفسه لبلدنا نفسه.

معرفتنا يحددها أولياء الأمر ويلقنونا ما يهيج غرائز المحبوسين الدينية أو القومية. تهيجهم فيرتد رصاصهم لصدورنا ويزيد بؤس عزلتنا وتهافت إنجازنا. متروكين لنأكل نفسنا وبعضنا. ويا بخت من التحق منّا بكتائب حراس النظام العام.

السلطة من أسفل .. الزوجة الثانية في مواجهة الإسلام السياسي | خالد البري | رواية صحفية في دقائق


 

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك