أحد هؤلاء سيخلف خامنئي.. لكن من سيحمل وصية الخميني؟ | عبد الله عيسى الشريف

أحد هؤلاء سيخلف خامنئي.. لكن من سيحمل وصية الخميني؟ | عبد الله عيسى الشريف

14 يناير 2020
إيران
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

قبل 7 أشهر من وفاته، وبالتحديد في يونيو 2016 تجرأ رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام آنذاك أكبر هاشمي رفسنجاني وتحدث علنًا عن تشكيل لجنة لدراسة المرشحين المحتملين لخلافة المرشد الأعلى علي خامنئي، معيدًا التطرق لـ “أكبر المحرمات: التي فتحها من قبل في ديسمبر 2015.

النقاش اتسع فى السنوات الأخيرة. بين التاريخين طالب خامنئي نفسه في مارس 2016 باختيار زعيم “ثورى” يخلفه، لكن الدوائر الرسمية الأدنى ما زالت تتجنب الخوض في بحث خلافة الولي الفقيه؛ تجنبًا لخطر تقويض أقوى شخصية في إيران أو تعد للخطوط الحمراء. فماذا سيحدث لإيران عندما لا يكون المرشد الأعلى علي خامنئي في السلطة؟

   رؤية فقهية 

ما بين موسِّع ومُضيِّق، اختلف فقهاء الشيعة حول “نظرية الأعلميَّة”، ويُقصد بها الشخص/ الفقيه الأعلم في أمور الدين، والأدق والأقدر على استنباط الأحكام الشرعية من مصادرها، والذي يحتل مكانة خاصّة وسط المقلدين الشيعة، بحيث يصير نائبًا عن الإمام المعصوم في أمور الدين والدنيا.

بعض الفقهاء حصروا القدرة في دائرة الحلال والحرام، بينما وسعها آخرون إلى جميع المعارف الدينية. وعلى الثانية تجري الأعراف الشيعية حتى صارت الإطار التقليدي للمرجعية الذي لا يمكن القفز عليه بقبول جماهير المقلدين.

بيد أن القيادة في إيران اضطرت أثناء الثورة وبعدها للقفز على نظرية الأعلميَّة، خصوصًا بعد رحيل الخميني؛ إذ كان مفترضًا أن تؤول القيادة للمرجعية العليا الممثلة في آية الله محمد رضا الكلبايكاني، لكن النظام آثر احتكار القيادة السياسية في شخص محسوب على الثورة مقرب من الخميني.

من ثم، فإن النظام قفز على التنظير حول الولاية العامة للفقيه بتولية “حجة الإسلام” علي خامنئي خلفًا للخميني، الذي أعمل سيف السلطة وجبروتها لتجريف الأرض من المراجع المناوئين أو حتى المنافسين، ولجأ إلى عامل الوقت لإفراغ الساحة من المراجع الكبار مقامًا وعمرًا، وتهيئة الرأي العام لقبول خامنئي مرجعا سياسيا وفقهيا، حيث عمل النظام على ترميزه وصناعة أعلميَّته بالزعم بأنّه تفقّه ووصل درجة الاجتهاد.

وبوفاة كلبايكاني، الذي كان يحظى باحترام حوزوي كبير، عام 1993، دعمت الحكومة آية الله محمد علي الأراكي تكتيكيًّا ومرحليًّا؛ كون كبر سنه يُسهل التحكم به، وكونه محسوبًا على النظام بالأساس.

وبعد سنة واحدة من وفاة كلبايكاني، توفي آراكي سنة 1994، لتصبح الفرصة مناسبة لطرح اسم خامنئي كمرجعية عليا؛ أي اندماج المؤسسة الدينية بالقيادة، والعودة إلى المشهد الذي كان سائدًا في عهد الخميني، بسيطرة خامنئي على الدين والسياسة.

صراع آيات الله.. هل يحدد السيستاني خليفة خامنئي؟ وهل تعود النجف لقيادة قم؟ | س/ج في دقائق

   ألغاز اختيار خامنئي 

بحسب المادة 107 من الدستور، اختيار المرشد الأعلى مسؤولية مجلس خبراء القيادة، وهو الهيئة الدستورية الوحيدة التي تملك صلاحيات عزل المرشد بحسب المادة 111، لكنه لم يستخدم سلطة مراقبة المرشد مطلقًا منذ تشكيله 1979.

المجلس يضم 86 عضوًا ليس فيهم إمرأة، ينتخبون بالاستفتاء الشعبي المباشر لدورة واحدة كل ثماني سنوات، ويفاضل بين جامعي الشرائط من أعضائه لاختيار المرشد في حال عدم ترشح الشخص المناسب من خارجه.

أعضاء المجلس قاموا بهذا الدور مرة واحدة، حين اجتمعوا فورًا بعد وفاة الخميني ليختاروا خامنئي لخلافته في 1989، وسط كثير من الألغاز.

العام نفسه شهد تعديل الدستور لتقليل اشتراطات المنصب، لتنطبق على حجة الإسلام خامنئي – الذي لم يُكمل حينها مدته الرئاسية الثانية.

لم يكن خامنئي حاملًا للقب آية الله – شرط المرجعية ليكون مرشدًا[1]– فهو بالرتبة المتوسطة كرجل دين، لكن رئيس البرلمان أكبر هاشمي رفسنجاني حسم الأمر بوصية قال إن الخميني حمله إياها قبل وفاته.

وفي جلسة مجلس الخبراء لاختيار المرشد الجديد، ادعى رافسنجاني أن الخميني أوصاه ألا ينظر إلى أبعد من خامنئي في اختيار خليفته، فصدق مجلس الخبراء على الوصية سريعًا، وأسدل الستار على اختيار المرشد، وبالتالي حدث تقاسم ناعم للسلطة بين الصديقين. رفسنجاني، الذي كان يرأس البرلمان حينها، تلقى مكافأته برئاسة الجمهورية خلفًا لخامنئي.

الخلاف بين مرجعية قم الإيرانية و النجف العراقية وتأثيره على ميليشيات العراق | عبدالله عيسى الشريف

   معركة خلافة خامنئي 

عواصف التغيير “الجذري” تُلقي بظلالها على إيران. كل الشواهد تُشير إلى أنها قادمة لا محالة، في ظل العقوبات الأمريكية وتزايد وتيرة الاحتجاجات على وقع الانهيار الاقتصادي، ومقتل قاسم سليماني الذي قد يكون المسمار الأهم في نعش النظام، لكن تحولًا جذريًا آخر قد يطرأ بتدخل قدري إذا توفي خامنئي الملاحق بسرطان البروستاتا، والذي قد يفضي انسحابه القسري إلى تغير نوعي. فمن يخلفه؟

طريقة تولي خامنئي نفسه تصعب مهمة تصديق بأن مجلس الخبراء وحده سيختار خليفته دون ضغط نخب سياسية مؤثرة، بخلاف الدور المتوقع للحرس الثوري الذي يتحكم في كل مفاصل إيران، والذي سيكون اللاعب الرئيسي في حسم الخلافة.

الأروقة السياسية في إيران تتناقل أسماء سياسية ودينية، لكن ثلاثة أطراف تتصارع بالداخل حول الأمر:

أحدهم: يرفض نظام ولاية الفقيه ويطالب بإلغائه ويريد أن يكون المرشد منتخبًا، والثاني يسعى لتطوير المنصب ليختاره مجلس الشورى، ويمثله التيار الإصلاحي، فيما يسعى المحافظون ورموز الدولة العميقة من رجالات الحرس الثوري لإبقاء الوضع على ما هو عليه.

العقم السياسي| عائلات بعينها تحكم إيران.. إليك ثلاث منها | عبد الله عيسى الشريف

لذا، فإحتمالات الاضطراب بعد وفاة خامنئي بتصعيد الاحتجاجات أو الاقتتال بين فصائل النظام نفسها آخذة في التصاعد، وتتمثل بورصة المرشحين فيما يلي:

  • مجتبى خامنئي: ابن المرشد الحالي، المشمول بالعقوبات الأمريكية في نوفمبر 2019، والذي يلعب دورًا في اختيار قادة الحرس الثوري، بما يعنيه من نفوذ في المؤسسة العسكرية.

معروف في الأوساط الإيرانية بارتباطه بقوات الباسيج وأجهزة الاستخبارات. ورغم افتقاره للمؤهلات الدينية والسياسية، لكنه يبقى في مقدمة الأسماء المطروحة لنفوذه المالي والأمني. وسعى في السنوات الأخيرة لتذليل العقبات بالانخراط في الدروس الدينية للوصول إلى مرتبة مجتهد، بينما سعى رجال الدين المقربون من خامنئي للمساعدة في رفعه إلى مرتبة “الفقيه”. لكن عليه أولًا تجاوز ثلاث عقبات: الحوزة العلمية في قم، وأتباع الإمام الخميني المشهورين، وطبيعة النظام الثورية والمناهضة لعملية التوريث بهذه الصورة الفجة.

لكن مراقبين يفسرون سكوت خامنئي على دور ابنه، بما في ذلك تدخله في الانتخابات وإدارة شؤون مكتبه وسيطرته على استخبارات الحرس الثوري، كضوء أخضر لإعداده لخلافته.

  • حسن الخميني: حفيد قائد الثورة الإيرانية، والذي يشار إليه بـ “الإمام” في إيران. دور الخميني الحفيد مبني على الإرث الأبوي، فهو الابن الأكبر لأحمد الخميني، يد خامنئي اليمنى، وأحد أهم مساعديه في الوصول للمنصب بجانب رفسنجاني.

درس بالحوزة العلمية في قم، والآن بات أحد المدرسين الأمهر والأكثر شهرة هناك. ولكونه محسوبًا على التيار الإصلاحي فقد قضت وصية خامنئي بانتخاب خليفة ثوري على طموحه للمنصب.

  • إبراهيم رئيسي: الرئيس الحالي للسلطة القضائية والنائب الأول لرئيس مجلس خبراء القيادة، وسادن العتبة الرضوية المقدسة.

برز اسمه قبل سنوات كأحد أبرز عناصر السلطة المتورطين في مذبحة السجناء السياسيين في عام 1988، عندما ظهر تسجيل نادر لأحد قادة الثورة آية الله منتظري – الخليفة المفترض للخميني قبل عزله لصالح خامنئي- كاشفًا المسؤولين عن تصفية آلاف المعارضين السياسيين في ثمانينيات القرن الماضي.

ورغم تواضع مؤهلاته مقارنة بالمنصب، لكن علاقته القوية بالمرشد والحرس الثوري، ومحاولات تلمعيه عبر الإعلام الرسمي، تشير إلى أن شيًئا ما يدور خلف الكواليس.

في 2018، زاره رئيس الحرس الثوري في مدينة مشهد – حيث يشرف على إدارة ضريح الإمام الرضا – وبصحبته كبار الضباط لتقديم تقرير حول الأنشطة الإقليمية. خلال الزيارة، ظهر رئيسي جالسًا على كرسي، بينما جلس ضيوفه على الأرض، في إظهار ملحوظ للاحترام.

  • حسن روحاني: الرئيس الحالي يسعى للاستفادة من الأوضاع المضطربة بتحويل التركيز مجددًا إلى الحرس الثوري وفرض نفسه كرقم لا يمكن تجاوزه في المعركة المقبلة على كرسي المرشد.

ومن آن لآخر، يتردد اسم روحاني داخل أروقة الملالي كأحد الأسماء المرشحة لخلافة خامنئي، مدعومًا بشعبية متذبذبة لكنها مقبولة، فضلًا عن علاقاته الخارجية الواسعة، وانتمائه للمجمع الديني برتبة حجة الإسلام لكن يظل العائق أمام بلوغه مرتبة المرشد خصومه من الحرس الثوري.

بجانب هؤلاء، لا يمكن استبعاد طامحين آخرين، بينهم رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام آية الله صادق آمولي لاريجاني، وعضو فقهاء مجلس صيانة الدستور آية الله محمد يزدي، وكلاهما من المتشددين الأصوليين.


[1] توجد ست مراتب محددة للذين ينخرطون في سلك الدراسة بمسجدي “على” بالنجف و”فاطمة المعصومة” بقم؛ الأولى: طالب العلم، وعند تخرجه يصبح مجتهدًا، والثالثة: مبلغ الرسالة، والرابعة: حجة الإسلام، والخامسة: آية الله، والسادسة والأخيرة: آية الله العظمي، الذي يصبح بشكل تلقائي مرجعية: أي شخص يرجع إليه الناس في كل شئ.

وحسب التقاليد الشيعية، يستحيل اجتماع أكثر من 5 آيات عظمي في نفس الوقت.

يمنع الدستور الإيراني منذ دستور 1906 القبض على آيات الله العظمي، لذلك جري الإسراع بقبول بحث الخميني “تحرير الوسيلة” ليترقى من درجة آية الله إلى آية الله العظمي لمنع الشاه من اعتقاله، ما اضطره لنفيه خارج البلاد قبل أن يعود على شرائط الكاسيت ليجلس على كرسي الشاه ذاته.   


   ملف ٤٠ عامًا على الثورة الإيرانية في دقائق


للمشاركة لـ فيسبوك

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك