الجنس في العقيدة المسيحية | هل خسرتْ الإيروتيكا من أجل “الروح”؟ | مارك أمجد

الجنس في العقيدة المسيحية | هل خسرتْ الإيروتيكا من أجل “الروح”؟ | مارك أمجد

14 Dec 2020
مارك أمجد دقائق نت
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في دورية تصدر عن دير مصري اسمها “المجتمع الكنسي” وقع في يدي عدد منها عام 2013، كتبَ قسيس أرثوذكسي في مقالته حول مفهوم العلاقة الزوجية في المسيحية يقول: “الجنس هو الوسيلة التي تُمكّنا من تجديد الطبيعة التي أوجدها الله فينا، أما إذا تحوّل من وسيلة تناسلية لغاية شبقية فهو الإثم بعينه”.

لكن: هل يمكن اختزال موقف المسيحية كعقيدة كاملة من الجنس في مقالة هذا القسيس؟ قد نُتهم حينها بقصور الرؤية. لذا أعتقد من الأفضل أن نتحرّى مباحث المعرفة لدى المسيحيين حول جوانب الحياة الجنسية. وسنُقسّم هذه المباحث إلى: الأناجيل، وشخصية يسوع، والتُراث الكتابيّ.

قداسة الأنثى | ربات العالم القديم اللاتي “دنسهن” الانقلاب اليهودي – المسيحي | مصطفى ماهر

   الجنس في الأناجيل الأربعة 

وقائع الأناجيل الأربعة الأنثوية تمحورتْ إما حول زانيات أو نساء مسكونات بشياطين، تم تطهيرهن جميعهن على يد المسيح. أما تفاصيل العلاقة بين الزوجين، فلم يتطرق أي سِفر من الأسفار المقدسة إليها كتشريع أو مُراجعة.

السبب في ذلك مفهوم: أن الأناجيل كُتبت في المسيحية لتأليه شخص المسيح لا لربطه بالأمور الأرضية. بالتالي، لم ينشغل مؤلفوها بما يدور داخل بيوت اليهود أو بقية الأمم وبينها الجنس طالما لن يُقدّم أو يؤخّر شيئًا في المسيرة اليسوعية.

صحيح أننا نجد تشريعات إنجيلية عن الزواج على لسان يسوع وحاملي رسالته بعده. لكن حتى في تلك المواضع، يظهر الأمر كطقس اجتماعي له قوانينه لا كحدث عِشقيّ مُتخَم بتفاصيله.

أي أننا لن نجد اللُغة المُستخدمة في الأناجيل ناضحة بتلك الأبجدية المعروفة عند العرب (انكحوا/ يمصّ لسانها/ يرشف شفتيها) بل إن قاموس الكتاب المقدس – سنعرض لـ نشيد الأنشاد – في هذه الناحية ضعيف جدًا وحينما يريد التعبير عن علاقة بين رجل وامرأة يستخدم الفعل “عرفَ” كأن يقول “وَعَرَفَ آدَمُ حَوَّاءَ امْرَأَتَهُ فَحَبِلَتْ”.

كما أنه ليست هناك مجازات بشأن يسوع كالتي ذُكرت في البخاري عن النبي محمد “كنا نتحدث أنه أُعطي قوة ثلاثين” ولا تعليمات عن أهمية المداعبة “نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ” ولا أهمية التوقيت: “لَا تُوَاقِعْهَا إلَّا وَقَدْ أَتَاهَا مِنْ الشَّهْوَةِ مِثْلُ مَا أَتَاك” ولن نجد ما يُحلّله أو يُحرّمه الشرع الإنجيلي: “لا تأتوا النساء في حشوشهن”. ولن نجد مَعرضًا جنسيًا يكتبه أحد النُسّاك بعنوان “نواضر الأيك في معرفة النيك”.

إذًا، هل يخلو الإنجيل تمامًا من أي مَرجِع جنسي؟ وماذا عن سِفر نشيد الأنشاد؟ وهو سفر إنجيلي مكتوب بلُغة إيروتيكية خالصة كأن نقرأ مثلًا فيه “عُنُقُكِ كَبُرْجِ دَاوُدَ الْمَبْنِيِّ لِلأَسْلِحَةِ. أَلْفُ مِجَنٍّ عُلِّقَ عَلَيْهِ، كُلُّهَا أَتْرَاسُ الْجَبَابِرَةِ”. ومشكلة نشيد الأنشاد أنه لا يمكن اعتباره “كاماسوترا” خاصة ولا حتى مجرد إرهاصة لذلك، لأنه ببساطة مكتوب بلُغة شاعرية ومهما بلغتْ فاعليتها فهي ليست التحامية، وبعض التيارات الأرثوذكسية تتعامل معه على أنه حديث ذاتي بين الروح الإنسانية (الأنثى) وعقل الله (الذكر)، ومهما بدتْ نظرية سخيفة فبُرهانها هو جنسانية السفر الناعمة.

الوجودية المسيحية بين بولس ونجيب محفوظ: قراءة في رواية “الطريق” | مينا منير

   شخصية يسوع 

لدينا أكثر من مُشكِل في تناول يسوع كإنساني نودّ وضعه على مائدة التشريح: منها وأهمّها أن يسوع حسب الاعتقاد المسيحي لم يأت من عملية مضاجعة عادية بين رجل وامرأة، وإنما هو نتاج حلول الروح القدس (روح الله) في باطن العذراء مريم، حسب المُعتقَد المسيحي، وبهذه البداية غير المُبشِّرة نجد أنفسنا أمام شخصية أشبه بشخصيات هوليوود الخارقين الذين لا يهمّ كيف وُلدوا أو أتوا وإنما ما يقومون به من أمور إعجازية.

المُشكل الثاني أن يسوع – من المنظور العقيدي – مقسوم إلى شقين: ناسوتي ولاهوتي، وبالتالي، هذا الانفصال وضع مُدوّني الأناجيل أمام إشكالية رسم مسارات مُتبتلة جامدة للشخصية اليسوعية غير إنسانية بالمرة، على عكس النص الإسلامي الذي لا أجد وصفُا له أفضل من كتاب “مصادر القرآن” لـ “سان كلير تيسدال: “مرآة صادقة عن حياة وشخصية وأداء عقل النبي محمد نفسه ويُبيّن التحول التدريجي في شخصيته”.

ثم يُكلل الأزمات السابقة في الجانب الجنسي لدى النصوص الإنجيلية أن يسوع لم يتزوج، ولم تُذكر بشكل واضح أي علاقات نسائية صريحة عنه، باستثناء النظريات التي ظهرت في العصور الحديثة حول “الكأس المقدسة” و”نسل المسيح” والتي تم اللعب عليها في أعمال فنية عديدة.

وليس بمقدورنا هنا أن نناقش مراجع كهذه لأنها ببساطة في عُرف الكنيسة غير قانونية. ويبقى السؤال النابض: إذا كان رب الديانة نفسه لم يعرف امرأة بحسب النصوص الرسمية، فأي “كتالوج بورنوجرافي” يمكن أن يحصل عليه إنسان مسيحي عادي يريد أن يستمتع بغريزة أوجدها الخالق فيه؟

زِدْ على ذلك أن بتولية المسيح في حياته الشخصية لم تحلّ المشكلة بل زادتها تعقيدًا، وكانت نتيجتها في القرن الواحد والعشرين أن نجد سجالات في “مطابخ المسيحيين السيبرانية” يتراشقون فيها إن كان المرء الأعزب له مكانة أعلى من المتزوج؟ وليست خفية هنا النظرة الدونية للزواج كفِعل ينزل بالإنسان درجة في نظر كثير من المسيحيين. وهذه النظرة الازدرائية ليست وليدة اجتهاداتهم وإنما لها ظهير كتابيّ.

المسيح خارج الأناجيل: كيف تخيل الروائيون شخص يسوع الإنساني؟ | مارك أمجد

   التُراث الكتابي وتعاليم مدارس الأحد 

طالما أن الشخصية الرئيسية التي تتمحور حولها المسيحية لم تعرف امرأة، سمح ذلك بأن تنطلق على مرّ الأزمان اجتهادات شخصية من قساوسة ورهبان. وليس من العجب أن نجد بولس الرسول المؤسس الثاني للديانة بعد المسيح يقول: “من زوج فحسنًا يفعل، ومن لا يزوج يفعل أحسن”.

ومن الطبيعي بعد مثل هذا التراث أن تنتج المسيحية للعالم فكرًا رهبنيًا يحمله العلمانيون قبل الرهبان.

وفكرة بولس السلبية حول الزواج مصدرها الأصلي هو النص التوراتي الذي يؤرّخ لأول عملية جنسية عرفتها البشرية بين آدم وحواء.

لكن النص الكتابيّ يجعل ترتيبها الزمنيّ بعد الخروج من الجنة مباشرة، وكأنها مرهونة ببشاعة السقوط، ثم تلقّفت المسيحية الفكرة ودنّست بدورها كل سلوك قام به الإنسان على الأرض بعد خروجه من محضر الله، ومن بين هذه السلوكيات الجنس. والسؤال هنا حسب منطق التوراة، إن لم يكن آدم وحواء سقطا وعرفا الجنس، أيعني هذا أن البشرية لم تكن لتوجد؟

أما الأزمة الكبرى فتقع مع المؤلفات الحديثة والتي هدفها الأوحد هو تدجين الأجيال المسيحية الحديثة من المراهقين.

فبالإضافة للمقالة التي اسشتهدنا بها في مُستهل طرحنا نجد مناهج التربية الجنسية في معاقل مدارس الأحد تنصّ على أمور لا تمُتّ للواقع بصِلة (راجع كتاب حياة الطهارة للأب يوحنا نصيف)

منها مثلًا أن العملية الجنسية للرجل متعة وللمرأة ألم، وأن الاستمناء يستفرغ من طاقة الإنسان ويُدخله في حالة من الإدمان، وهو كلام مناقض لكلام كثير من الأطباء الذين يرون أن الاستمناء عملية بيولوجية طبيعية، لكن في المنهج الأرثوذكسي إذا كان القذف في جوف امرأة فهو إثمار للأرض وتجديد لخليقة الرب، أما إذا كان في المرحاض فهو إهدار “للطاقة”.

ولا يمكننا أن نختم معرضنا الناقد دون الإشادة بشيء من التيار “اليسوعي”، والذي استطاع على يد بعض آبائه المُطّلعين أن يرتقي بالنظرة المسيحية بعض الدرجات تجاه الجنس، وعلى رأسهم الأب “هنري بولاد” والذي طرح في كتابه “أبعاد الحب” نظرية فرويدية قرأتها وأنا في المرحلة الثانوية لا يزال يتردد صداها في عقلي حتى اليوم، مفادها أن الذكر والأنثى تصدر عنهما كل سلوكياتهما اليومية من منبع تشكّلهما الفسيولوجي، بمعنى أن الرجل طالما عضوه خارج جسمه فهذا ينعكس على نظرته للأمور، والمرأة لأن عضوها داخل جسمها فهذا يُحدد اعتبارها لكل الأشياء.

كورونا الذي لا يقرب مذابح الرب | المستير.. القاتل الحقيقي لكهنة الكنيسة الأرثوذكسية | مارك أمجد

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك