اليساري سلافوي جيجيك: الصوابية السياسية هي تحديدًا ما يطيل عمر العنصرية | ترجمة في دقائق

اليساري سلافوي جيجيك: الصوابية السياسية هي تحديدًا ما يطيل عمر العنصرية | ترجمة في دقائق

14 سبتمبر 2020
سامح سمير دقائق.نت
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

المقال لـ آناليزا ميريلي – ترجمة سامح سمير


ليس الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجيك بالشخص الذي يتحرج من إبداء آراء مستفزة. وها هو يتطرق، من خلال مقطع مصور نُشر على موقع “بيج ثينك” إلى موضوع عادةً ما يُوظف باعتباره ممارسة ثقافية شائكة.. الصوابة السياسية أو “الاحترام الفاتر”، كما يسميه الأكاديميون. فهو يجادل بأن إفساح المجال لتبادل “بذاءات ودودة” من حين لآخر، من شأنه أن يُزيد التقارب بين الأفراد ويسمح لهم بتبادل الآراء والأفكار بصدق ونزاهة.

   الصوابية السياسية.. العنصرية المكبوتة 

يروي سلافوي جيجيك العديد من الوقائع التي أفاد فيها من تحرره الكامل من قيود الصوابية السياسية.. بداية من تعامله مع التوترات الإثنية في يوغسلافيا السابقة، وصولًا إلى الصداقة التي نشأت بينه وبين اثنين من الأمريكان الأفارقة بعد ملحوظة عنصرية أبداها لهما على سبيل المزاح. إذ قال لهما: “أنتم أيها السود، شأنكم شأن الصُفر، تُشبهون تمامًا بعضكم بعضًا.” فما كان منهما إلا أن عانقاه وقالا له بوسعك، إن أردت، أن تنادي كلينا بـ “يا زنجي”.

يقول سلافوي جيجيك: “أنا أعي تمامًا أنه لا ينبغي أن ندور نوزع الإهانات بعضنا على بعض كيفما يحلو لنا.” لكنه يرى “أن الصوابية السياسية تنطوي على شىء ما شديد الزيف” – شىء يحول دون التغلب حقًا على التحيز والعنصرية. ويوضح قائلًا: “هذه هي مشكلتي مع الصوابية السياسية. أنها ليست سوى نوع من التهذب الذاتي لا يسمح لنا بالتغلب على العنصرية. بل إنه هو نفسه ليس سوى نزعة عنصرية مكبوتة وخاضعة للسيطرة”.

ربما يستخدم جيجيك كلمات فجة في التعبير عن فكرته، لكن الفكرة نفسها سليمة.

الديمقراطية التوحيدية | هيا نلعب ونمرح تحت سقف المرشد الأعلى | خالد البري

   تنطوي على نوع من التعالي 

الصوابية السياسية تنبع من الإقرار بوجود العنصرية وانعدام المساواة، والاقتناع بأنه، بدلًا من السعي لعلاجهما، فإن استخدام لغة أكثر لطفًا وتهذيبًا من شأنه أن يفي بالغرض. كما لو أن استخدام مفردات غير جارحة وتجنب النكات الفجة يُغطي قذارة الواقع بطبقة من الطلاء البراق.

ويرى سلافوي جيجيك أن التعبيرات الملتزمة بمعايير الصوابية السياسية تنطوي على نوع من التعالي لأنها، في حقيقة الأمر، تشدد على تلك المظالم. ويضيف قائلًا، “ينبغي أن نحذر كل الحذر من محاربة العنصرية بطريقة تُعيد في نهاية المطاف إنتاج، إن لم يكن العنصرية نفسها، فعلى الأقل تلك الشروط التي تساعد على ازدهارها”.

جميع التعبيرات المنتقاة بدقة لكي تتلاءم مع معايير الصوابية السياسية تنطوي على رسالة ضمنية مفادها أنه ثَمَّ أناس يتمتعون بوضع شديد التميز لدرجة أنه يتعين عليهم استخدام أسلوب غير جارح في كلامهم عن الآخرين – أسلوب لا يتطرق، على سبيل المثال، إلى أصولهم أو لون بشرتهم. فالمعنى الضمني هنا أن أصول هؤلاء المميزين، ولون بشرتهم، ليس بها ما قد يدعو إلى الشعور بالإهانة. ومن ثم فإن النكات والكلمات الفجة لا تستطيع مطلقًا أن تخدش ثقتهم بأنفسهم – لا، الجماعات الأخرى فقط هي التي بحاجة إلى الحماية التي توفرها لهم اللغة الملتزمة بمعايير الصوابية السياسيية.

جريتا ثونبرج.. دليل اليسار لإنتاج جماعات الكراهية | مينا منير

   لنر الاختلافات على حقيقتها 

وبعيدًا عن النكات الجارحة، فإن تجنب اللغة الملتزمة بمعايير الصوابية السياسية يُمكننا أيضًا من تسمية الأشياء بأسمائها. فقد حكى لي صديق من أصدقاء العائلة أن ابن أخيه ذا الأعوام الثلاثة، عند عودته إلى المنزل في أول يوم له في الحضانة، قال لوالديه بحماس شديد: “أصبح لدي اليوم صديق جديد، لونه أسود في أسود!”

سلافوي جيجيك – بطبيعة الحال – لا يتكلم عن العنصرية فحسب. فالجندر، والإعاقة – وكل ما لا يتفق مع المعايير التي يقدمها المجتمع أو الميديا – يجري تغطيتها بطبقة سميكة من الكلمات والسلوكيات المحايدة، من جانب أولئك أنفسهم الذين يزعمون احتضانها. والحال، أن هذه اللغة الخاصة تعمل، رغم نواياها الطيبة، على ترسيخ الاعتقاد بأن ثمة حالات بشرية بعينها لها خصوصيتها، وتتسم بالهشاشة والضعف.

فهل نجرؤ على رؤية الاختلافات كما هي في حقيقتها؟ محض اختلافات ولا شىء أكثر من ذلك؟ وهل سنستطيع يومًا أن نسمي هذه الأشياء بأسمائها، بل وحتى نتناولها من حين لآخر بنكات جارحة، دون خوف من ملامة؟

لعل تبني، ولو جزء قليل، من موقف جيجيك هذا تجاه الصواب السياسي، من شأنه أن يتمخض عما يسميه هو “الشعور الرائع بالتضامن البذىء”. وقد يترتب على ذلك نوع من سوء الفهم، بيد أن تبني نهج أكثر خفة ومرحًا، بطريقة صادقة ومخلصة، من شأنه أن يعكس إيمانًا عميقًا بأن الآخر ليس أضعف منا، ولا بحاجة إلى حماية من أحد، وأنه ند لنا ومن ثم بوسعنا أن نسخر منه، تمامًا مثلما نسخر من أنفسنا.

ثقافة الإلغاء | اليسار خارج السلطة يمارس هوايته في القمع | تعريفات في دقائق

 

للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك