الوجودية المسيحية بين بولس ونجيب محفوظ: قراءة في رواية “الطريق” | مينا منير

الوجودية المسيحية بين بولس ونجيب محفوظ: قراءة في رواية “الطريق” | مينا منير

13 Nov 2019
مينا منير دقائق

مينا منير

باحث بجامعة لوزان - سويسرا

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

لا ديانة أو مدرسة فلسفية في القرن الأول لم تطرح رؤية لموقف الإنسان من الوجود: من أين أتى؟ إلى أين يمضي؟ وبينهما: كيف يعيش؟

شوق الإنسان للانتصار على مآسي الحياة – وعلى رأسها الموت – دعاه للتطلع للأصل الإلهي الذي أتى منه، أو الهدف الإلهي الذي يتطلع إليه، وهو ما سُمي في الأدب الروماني واليونان القديمين بالتأله، أي الإتحاد بالله (أو الألوهة) وعبور حاجز الموت.

بين الأديان العظمى ومدارسها الفلسفية كانت أول جماعة مسيحية تتقفى أثرها. قضيته يسوع الناصري نفسه كانت كيف يُعرف وجود الإنسان في حوار مع الواقع السياسي والديني؟! كل العقائد الدينية، الاجتماعية أو سياسية تعرض لها بقراءته الخطيرة في بساطتها، ما أدى إلى إعدامه صلبَا.

لأسباب يطول شرحها، اعتقدت الجماعة المسيحية الأولى أن يسوع قام من بين الأموات. هنا فقط تحولت حياة وسلوك يسوع إلى حالة اعتقد المسيحيون أنها ما يتطلع له الإنسان: التأله. لهذا اعتقد كثير منهم أنها نهاية العالم. هذا ما يُسمى باليونانية، وعنه إلى الإنجليزية، بالإسخاتولوجية Eschatology، أي حضور الحالة النهائية.

   رواية بولس 

بين الأفكار الفلسفية الكبرى في ذلك الزمن والمسيحية الفتية، استلزم الأمر شخصًا يهودي الديانة، روماني الجنسية، مجيدًا للغات القديمة الأساسية، دارسًا للفلسفة، وعلى قدر كبير من الثقافة مثل الشاب الآتي من بلدة طرسوس.

طرح بولس لأول مرة في تاريخ المسيحية رؤية كاملة لكل القضايا الوجودية في سردية. لخص تلك الحالة في رواية الإنسان العالق بين آدمين: آدم الأول الذي يمثل الإنسان العتيق وآدم الأخير: ما يجب أن نكون عليه كبشر إذا قبلنا الانفتاح على الله.

بسقوط آدم الأول أتى بالموت والخطيئة إلى العالم، وهو المصدر الرئيسي لما نحن عليه. أما آدم الأخير فليس الحيواني المخلوق من طين، بل الروحي؛ أي حالة يسوع بعد الموت.

في هذه الرواية عن السقوط والخلاص، يقلب بولس السيناريو القائم في فكرة فلاسفة من زمنه، مثل فيلون في القرن الأول، ليتصادما فكريًا في مدينة كورنثوس التي شهدت خلافًا بين أتباع بولس الذين آمنوا بالرواية السابقة، والمسيحيين الآتين من خلفية سكندرية، وقد رأوا أن الإنسان الأول هو الروحي (1 كو 15: 44-49).

بين آدم العتيق والجديد، تحول الفكر المسيحي إلى عقائد بنهاية القرن الثاني، تشكلت فيما يُعرف بالخطيئة الأصلية؛ أي وراثة ذنب آدم (رومية 5: 12-21)، وضرورة الاعتقاد في المروية الميثولوجية كتاريخ وعقيدة (الخلق والسقوط، إلخ).

نماذج التفكير الحر التي شملت طرقًا أخرى غير طريق بولس أخذت في الأفول، ومنها رؤية أن علاقة الله بالإنسانية مرتبطة بالمحبة، وليست الأطر الدوجمائية التي خُلقت لاحقًا.

قليلون من نجحوا في عبور العقائد الجامدة والعودة إلى حالة الإبداع والتفكير الرمزي الذي كان عليه أصحاب هذا الفكر، لكن المدهش أن أحد هؤلاء كان الروائي المصري نجيب محفوظ.

مارسيون السينوبي.. رجل الأعمال المنبوذ كنسيًا مخترع العهد الجديد | مينا منير

   رواية الطريق 

كما استخدم بولس رواية، استخدم نجيب محفوظ رواية أخرى يعالج فيها الرؤى المسيحية – وأهمها رؤية بولس – لقضية وجود الإنسان، في روايةٍ “الطريق”، وهي إحدى رواياته غير المشهورة المعروفة بالثلاثية الوجودية في أول الستينيات، والتي انغمس فيها مشكلًا آراءه عن الله والأديان، قبل عمله الكبير أولاد حارتنا.

يحتاج القارئ إلى معرفة جيدة بالنقاط التي ذكرتها في الوجودية المسيحية وعناصرها لكي يرى ما كان يتصارع معه نجيب فكريًا في تلك الرواية، وإليك معالجته.

   ابن ابنة عمران! 

الشخصية المحورية في “الطريق” هي الشاب صابر، هو ليس آدم العتيق ولا المسيح، وإنما الإنسان الحائر بينهما. هو القداسة والخطيئة، السلام والعنف. هو باختصار حالة الإنسان المتمزق بين الآدمين في رحلة البحث عن ذاته.

أما ذاته فلا تُلبى في عمله، ولا في علاقاته الواسعة، ولا في شيوخ حارة الأنفوشي، ولا رجال الدين الذين سيتعامل معهم تباعًا، وإنما في الحقيقة التي ستكشفها له أمه قبل موتها.

هنا تبدأ الرموز في التوالي لوضع القارئ في الصورة. صابر هو ابن بسيمة بنت عمران. اسم بسيمة لا يدل على هويتها، إنما “بنت عمران” لا تخطئه عين القارئ في تمييز الإشارة إلى مريم العذراء (بنت عمران في التقليد الإسلامي).

تعلن بسيمة لابنها حقيقة أنه لن يرتاح إلا في معرفته بأبيه الحي: سيد الرحيمي، في إشارة لا تخطئها العين إلى الله. فالله هو أبو صابر في الرواية، ولن يجد صابر راحة إلا في حضن أبيه.

يكرر صابر في لقائه الأخير بأمه: لماذا الآن فقط يجب أن يبدأ البحث عن أبيه، في سن الثلاثين؟ يكرر ذلك ثلاث مرات في مواضع مختلفة. هو السن الذي بدأ فيه المسيح رحلته. (لو 3: 23)

المسيح خارج الأناجيل: كيف تخيل الروائيون شخص يسوع الإنساني؟ | مارك أمجد

   سيد الرحيمي 

الحديث الخطير الذي كشفت به بسيمة لابنها الحقيقة يؤسس للأزمة الوجودية التي يعيشها صابر. بسيمة لا تلوم سيد الرحيمي على اختفائه، فهي التي تركته بعد أن “سقطت” في الغواية مع “رجل من طين”، تسبب لاحقًا في دخولها السجن لسنين طويلة. تلك هي الرواية الأساسية للسقوط، والمفردات كلها تأتي من الرواية في سفر التكوين. وحين يسألها صابر إن كان أبوه سيعرفه، فترد بسيمة باقتباسٍ واضح: فصابر “على صورة” أبيه (تك 1: 26)، وبالتالي لن ينكره.

ولأن نجيب محفوظ يستخدم المدن كرموز لعوالم مختلفة، توصي بسيمة صابر بالبحث عن أبيه في القاهرة لا الإسكندرية. يهال صابر الأمر ليذكرنا بأنه لم يذهب إلى القاهرة وإنه أمر جديد بالنسبة له.

أخيرًا، توصي بسيمة المحتضرة ابنَها صابر بالوصية الأهم والتي لم يستطع اتباعها: ألا يختار طريق العنف، بل السلام، حتى في وجه مدعي الشرف الذين يحللون ويحرمون (في إشارة إلى المؤسسة الدينية) وهم كما تقول خالون من الشرف.

الإيمان والدين.. أيهما الطريق إلى الآخر؟

   الخطية والأمل 

هذا هو الواقع الذي يجد صابر الإنسانية فيه، خطيئة العار التي ورثها عن أمه، الأمل في إيجاد أبيه الثري العظيم الذي يعيش في مدينة لا يعرفها، وفي ذلك الأمل لـ “الخلاص” من ذلك العار وخلق إنسان جديد، لأن البديل هو الانحدار نحو “البلطجة والقوادة”.

يخوض صابر الرحلة التي ينفق فيها كل إرثه، وفي طريقه يلاقي كل أنماط وصنوف النفاق الديني والاجتماعي، والخير والجمال أيضًا، ممثلًا في شخصياتٍ عديدة. المغامرة التي تُفقده صوابه بسبب تكريسه الكامل لها وفشله في اقتفاء أثر أبيه تجعله في مواقف يتساءل فيها عن وجود الله في حضرة أصدقائه. ففي وسط كل العنف والمجاعات يسأل: “أين الله خالق كل شيء وحافظه؟” ليجد صديقًا يذكره بأن أحدهم كان يعرف الله دون الحاجة لمعرفة الدين، وهكذا. في تلك الأحداث يرتكب كل الفضائل والرذائل معًا، وفي سبيل حبه أمعن في الكراهية وقتل مرتين.

حياة برايان وحياة يسوع.. فيلم يزدري الازدراء | مينا منير

   حقيقة الإله 

ينتهي الحال بصابر إلى السجن في انتظار الإعدام، إلا أن نفس الأمل يسيطر عليه: أمل العثور على أبيه الثري العظيم مطلق القوة الذي يمكنه أن يخلصه” حتى فوق القانون، فيدخل في نقاش مع محاميه حول أبيه الأقوى من القوانين التي تحدد حياتنا (الشرائع). هنا لا يجد المحامي بدًا إلا إخباره بمعلوماتٍ أخيرة عن أبيه. وهنا تختتم الرواية بحديث آخر خطير كحديث بسيمة الذي بدأت به الرواية.

اكتشف المحامي أن الرحيمي لم يعش ولم ينتمِ لمكان واحد، وإنما عاش من أجل الحب وحده، فأحب الناس في كل مكان، ولم يكن له عنوان يحده أو أبناء وحدهم يمثلونه. وبينما كان صابر يبحث عنه في القاهرة ويسأل البشر عنه، كان الرحيمي يلتقي بـ “برهان” (لاحظ الاسم) جار صابر في الإسكندرية، محامٍ هرِم. وأعطاه كتابًا عن المحبة التي هي معنى الحياة وحدها، وكأس خمر (للمطلعين، فالكتاب وكأس الخمر هما ما يوضع على المذبح في الكنائس أثناء الاحتفال بالقداس). المحبة إذًا هي كانت كل ما يحتاجه صابر ليكتشف نفسه ويكتشف أباه، ولا حاجة للبحث عنه دون ذلك.

معالجة نجيب محفوظ لرواية الإنسان المسيحية بها ما يسجل تقديره له، وما ينتقده بشكلٍ لاذع، سواء في قضايا كلامنطقية عقائد الخطيئة الأصلية، أو ضرورة البحث عن الله الآب في الشرائع والنظم والمجتمعات من أجل الخلاص، وليس في شريعة المحبة في بساطتها.

لكن الأهم بالنسبة لي هي رؤية محفوظ للإنسان في رحلته بين أصله وهدفه على أنه نموذج غير مكتمل: مزيج مما يستشرفه في المستقبل وما يرثه من ألم الماضي، وبالتالي لا يمكن فضل الآدمين في التكوين الوجودي للإنسان، أي أن الحاضر فيه الماضي والمستقبل معًا.

أضف إلى ذلك حقيقة أن البحث عن الله في رؤية محفوظ عبثية إن لم تكن بحثًا عن المحبة في بساطتها التي تتجاوز الفروق الدينية والقبليات، فالرحيمي أرسل الكتاب والكأس من “الهند” و”الكونغو” وكتب رسائله لبرهان، الذي كان على بعد أمتار من عقل جاره صابر، بدون عنوان.


في ذكرى معروف الرصافي.. هل حان الوقت لمراجعة قرار منع كتابه الشخصية المحمدية؟ | مارك أمجد

هيثم أحمد زكي.. الشخصية التي لم يكتبها نجيب محفوظ في بداية ونهاية | عمرو عبد الرازق

مراسلات السلام | ساسون سوميخ.. الإسرائيلي الذي صنع عالمية نجيب محفوظ | مينا منير


رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك