التمييز ضد الأغنياء | عزيزي المواطن احذر.. أنت في مجتمع العنطزة والنفسنة | محمد زكي الشيمي

التمييز ضد الأغنياء | عزيزي المواطن احذر.. أنت في مجتمع العنطزة والنفسنة | محمد زكي الشيمي

10 Aug 2020
مصر
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

العنصرية بالتعريف هي الاعتقاد بتفوق أو بانحطاط عرق معين، وإن كان المصطلح يُستخدم خارج هذا الإطار العرقي أو اللوني، فتسمع مصطلحات مثل عنصري ضد المرأة/ المثليين/ الفقراء/ المسلمين، إلخ، رغم أن التعبير الأدق هنا هو التمييز، الذي ينطلق من عدم الإيمان بمساواة البشر في الحقوق الطبيعية والإنسانية، وأنهم يكتسبون هذه الحقوق بمجرد الميلاد؛ أي باعتبارهم بشرًا.

مجتمعنا متشرب بثقافة التمييز بكافة أشكالها. ويمكن القول أن غالبية المشكلات الاجتماعية هي ناتج مباشر عن ثقافة التمييز التي عاني منها العالم كله، لكنه اجتهد في التخلص منها، ونجح في تحجيمها، بينما نحن نناقش البديهيات في كل تشريعاتنا “من الدستور وأنت نازل”.

لكن العقود الماضية شهدت تصاعدًا في حالة غريبة من التمييز يمكن وصفها بالتمييز ضد الأغنياء. مكمن الغرابة هنا أن الفئات الأضعف كالفقراء قد يكون من الطبيعي أن يُمارس ضدها التمييز، وعليه فإنها تحتاج دائمًا إلى الحماية لتتمكن من الحصول على حقوقها. لكن، لماذا تحتاج الفئات الأقوى ماديًا أو اجتماعيًا إلى حماية؟

ثقافة الإلغاء | اليسار خارج السلطة يمارس هوايته في القمع | تعريفات في دقائق

   حماية للذوق العام 

الفكرة ليست عبثية أو مستحيلة. فأي مجتمع من الطبيعي أن يكون الأغنياء فيه هم عدديًا ضمن الأقلية، وبالتالي فإن كونهم أقلية قد يعني احتياجهم للحماية من الأغلبية، من الناحية النظرية على الأقل.

انقلاب الآية الغريب هذا قد لا يبدو غريبًا عندما يصبح الوضع مقلوبًا من الأساس.. عندما يبدأ التمييز ضد الأغنياء. وهو كذلك. لماذا؟

الأصل في المجتمعات عبر التاريخ هو تقليد الطبقة العليا واختياراتها؛ لأن الطبقة العليا في المجتمع – وباعتبارها طبقة مترفة – تجد لنفسها الكثير من الوقت لتتعلم الفنون والآداب والعلوم، وتستمتع بها، وتجد لنفسها أيضًا المال اللازم للإنفاق على مظاهر حضارية وجمالية لا يملك الفقير المشغول بقوت يومه الانشغال بها. ولهذا كانت هذه الطبقة حامية الآداب والفنون والمعارف والتطور الفكري والمعرفي، وأداة انتشاره بالتقليد في المجتمع، حتى ولو لم يكن إنتاج هذه الأمور بالضرورة من أبناء نفس الطبقة.

هؤلاء الجالسين في البلاط الملكي في أوروبا من الأمراء والنبلاء هم من قربوا وحموا عباقرة الموسيقى والأدب والفن وحتى الفكر الديني. نذكر مثلًا حماية فردريك الثالث لأفكار مارتن لوثر في الإصلاح الديني، ودعم الأرشيدوق رودلف لبيتهوفن، كلها وغيرها شواهد للدعم المباشر. لكن الأهم منه هو الدعم غير المباشر، كون مستهلكي ومتذوقي هذه الفنون والأعمال الأدبية والفكرية والمعمارية، بل وحتى طرازات الملابس والعطور، وقواعد الإتيكيت، كانوا أبناء الطبقة الغنية. وبالتالي فالمجتمعات اعتادت أن مصدر الذوق الرفيع هو هذه الطبقة بحكم ثرائها المادي وترفها الحياتي، قبل أن يقلدها باقي المجتمع تدريجيًا للتشبه بها، بحيث تصبح القواعد نفسها سارية في المجتمع ككل مع اختلاف المستوي المادي.  تقاليد النبلاء البريطانيين القديمة مثلًا لا تزال تصبغ الحياة في بريطانيا بدرجة كبيرة حتى اليوم.

جريتا ثونبرج.. دليل اليسار لإنتاج جماعات الكراهية | مينا منير

   اليسار.. ميراث القبح 

مع بداية القرن العشرين وانتشار أفكار اليسار في تمجيد الطبقة العاملة، أصبح هناك طرح بديل من تمجيد أدب وفن وأفكار أقل ارتباطًا بالطبقة العليا، ولم يكن لهذا تأثير سلبي كبير في المجتمعات التي قطعت شوطًا حضاريًا كبيرًا كمجتمعات غرب أوروبا أو في المجتمعات التي انطلقت صناعيًا كالولايات المتحدة، لأسباب مرتبطة بقدرة المنظومة الرأسمالية في النهاية على استمرار خلق طبقة عليا باستمرار، وما يميزها كونها ليست من عائلات نبيلة بالضرورة، بقدر ماهي من عصاميين نجحوا بشكل مبهر فانفتحت لهم الأبواب.

في البلدان الأقل تحضرًا مثل روسيا القيصرية انتهى تبني هذه الأفكار وانتصارها بعد الثورة البلشفية إلى انتشار حالة من القبح، يمكن ملاحظته في القبح المعماري لمباني دول الكتلة الشرقية، كما يمكن ملاحظته في كثير من أشكال الانحدار الحضاري الأخرى التي صبغت هذه الدول ما عدا مجالات محدودة أمكن الحفاظ عليها لكونها مرتبطة بموروثات ثقافية.

إلا أن الدول التي كان حظها من الحضارة الحديثة أقل بجميع المعايير بما في ذلك القطيعة المعرفية الطويلة لغياب الطباعة لقرون كانت الأسوأ حظًا على الإطلاق بسيطرة تلك الأفكار؛ لأنها جاءت قبل أن تنضج هذه المجتمعات، فكان الدخول في صراع طبقي مع الطبقة الأغني عقب يوليو 1952 في مصر لا تنحصر نتائجه في كونه صراعًا طبقيا فقط، بل صراع أفكار عنيف يحمل أفكار الريف والمجتمعات الزراعية البدوية في مواجهة أفكار المدينة والمجتمعات الصناعية.

وبينما تسلح الطرف الأول بالقوة والعدد والسلطة السياسية والدينية والثروات التي أممها، فإن الطرف الآخر لم يمتلك سلاحًا لمواجهته، فاكتفى بالسخط وهو يري كيف تم استغلال الحقد الطبقي لتهديده وتخويفه حتى من التعبير عن نفسه.

كلنا أولاد تسعة | اللمبي زعيما لليسار والإنسان كيوم ولدته أمه | خالد البري

   التمييز ضد الأغنياء 

بهذه الطريقة تم تحطيم (نموذج النخبة) في المجتمع إذا صح التعبير، واعتماد نخب بديلة لم تتلق الفكر والذوق الرفيع الكافي تحت شعار القضاء على الإقطاع.

وزاد الطين بلة عندما جاء الانفتاح في السبعينات ليصعد بطبقة ثالثة لا تمتلك المزيد من هذه الشروط سواء من العائدين من الخليج أو من المهن الأقل تدريبًا وتعليمًا في المجتمع، بينما ارتفع شعار العودة لأخلاق القرية، وهو مشهد تكرر كثيرًا منذ السبعينيات ليصبح هناك في المجتمع مجموعات كل منها يعتبر نفسه مظلومًا وكل منها يعتبر نفسه الأحق سواء بحكم المعرفة والعلم أو بحكم الأفكار والذوق الفني والأدبي الرفيع أو بحكم توافر المال أو حتى بحكم الأفضلية الدينية (عند الله).

التداخل الغريب والتزاوج الاجتماعي بين هذه المجموعات على مدى أجيال خلق بدوره في النهاية مجموعة ضخمة متشابهة كالمباني السوفيتية تختلف في أمور كثيرة، لكنها تتفق في كل شرائحها على ممارسة الحقد (أو النفسنة) ضد كل الطبقات والشرائح الأغنى وممارسة الاحتقار (أو العنطزة) ضد كل الطبقات والشرائح الأفقر.

ستكونين أنت الحذاء.. أزمة الاقتصاد المصري في أغنية المهندس حسام | رواية صحفية في دقائق

   القفز إلى الاستعلاء 

في فيلم (اضحك الصورة تطلع حلوة) إنتاج عام 1998، تُذكر عدة جمل مهمة على لسان الأبطال عند الحديث عن الأغنياء (‘حنا صغيرين قوي يا سيد) (لا يا أما إحنا مش صغيرين، إحنا كبار قوي بس مش عارفين نشوف نفسنا) (لما تكون العروسة غنية العريس ممكن يغمض عينه عن أي حاجة، بس بنات الفقرا بيتجوزوا بشرفهم بس).

شاهدت الفيلم في السينما في حينه في قاعة مليئة بجمهور عادي: جملتا الحوار الأولي اجتذبت التعاطف ومصمصة الشفاه، والجملة الأخيرة اجتذبت تصفيقًا استمر لثوان.

تلك الجمل الثلاث برغم روعتها في سياق الفيلم، فإنك لو حللتها خارجه ستشتعر لماذا تعاطف الجمهور وصفق، عندما تستشعر في البداية ضآلة في قرارة نفسك أمام الآخرين، ثم تتعامل مع الموضوع بتجاهل وانكار واقتناع كامل بأنك مساو تمامًا للآخرين، لتقفز في النهاية إلى الاستعلاء بما تري أنك تملكه ولا يملكونه وهو في هذه الحالة (الشرف) أو الأخلاق عمومًا، وكأن الغني بالضرورة معدوم الأخلاق أوأنه يمكن أن يتغاضى عن غيابها.

وطالما أن أفراد المجتمع لا يجدون طريقة للافتخار بذواتهم والتعبير عنها إلا عبر العنطزة والنفسنة على الآخرين فإن المجتمع لن يتجاوز مراهقته تلك، وهو أمر لن ينتهي إلا عندما يؤمن الفرد بحقوق الآخرين بقدر إيمانه بحقوقه لا أن يرى الأمور على مقاسه وحده.

تحرشوا تصحوا: الحق والحقد والسينما النظيفة | خالد البري

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك