رفاعة الطهطاوي.. رائد “التنوير المشوه” في مصر | عبد السميع جميل

رفاعة الطهطاوي.. رائد “التنوير المشوه” في مصر | عبد السميع جميل

4 أبريل 2020
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

بعد حالة انحدار مرت بها مصر تحت الاحتلال العثماني، وصلت الحملة الفرنسية في 1798. حملت العلماء بجانب العساكر، فخلقت تحديات ثقافية وصدمة عسكرية وحضارية في مصر.

هنا، ظهرت الحاجة لرد فعل لازم لتفادي الصدمة، فظهر مشروع محمد علي للنهضة وبناء مصر الحديثة.

ارتبط مشروع محمد علي السياسي بفكر وثقافة وعلوم جديدة ومختلفة ساهم فيها صفوة محدودة ومختارة بعناية من شيوخ وطلاب الأزهر، كان علي رأسهم رفاعة الطهطاوي.

   إمام باريس 

وُلد رفاعة الطهطاوي في طهطا بمحافظة سوهاج عام 1801. حفظ القرآن وتعلم القراءة والكتابة، وتأثر بثقافة عائلته التي كانت زاخرة بالمشايخ.

التحق بالأزهر 1817، وتخرج عام 1822، وعمل بالتدريس ثم الجيش، وتتلمذ علي يد الشيخ حسن العطار الذي احتك بعلماء الحملة الفرنسية واطّلع على كتبهم وتجاربهم وعلومهم، وتولي مشيخة الأزهر في عهد محمد علي سنة 1830. وأرسلت البعثات العلمية إلي أوروبا بدعوة منه. وهو مَن أوصي محمد علي بتعيين رفاعة الطهطاوي إمامًا للبعثة المرسلة إلى باريس في 1826.

خلال خمس سنوات هي مدة بعثته درس اللغة الفرنسية ومختلف العلوم التطبيقية، وقرأ مؤلفات فولتير وروسو، ومونتسكيو، وقبل انتهاء البعثة كان قد ترجم أكثر من 12 كتابًا! وفور عودته من فرنسا عام 1932، أصدر كتابه الأشهر “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” وعمل مترجمًا بمدرسة الطب.

كانت مهمته في البعثة لا تتجاوز كونه إمامًا للصلاة، وواعظًا مسئولًا عن الحفاظ علي قيم وتقاليد طلاب البعثة، فإذا به ينقلب علي تلك المهمة، ويتمرد علي تلك القيم ويدعو للتمدن والتحضر علي الطريقة الحديثة!

الإسلام وأصول الحكم.. قصة كتاب كشف ملامح مصر بعد ثورة 1919

   المؤسس الأول 

سبق الجميع بكل شيء عظيم في مصر، فهو مؤسس أول صحيفة تخاطب الجمهور بالعربية لأول مرة، وأول مجلة ثقافية “روضة المدارس” وأول تعليم نظامي، وأول مدرسة للمحاسبة، وأول مدرسة للإدارة، وأول مدرسة ألسن لترجمة الكتب وتخريج المترجمين، وأول متحف للآثار المصرية وصيانتها ومنع تهريبها والتجارة فيها، وأول من نادي بتعليم وعمل المرأة في مصر، وأسس مكاتب لمحو الأمية، ومدارس ابتدائية.

تعرض المشروع للتوقف بعد نفيه أربع سنوات للسودان حين تولي الخديوي عباس حكم مصر، وعاد سنة 1854 بعد وفاة عباس بنفس النشاط ليستكمل مشروعه في عهد سعيد وإسماعيل، فترجم تشريعات نابليون والقانون التجاري الفرنسي وأكثر من 25 كتابًا. وأصدر أهم كتبه سنة 1870م “مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية” ثم “المرشد الأمين في تربية البنات والبنين” سنة 1872 قبل وفاته بعام.

محمد عبده “الكافر” الذي أسس جماعات الإسلام السياسي| عبد السميع جميل

   تنوير لم يتجاوز زخارف الحداثة 

لا يمكن إنكار نباهة ونشاط وتأثير رفاعة الطهطاوي في تاريخ مصر، ولا يمكن أيضًا ترك تجربته بلا قراءة نقدية. كون خطابه مازال يعمل دون أن نتجاوزه إلى الآن.

في كتابه لعبة الحداثة يذهب الدكتور علي مبروك إلى أن خطاب رفاعة الطهطاوي – للأسف – قائم علي التناقض والتلفيق والتجاور بين المتناقضات؛ فهو يكتب – مثلًا – “تدبير الدولة المصرية” ويقول:

إن للملوك في ممالكهم حقوقًا تسمى بالمزايا، فمن مزايا المَلك أنه خليفة الله في أرضه، وأن حسابه على ربه، فليس عليه في فعله مسؤولية لأحدٍ من رعاياه

وفي نفس الوقت يكتب “تدبير السياسة الفرنساوية” فيقول: “إن ملك فرنسا مقيد بالقانون وليس مطلق التصرف”. فالرجل يجاور بين متناقضات. يحتفظ بتصوراته الرجعية القديمة بلا تجاوز، ويضعها بجوار المفاهيم الحديثة.

يحاول البعض تقديم تبريرات لتناقض رفاعة الطهطاوي في تلك المسألة بالتحديد لأنها مرتبطة بعلاقته بالباشا، فيذهبون إلي أنه كان يريد نقده من طرف خفي وهو يتحدث عما رآه في فرنسا من تقييد لسلطات الحاكم، ويحاول غيرهم تبرير ذلك بأن الطهطاوي كان مستفيدًا من نظام الباشا، الذي أجزل له العطاء، حتى بلغت أملاكه حين وفاته 1600 فدان، ويحاول غيرهم إرجاع الأمر لرغبته في الاستفادة من السلطة لخدمة مشروعه التنويري، وينسي هؤلاء أن الطهطاوي نفسه كان من صُنع دولة محمد علي وأن مشروعه مجرد سند لها فقط!

في ذكرى معروف الرصافي.. هل حان الوقت لمراجعة قرار منع كتابه الشخصية المحمدية؟ | مارك أمجد

   مفكر السلطة 

ما يغيب عن أغلب من تناولوا مشروع الطهطاوي أنه مثقف يفكر بمنطق السياسي الذي يرغب في استعارة سريعة لنموذج ناجح وجاهز يتم نقله وتقليده بغض النظر عن تفاعله مع الواقع الاجتماعي.

مشروعه يعتمد من الأصل علي استخدم السلطة دائمًا لفرض تلك الحداثة الشكلية التي لا تتجاوز سطح المجتمع، ولا تنتج سوى الإخفاق دائمًا مع كل تغيير لتلك السلطة، طالما حُكم علي المجتمع نفسه بالغياب من المعادلة.

أضف إلى ذلك أن معادلة رفاعة الطهطاوي في الإصلاح تنطلق من إعجابه فقط بمنتجات وثمرات الحداثة وليس جوهرها الصانع لها! فهو يعلن من اللحظة الأولي لعنوان كتابه “تخليص الإبريز من تلخيص باريز” أنه يُفرّق بين الإبريز “النفيس”، الذي يرغب في استخلاصه من بين “الخسيس” في باريز، ويربط هذا “النفيس” الذي يريد استخلاصه دائمًا بالعلوم التجريبية فقط!

في كتابه “نهضتنا الحديثة” احتفى المفكر الإخواني محمد عمارة بهذا المنطق عند الطهطاوي، فقال:

لقد ذهبت هذه البعثات المصرية لتنهل من العلوم العلمية، ولم تذهب لتتعلم ما يشوه أو يزعزع تصورتها الفلسفية وروحها الحضارية المؤمنة وقيمها الإسلامية المميزة

 فعمارة يحتفي بذلك دون أن يدرك أن تلك العلوم ما هي إلا نتيجة وثمرة لمنظومة من القيم والمبادئ الفلسفية المنتجة لها، فالفلسفة هي أم العلوم.

رفاعة الطهطاوي لم يدرك ذلك، ومن ثمَّ قال: “إن كتب الفلسفة بأسرها محشوة بكثير من البدع”! وقال أيضًا: “ولهم في العلوم الحكمية حشوات ضلالية مخالفة لسائر الكتب السماوية”!

“ليس لنا أن نعتمد علي ما يُحسّنه العقل أو يُقبّحه، إلا إذا ورد الشرع بتحسينه أو تقبيحه”.. بهذا المنطق وضع رفاعة الطهطاوي بذرة تمرير الحداثة عبر مفاهيم تراثية، فهو لا يعتمد من الحداثة إلا ما وافق التراث، بغض النظر عن مناقضة التراث لتلك الحداثة، ومن هنا ظهرت مزاعم أن الديمقراطية من الإسلام عبر مفهوم “الشورى” الذي يحمل في التراث دلالات أبعد ما تكون عن الديمقراطية أصلًا، ومن هنا تم نقل فكرة “القانون” وبجوارها وداخلها منظومة “الفقه” القديمة المناقضة لها تمامًا! وبنفس المنطق يجري إلى الآن نقل منتجات الحداثة نقلًا مشوهًا عبر هذا التلفيق والتجاور بين المتناقضات.

شيخ الأزهر في خطاب المولد النبوي.. إحياء الخطاب السياسي لأنصار الخلافة الإسلامية

جرائم السلطة الاجتماعية في حارتنا .. الحلقة الغائبة بين الحكم والقانون


   نظرة أعمق  أفخاخ الإسلاميين في دقائق


للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك