مشوار الألف عقبة | رياض محرز ودموع أنقذت حلم صاحب الجسد النحيل | الحكاية في دقائق

مشوار الألف عقبة | رياض محرز ودموع أنقذت حلم صاحب الجسد النحيل | الحكاية في دقائق

11 Aug 2018
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في أحد أفقر أحياء باريس نشأ، وبأندية فرنسية مغمورة تدرج. ذهب إلى ليستر فقاد فريق المدينة لتحقيق المعجزة التاريخية، وفاز معه بالبريمييرليج، وحصل على جائزة أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي.

وإلى حامل لقب البريميرليج، مان سيتي، انتقل محملًا بآمال كبيرة لم يتأخر في تحقيقها، فخطف الأنظار سريعًا، وشارك فريقه الجديد في حصد أولى بطولاته للموسم الجديد على حساب غريم لا يستهان به.. قصة قصيرة تروي مسيرة كفاح طويلة خاضها محارب الصحراء، حفر بها اسم رياض محرز بين لاعبي الجيل الأبرز.

الولادة من رحم المعاناة

كان 21 فبراير 1991 يومًا عاديًا في حي سارسيل في فرنسا. لم يلتفت أحدًا من بين نحو خمسين ألف قاطن للضاحية الفقيرة إلى طفل وضعته أم مغربية من مهاجر جزائري.

الأب “أحمد” ينحدر من قرية “الخميس” بولاية تلمسان القريبة من الحدود المغربية الجزائرية. كان لاعب كرة قدم ينافس ضمن صفوف فريق قريته في دوري الدرجة الثانية الجزائري، لكن إصابته بأمراض القلب حرمته من مواصلة مسيرته الكروية، حيث سافر إلى فرنسا للعلاج.

لم يدم الزواج طويلًا، فانفصل والدا رياض بعد ثماني سنوات من ولادته، لكنه ظل حريصًا على التواصل مع ولده.

التفت الأب سريعًا لموهبة صغيره، فألحقه بنادي إي إس سارسيل للهواة، الذي ينافس في دوري باريس المحلي، في 2004.

كان يراهن على أن ابنه سيدافع يومًا عن ألوان منتخب بلده الأم، لكنه لم يفز بالرهان حيًا. الجميع كان يلاحظ موهبة الفتى، لكن أحدًا لم يراهن عليه بسبب نحالة جسده، فأبقوه على دكة بدلاء سارسيل.

مات الوالد بأزمة قلبية في 2006، تاركًا فتاه يطارد أحلامهما وحيدًا بعد 15 عامًا قضاها في مؤازرته لاستكمال الطريق رغم الصعوبات. ضربة قوية واجهها “محرز” بثبات، أملًا في ألا يخذل أحلام الأب الراحل، فمضى على ذات الدرب.

والدي كان دائمًا معي وساعدني كثيرًا. لقد لعب في أكثر من نادي في الجزائر وفرنسا، وهو ما سهل عليّ الأمور. تعرضت للصدمة بعد وفاته، أحسست أن كل شيء أصبح جادًا والحياة قصيرة لذلك كان واجبًا أن أبدأ العمل لتحقيق حلمي.

والدي كان دائمًا معي وساعدني كثيرًا. لقد لعب في أكثر من نادي في الجزائر وفرنسا، وهو ما سهل عليّ الأمور. تعرضت للصدمة بعد وفاته، أحسست أن كل شيء أصبح جادًا والحياة قصيرة لذلك كان واجبًا أن أبدأ العمل لتحقيق حلمي.

دموع أنقذت مسيرته

من سارسيل، انتقل رياض في ٢٠٠٩ إلى كويمبيريوس؛ فريق مدينة كيمبيه، 350 ميلًا غرب المدينة، بحثًا عن فرصة أخرى.

كان عمره 18 عامًا، لكنه مجددًا لم يلتحق بالفريق الأول، الذي ينافس في الفئة الرابعة من سلسلة درجات الدوري الفرنسي، وانضم إلى الفريق الرديف، حيث أمضى ستة أشهر هناك، قبل الانضمام للفريق الأول.

يقول رونان سالاون، مدرب محرز في كيمبيه:

نظمنا يومًا للتدريب، ولعبنا مباراة ودية مع عشرين لاعبًا، احتفظنا منهم برياض فقط. أدركت حاجتنا إليه بعد عشرين دقيقة. ورغم وجود بعض المشاكل في بنائه الجسماني، لكن مهاراته كانت متميزة.

ويقول جو دورفال، أحد أعضاء مجلس الإدارة في كيمبيه:

محرز وصل “ومعه حقيبة بها ثلاثة أشياء فقط؛ فرشاة أسنان، ومعجون، وأحذية كرة القدم. كما أحضر قدمه اليسرى التي يكمن فيها سر مهارته، لكنها لم تكن في الحقيبة

حاول الفريق الاستفادة من الشاب، لكنه فشل في تقديم عرض احترافي؛ لأن خزائنه كانت خاوية. هاتف رياض والدته باكيًا، فرأى رئيس النادي الموقف، ووقع له عقدًا بعد 24 ساعة، لكنه سجل هناك هدفًا واحدًا في 27 مباراة.

كان راتب محرز حينها 700 يورو فقط، وكانت أندية مارسيليا وباريس سان جيرمان وليل يرون أنه لا يستحق اللعب في فرقهم بسبب نحافة جسده، لكن جان مارك نوبيلو، المدير الرياضي لنادي لوهافر والمدرب السابق للمنتخب الجزائري تحت عشرين عامًا، كان له رأي آخر.

إلى لوهافر.. حيث رفض الكبار

وضع محارب الصحراء قدمه الأولى على طريق الاحتراف صيف 2010. انتقل إلى لوهافر، حيث لعب أربعة مواسم.

لم يكن الطريق ممهدًا كالعادة.. لعب أولًا في الفريق الرديف، وسجل 13 هدفًا، ليصعد للفريق الأول بأداء باهت جدًا لم يساعده لهز الشباك مطلقًا، فعاد للفريق الثاني، حيث استعاد ذاكرة التسجيل بـ 11 هدفًا ساعدته للعودة مجددًا إلى الفريق الأساسي، ليخفق من جديد، ويسجل هدفين فقط.

 خلال مسيرته مع لوهافر، شارك محرز في 67 مباراة، توزعت بين دوري الدرجة الثانية الفرنسي، وكأس فرنسا وكأس الرابطة الفرنسية، واجتذب أنظار كشافة ناديين من كبار المنافسين في الكرة الفرنسية: مارسيليا وموناكو، لكنه رفضهما دون تردد. كان يدرك أن البقاء على دكة أحدهما قد يكون كفيلًا بوضع حد لطريقه الذي اختاره من البداية، فاختار البقاء في نادية حتى فرصة أخرى.

يقول رياض:

أحسست أنه من غير اللائق أن أترك الفريق الذي علمني كرة القدم دون أن أحاول التواجد مع الفريق الأول. لم أفكر في الأمر وقتها واتخذت قرارًا بالبقاء.

ليستر.. الفرصة المثالية

الفرصة المثالية جائت في ميركاتو شتاء موسم 2013/2014، فانتقل محرز إلى ليستر سيتي الإنجليزي.

المفارقة هنا أن محرز لم يكن على لائحة كشافي ليستر سيتي بالأساس، فستيف وولش ذهب إلى فرنسا لمتابعة زميله ريان مينديز، جناح منتخب الرأس الأخضر، لكنه أصيب، فعدل اهتمامه إلى رياض، وقرر المراهنة على رياض، وجلبه بمقابل متواضع لا يتجاوز 350 ألف يورو، اعتبرته جماهير الناديين “ليستر ولوهافر” ضخمًا في لاعب لم يظهر بعد أن لديه ما يقدمه، لكن الأيام التالية حملت العديد من المفاجآت السارة لمحارب الصحراء.

الطريق إلى البريميرليج

في أولى خطواته بنادي الدرجة الأولى الإنجليزي (تحت البريمييرليج)، بدا محرز حاسمًا. كان ليستر ينافس أندية عريقة على غرار واتفورد ونوتينجهام فوريست على بطاقة الصعود إلى البريميرليج، فنجح الجزائري، الذي وصل في النصف الثاني من الموسم، في وضع بصمته خلال 19 مباراة، سجل خلالها ثلاثة أهداف وصنع خمسة آخرى، فتصدر الفريق البطولة وضمن بطاقة التأهل المباشر، بفارق تسع نقاط كاملة عن بيرنلي صاحب المركز الثاني.

يقول محرز:

الجميع كانوا يقولون لي إن الدوري الإنجليزي لا يناسبك، فهو يعتمد على اللعب البدني كثيرًا، الأفضل لك الانتقال إلى الدوري الإسباني، إلا أننى جئت إلى إنجلترا، ونجحت، وأتمنى مواصلة مسيرة التألق لأن الأمر ليس سهلًا على الإطلاق فى أكبر دوريات العالم.

حلم الوالد يتحقق بشق الأنفس

حمل صيف 2014 مفاجأة سارة جديدة لرياض، فتألقه مع الثعالب وضعه تحت دائرة الضوء على مفكرة مدرب المنتخب الجزائري وحيد حاليلوزيتش.

حاول رياض تحقيق حلم والده قبلها بعامين، فطلب عبر وكيل أعماله اللعب مع المنتخب الأولمبي الجزائري في البطولة الأفريقية المؤهلة لأولمبياد لندن 2012 لكن المدرب عز الدين آيت جودي رفض ضمه حينذاك بدعوى أنه شكل فريقه، ولا يمكن استبدال لاعب بآخر.

لم يكن حاليلوزيتش نفسه مقتنعًا بضم رياض، لكن تقريرًا لمساعده نور الدين قريشي دفعه للسفر خصيصًا إلى انجلترا لمتابعته عن قرب، قبل أن يتخذ قراره باستدعاء لاعب الوسط الشاب ضمن قائمة محاربي الصحراء لكأس العالم في البرازيل.

https://www.youtube.com/watch?v=QVnq81pJpY8

حلم الوالد تحقق لأول مرة في 31 مايو، حيث سجل رياض مشاركته الدولية الأولى أمام أرمينيا، وصنع هدفين، ثم شارك أمام رومانيا وديًا، ليقنع المدير الفني البوسني بالدفع به أساسيًا في مونديال البرازيل، وهو الاختيار الذي استقبله الجزائريون بهجوم حاد، وصل لاتهامات للمدرب بتلقي رشاوى لإشراكه في البطولة العالمية الأهم.

حل رياض أساسيًا أمام بلجيكا، ثم غاب عن التشكيلة في المباريات الثلاث الأخرى للمنتخب الجزائري بالمونديال.

من يومها استمرت مسيرة الشاب مع منتخب بلاده الأم، فشارك في 39 مباراة، سجل خلالها ثمانية أهداف، أولها في 15 أكتوبر 2014، في شباك ملاوي، ضمن تصفيات كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم 2015.

يقول محرز: “لم يسبق أن فكرّت باللعب رفقة المُنتخب المغربي، فرغبتي كانت اللعب للجزائر ولا شيء آخر. صحيح أن والدتي مغربية، لكني دائمًا كنت أرغب في اللعب للجزائر لتحقيق رغبة والدي”.

موعد التتويج

مع ليستر سيتي كان رياض محرز على موعد فريد من المعجزات. في الموسم التالي لم تسر أمور النادي على ما يرام. بدأ الثعالب بـ 12 هزيمة في أول 18 مباراة ليتذيلوا الترتيب، وسط نتائج كارثية استمرت حتى الأسبوع الـ 31، ليصبح الفريق أول المرشحين للهبوط مجددًا.

في الأسابيع الأخيرة، شارك محرز مع زملائه في معركة لا هوادة فيها لتجنب الهبوط السريع، ونجحت الجهود في إنقاذ الفريق، ليجمع بالنهاية 41 نقطة، بفارق 6 نقاط فقط عن آخر الهابطين هال سيتي.

في موسم المعجزة الأولى، شارك محرز في 32 مباراة أحرز خلالها أربعة أهداف.

بحسابات كرة القدم عمومًا والبريميرليج خصوصًا، كان ضمان البقاء مبكرًا نتيجة مرضية تمامًا، لكن ليستر حطم كل الحسابات، وحقق في الموسم التالي إعجازًا جديدًا وفريدًا من نوعه.

شارك محرز في 34 مباراة، وأحرز 17 هدفًا احتل بهم المركز الخامس في ترتيب هدافي البريميرليج، وصنع 11 تمريرة حاسمة، ليقتنص وحده 30 نقطة من إجمالي 77، ويقود ليستر سيتي للمفاجأة المدوية.. الفريق المحلي يقهر الجميع، ويخطف اللقب للمرة الأولى في تاريخه الممتد على مدار 132 عامًا.

إنجازات الفرد بعد إعجاز المجموع

المشاركة في الإعجاز الجماعي لم يكن الوحيد للجزائري في هذا الموسم، إذ اختير كأفضل لاعب في البريميرليج لموسم 2015/2016 كأول لاعب عربي وأفريقي يحقق ذلك الإنجاز.

بجانب ذلك، حفر محرز اسمه كأول لاعب عربي يسجل هاتريك في الملاعب الإنجليزية، حيث هز شباك سوانزي سيتي بثلاثية في الجولة رقم 15 من البريميرليج، كما بات حينها العربي الأكثر تهديفًا وصناعة للأهداف في البطولة.

بهذه الإنجازات، لم يجد محرز أية صعوبة في التتويج بالكرة الذهبية الجزائرية، والجمع بين لقبي أفضل لاعب أفريقي في نسختي الكاف والبي بي سي.

وفي نفس العام، أدرج الاتحاد الدولي للعبة “فيفا” رياض محرز ضمن قائمة المرشحين لنيل جائزة أحسن لاعب في العالم لعام 2016، قبل أن يحل في المركز السابع.

يقول رياض: “لم أكن أحلم بتحقيق ذلك، إنه إنجاز لن يمحى من ذاكرتي. لقد بذلنا الكثير من الجهد وأثبتنا قدرتنا، لا أستطيع أن أكون أكثر فخرًا من ذلك”.

إنجاز أوروبي.. تجديد.. ورغبة بالرحيل

في أغسطس 2016، رفض محرز الكثير من العروض من أندية أكبر، وقرر مواصلة المشوار مع ليستر سيتي، ليوقع عقدًا جديدًا يمتد لأربع سنوات.

في الموسم التالي، قاد رياض محرز ليستر سيتي لإنجاز قاري غير مسبوق، عندما وصل الفريق إلى ربع نهائي دوري أبطال أوروبا في مشاركتهم الأولى بتسجيل أربعة أهداف وصناعة هدفين.

محليًا، لم يظهر الجزائري الأداء المتوقع، متأثرًا بهبوط أداء الفريق ككل، فسجل ستة أهداف في 39 مباراة في مختلف البطولات، ليطلب الرحيل بنهاية الموسم، بحثًا عن فصل جديد في حكاية التحدي.

حينها قال محرز:

أنا طموح للغاية.. وأشعر أن الوقت قد حان للبحث عن تجربة جديدة. لطالما استمتعت بعلاقة جيدة مع الجميع في ليستر سيتي، وآمل أن أكون قد نجحت في سداد الدين خلال فترة وجودي هنا.

أرسنال أبدى اهتمامه، وروما قدم عرضًا. وفي آخر أيام الميركاتو، غادر معسكر منتخب الجزائر للخضوع لاختبارات طبية مع نادٍ جديد، لكن ليستر سيتي، متسلحًا بالعقد الذي يبقى فيه ثلاث سنوات، رفض تمامًا السماح له بالانتقال.

الهروب اضطراريًا

لم يعد ليستر سيتي ذلك النجم اللامع كما بدا قبل موسم ونصف.. انتهى الحلم الأجمل في تاريخ الدوري الإنجليزي، ومعه نفذت تمامًا رغبة الجزائري في البقاء.

في يناير 2018، جدد محرز مطالبته بالرحيل، وقاطع تدريبات الفريق بعد رفض الإدارة لعروض مهمة من مانشستر سيتي، بلغ آخرها 65 مليون جنيه استرليني بالإضافة لكل من يايا توريه وإلياكيم مانجالا، لكنه اضطر في النهاية للعودة للتدريبات بعد أزمة دامت نحو 10 أيام.

في هذا الموسم سجل محرز 13 هدفًا في 41 مباراة، ليكتب مشهد النهاية مع الفريق الذي قاده لمنصات التتويج.

إلى السيتيزنز.. الأحلام تتحقق

لم يعد بإمكان ليستر سيتي الاحتفاظ بنجمه الجزائري أكثر من ذلك، فسمح له أخيرًا بالرحيل إلى مانشستر سيتي في 10 يوليو الماضي مقابل 60 مليون جنيه استرليني، ليوقع عقدًا يربطه بحامل لقب البريميرليج لخمسة مواسم مقبلة.

الصفقة حطمت عددًا من الأرقام القياسية؛ إذ باتت الأعلى في سجلات صفقات ليستر ومانشستر سيتي، وأصبح الجزائري أغلى لاعب عربي وأفريقي في التاريخ.

في 21 يوليو، سجل محرز ظهوره الأول بقميص السيتيزنز أمام بوروسيا دورتموند الألماني ضمن منافسات بطولة كأس الأبطال الدولية الودية.

وفي 5 أغسطس، وعلى ملعب ويملبي التاريخي، شارك رياض أساسيًا في تشكيل فريقه الذي توج ببطولة درع الاتحاد الإنجليزي بالفوز على تشيلسي بهدفين نظيفين.

الآن بات محرز يطارد عدة ألقاب فريدة وجماعية مع فريقه الجديد، أولها الاحتفاظ بلقب البريمييرليج، وأهمها دوري الأبطال.

طموحي هو الفوز بدوري الأبطال لأول مرة في تاريخ الفريق الذي يقوده المدرب بيب جوارديولا. حطم سيتي كل الأرقام القياسية في الدوري الإنجليزي، وكان هذا مذهلًا، ونملك كل الإمكانات التي تدفعنا للتتويج بدوري الأبطال، ويحتاج النادي للقب من هذا النوع. دوري الأبطال يخص أندية الصفوة، وسيتي من الكبار، ولديه كل ما هو مطلوب لإحراز اللقب، وهذا هدفنا.

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك