عادل إمام – يوسف معاطي .. 4 اتهامات مردود عليها في محطة الزعيم المظلومة | أمجد جمال

عادل إمام – يوسف معاطي .. 4 اتهامات مردود عليها في محطة الزعيم المظلومة | أمجد جمال

20 مايو 2020

أمجد جمال

ناقد فني

سينما مصرية
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

مشوار عادل إمام ينقسم لمراحل زمنية ونوعية واضحة:

ستينيات الانتشار والأدوار المساعدة التي أسس من خلالها الزعيم السمات الأسلوبية الأولى لشخصيته الكوميدية، التي التصقت به حتى نهايات مشواره.

سبعينيات البطولة الجماعية والأفلام الخفيفة الناجحة. ويمكن تلقيبها بمرحلة البحث عن فضيحة ومدرسة المشاغبين، وهي مرحلة تؤكد أن عادل إمام مسؤول عن نقلة في طبيعة الكوميديا بين جيلين وحقبتين.

ثمانينيات النجومية المطلقة، وسلطة اختيار الأدوار، وتطوير الشخصية الكوميدية لشخصية أكثر صلة بالواقع، ووعيًا بمشكلات المجتمع، وهي مرحلة تنوع الجونرات والمدارس التمثيلية.

تسعينيات السوسيوبوليتكال، أو مرحلة لينين الرملي – وحيد حامد. وهي المرحلة التي نالت التقدير النقدي والجماهيري الأوسع؛ حيث انتقلت النبرة الاجتماعية فيها من مجرد وعي سلبي كما في مرحلة الثمانينيات إلى تحدٍ ومواجهة مباشرة. تلك الأفلام استهدفت موضوعات  الساعة، فاستمدت جزءًا كبيرًا من أهميتها من أهمية موضوعاتها (طيور الظلام – المنسي – الإرهابي- الجردل والكنكة – اللعب مع الكبار).

لكن، يمكن الجدل بأن الأسطورة التي تحيط اسم عادل إمام ترجع لكونه النموذج الأوضح عن نجم شباك كل العصور وفي كل مراحله العمرية، وهي أسطورة كانت لتنقص بعض الشيء لولا مرحلة الألفية وأحب أن أطلق عليها مرحلة يوسف معاطي، مؤلف أفلامه الأبرز وقتها.

هي المرحلة الأصعب، والتي تصنع لأسطورة “نجم كل العصور” معنى، خاصة ونجمها يتجاوز الستين من عمره، ولا يزال نجمًا في شباك التذاكر. ورغم أن الزعيم اجتازها بنجاح مُرضٍ، إلا أنها من أكثر المراحل المتجاهلة والمُشكَك بأهميتها، لأسباب مردود عليها:

   أولًا: حداثة المرحلة 

هي الأكثر معاصرة، لم يكن قد مر عليها من الوقت ما يكفي للحكم والتقييم، ولأنها آخر مراحل الزعيم سينمائيًا، فلم تأت بعدها مرحلة أخرى تجعل منها ماضيا. مشكلة أزلية في ثقافتنا، عدم تقدير الفنانين كما ينبغي إلا بعد وفاتهم، وعدم تقدير الأفلام الجماهيرية المتميزة إلا بعد دخولها في طور الكلاسيكيات.

هذا الانطباع يتآكل مع كل سنة تمر، فأفلام مثل “التجربة الدنماركية” أو “عريس من جهة أمنية” و”السفارة في العمارة” و”مرجان أحمد مرجان”، بعضها مرّ عليه 17 عامًا، أي من عُمر طالب جامعي الآن، ويحق لنا تحليلها بآليات التراث: هل صمدوا في الذاكرة الجمعية؟ هل تركوا تأثيرًا كبيرًا في الثقافة الجماهيرية؟ والإجابة ستكون بنعم كبرى لا تقبل التشكيك. إفيهات هذه الأفلام حاضرة أكثر من غيرها، ولا يوجد ميم على الانترنت تفوق على ميمات فيلم مرجان مثلًا.

   ثانيًا: انقلاب النبرة السياسية 

عندما اختار الزعيم خليفة لوحيد حامد ولينين الرملي لم يبتعد كثيرًا عن تصنيف الكاتب السياسي. ما اختلف هو بوصلة يوسف معاطي سياسيًا، وبالتالي انتقل عادل إمام من حقبة أفلام تشاكس السلطة أو تهجوها صراحة، فتنال قلوب المجتمع اليساري والإنتلجنسيا، لحقبة أخرى مهادنة للسلطة، أو تتبنى نفس سياساتها الداخلية والخارجية، أو تتفهم وتبرر التحديات التي تمر بها هذه السلطة.

والنتيجة: لم تخل تلك الأفلام من أسهم النقد الاجتماعي والسياسي، لكنها باتت تستهدف المعارضة والممارسات الشعبية أكثر مما تستهدف السلطة.

فمثلًا، رشاوي مرجان أحمد مرجان لم تكن إلا مساهمة تكافلية من رجال الأعمال لزيادة دخل الموظفين، باتفاق ضمني مع الحكومة للتخفيف عن المواطنين، ولا توجد مشكلة إلا في ضعف نفوس وذمم البشر.

والسلطة في حسن ومرقص تبذل المستطاع لضمان سلامة عنصري الأمة، لكن المشكلة في تعصب الشعب وتطرف رجال الدين. أما الوزير قدري المنياوي في التجربة الدنماركية فيظهر مجتهدًا يريد التغيير الإيجابي ولو بالقوة، لكنه يصطدم بعادات شعبية سلبية.

وفي السفارة في العمارة، لم توقع إسرائيل شريف خيري في مشكلات مباشرة أكثر مما فعلت الجماعات الدينية والشيوعية. ولم تعرضه لتنمر أكبر من الذي ذاقه على أيدي الشعبوية، فلم يسلم من المزايدات حتى من العاهرات. في المقابل، ظهرت حكمة ورزانة لواء الشرطة في تناول العلاقات المصرية الإسرائيلية بموضوعية ودون تشنجات وحنجورية.

وفي عريس من جهة أمنية، يمارس شرطي عمله بنزاهة بتوقيف خطاب النجاري في وضع مخل بمكان عام، فيفرج عنه شرطي آخر لضمان الصالح العام؛ فصحيح أن خطاب منفلت أخلاقيًا، لكنه وطني و”بيدخل عملة صعبة للبلد”، فيبقى ممثلان السلطة في المشهد نفسه على حق رغم تناقض مواقفهما.

انقلاب النبرة السياسية من التسعينات للألفية يتمثل كذلك في نوعية الشخصيات التي صار يؤديها الزعيم، حيث تخلى تدريجيًا عن تجسيد أبناء الطبقة العاملة، واكتفى بتقديم شخصيات الطبقة العليا، الوزراء ورجال الأعمال والأثرياء، ما خلف الانطباع لدى المحللين بأن الزعيم باع مشروعه وانسلخ عن قضيته، وبات يقدم سينما بيضاء برجوازية، في ما صنفوه ضمنيًا كجزء من التردي الفني المزعوم.

   ثالثًا: العقدة العُمرية 

هي نبرة الازدراء العامة للكبار، والتي يكون ضحيتها فنانين لم يستسلموا لسجن الشيخوخة، فصاروا مطالبين بتبرير مجرد بقاْئهم على قيد الحياة.

ولكونه ذكرًا، عانى عادل إمام من التنمر العمري في شكل آخر متعلق بالجنس، فكيف لرجل تجاوز الستين أن يظهر بدور الشبق جنسيًا والذي تتهافت عليه الحسناوات أو يتهافت هو عليهن.

الزعيم استهزأ بتلك الأصوات مرة:

كانوا عاوزني أظهر أقول وصيتي في أول الفيلم وأموت زي أحمد توفيق وعبد الوارث عسر

عبّر عادل إمام في “عريس من جهة أمنية” عن ظاهرة المزايدات من هذا النوع كونها راجعة لعامل الحقد الجنسي أكثر من المنطق والأخلاق، في نكتة على لسان خطاب النجاري: شوف الغل! بيقولك بتاع سياحة عايزني أفعص في أمين مخازن؟!

أو حين يعاقب قدري المنياوي أبناءه على تعلقهم بالحسناء الدنماركية أنيتا بدعوى الحفاظ على أخلاقهم، ثم يظهر أن الدافع الحقيقي أنه ينافسهم في اشتهائها. تلك وغيرها تفاصيل صغيرة تعلق على الدور الكبير للغريزة في حياتنا، وتفضح حالة النفاق الشعبي المتعلقة بكل ما يخص الجنس، والتي تنعكس على المنتقدين أنفسهم.

الجنس في تلك الأفلام امتد دوره دراميًا، لا مجرد تمسك صبياني من الزعيم بهذه الصورة الذهنية عنه. لكن هذا الشبق كان يعمل كنقطة ضعف للشخصيات تحدث توازنًا في تركيبتهم بأن تجعلهم في أحيان مثيرين للشفقة.

غريزة تعرض بطلها للإهانة في كمين شرطة، أو تفقده وظيفة مرموقة في الخليج، أو توقعه في ابتزاز من السفارة ليتنازل عن القضية، أو تضعه في موقف محرج (ومضحك) في وسط اجتماع وزاري، وكل ذلك يضيف لدراما تلك الأفلام، وبالطبع يضيف للكوميديا، فالتوتر الجنسي سيظل للأبد حليفًا للضحك، خاصة حين تكون موازين القوى الجنسية غير متكافئة.

   رابعًا: اتساع القمة لعدة نجوم 

في حجة الكثيرين على أنها المرحلة الأضعف في تاريخ الزعيم يستشهدون بنجاحات الآخرين، ممن كانوا حوله في هذه الحقبة وحققوا نجاحات كبيرة، بداية من محمد هنيدي وعلاء ولي الدين، مرورًا بمحمد سعد ثم أحمد حلمي.

والحقيقة أن الزعيم كان دائمًا محاطًا بالناجحين، فسبب أسطوريته ليس نجاحه مرات عديدة، لكن لأنه استطاع النجاح وسط الناجحين، فقط تغيرت أسماؤهم من نادية الجندي وأحمد زكي ونبيلة عبيد ومحمود عبد العزيز ونور الشريف.

وفي سنوات عدة، تفوقت أفلام لنجوم آخرين على أفلامه في الإيرادات، شادر السمك مثلًا تفوق جماهيريًا على الحريف، سيداتي آنساتي تفوق جماهيريًا على جزيرة الشيطان. لكن هذا لم يغير حقيقة أن عادل إمام هو النجم الأنجح لكل العصور؛ لأنه احتل المرتبة الأولى تراكميًا لا باحتلال مرحلي تستطيع المواجهات المباشرة حسمه.

وحتى مع مرحلة صعود السينما الشبابية، ظلت لغة الأرقام تقول أن الزعيم تصدر إيرادات عام 2007 بفيلم مرجان أحمد مرجان، حين تجاوز عمره 67 سنة وحين كان منافسوه في الأربعينات من عمرهم. جاء أيضًا في المركز الثاني بعريس من جهة أمنية 2004، والثاني بالسفارة في العمارة 2005. تلك مؤشرات على كونه ظل ندّا للجيل الجديد، واستطاع مواكبة التغيرات، وهو الدرس الفني الأهم في ذلك الموضوع.

صحيح أن إيرادات الزعيم وكل أبناء جيله اهتزت في بداية الموجة، وكثر الكلام عن بساط يسحب، هنيدي بصعيدي وهمام وبلية كان يحقق أضعاف مما يحققه الزعيم بالوالي ومحروس وهالو أمريكا، لكن الزعيم الوحيد بين أبناء جيله الذي لم تسقطه تلك الهزة واستطاع تداركها بوعي. فغيّر أوراق لعبه، وتوقف عن إنكار تقدمه في العمر.

الشخصيات التي قدمها في المنسي واللعب مع الكبار وبخيت وعديلة كانت في حقيقتها شخصيات لشباب يجسدها ممثل خمسيني، أقنعنا وأدهشنا عادل إمام بها لفترة لأنه ممثل استثنائي، ولافتقاد الساحة وقتها لنجوم شباب يسدون الفراغ بتلك الأدوار، لكن الأمر تغير وتغيرت معه السينما المصرية للأبد، وكان على الزعيم المواكبة بالطريقة الأصعب.

   تغيير لازم.. من حامد لمعاطي 

قُل ما تشاء عن يوسف معاطي. لكنه الكاتب الوحيد الذي استطاع استيعاب المرحلة العمرية للزعيم، وتقديم فورمات سينمائي يناسبها، قائم على بيرسونا سينمائية مثيرة لأب ذكي ثري خفيف الظل يعشق النساء ويسخر من المثقفين والمتدينين، فاعل وإيجابي في القصة أكثر من الشباب، مغامر ولاذع ونافذ وضعيف وحنون ومتعلق بأسرته. قماشة واسعة بأفكار مبتكرة.

لاحظ أن يوسف معاطي محترف في هذا النوع من الكتابة؛ لأنه كان يفعلها في التلفزيون بالتوازي بمسلسلات يحيى الفخراني. في حين كان وحيد حامد لا يزال منشغلًا بشخصيات الشباب في ديل السمكة ومحامي خلع ودم الغزال، وكاد عادل إمام أن يجسد هذه الأدوار وهو ستيني فيسقط “دون قومة”.

 لنتخيل لو ظل عادل يجسد الأفلام الناقدة للسلطة والأثرياء رغم ميوله السياسية اليمينية الموالية بعلنية لنظام مبارك وابنه حينها، وانتمائه فعليا لطبقة المليونيرات!

بغض النظر عن رأيك في هذه التصنيفات، فالزعيم فضّل أن يقدم ما  يمكن أن نصدقه منه، تعلم مما يحدث حوله، واختار أن يكون نفسه، وأن ينجح بما يشبهه ويؤمن به. الخلاصة أن الزعيم أكمل أسطورته العابرة للزمن والأجيال حين أدرك أن لكل مرحلة مفرداتها وتوجهاتها وبنيتها الأساسية.

شاهد أفلام عادل إمام المرحلة المظلومة:

   السفارة في العمارة 

   التجربة الدنماركية 

   عريس من جهة أمنية 

   مرجان أحمد مرجان 

   حسن ومرقص 


 

للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك