مارادونا | أكثر من مجرد لاعب.. جولة بكاميرا أبناء 1986 | عمرو عبد الرازق

مارادونا | أكثر من مجرد لاعب.. جولة بكاميرا أبناء 1986 | عمرو عبد الرازق

26 Nov 2020
عمرو عبد الرازق
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

كان 1986 عامًا كرويًا بامتياز. مع اقتراب صيف العام، كانت مصر لا تزال تعيش نشوة الفوز ببطولة كأس الأمم الأفريقية في مارس، بعد غياب دام 27 عامًا، منذ آخر كأس فازت بها في القاهرة 1959.

قبيل شهر يونيو من العام نفسه ودخول شهر رمضان، كان الإعلامي الرياضي الراحل فايز الزمر يقدم، بالقناة الثانية بماسبيرو، برنامجًا دسمًا في منتصف الليل بعنوان “كأس العالم 86” يستعرض خلاله رحلة المنتخبات المتأهلة للمونديال، وتحليلًا للنقاط الفنية المتعلقة بالمنتخبات، وعرض لقطات من مباريات وأهداف المونديالات السابقة خصوصًا 78 بالأرجنتين و82 بإسبانيا.

ضمن ما عرضه لقطات لشاب عظيم الموهبة، يتلاعب بالكرة بين رأسه وكتفه وظهره وفخذه، كأكروباتي أكثر منه لاعب كرة، بما يعجز عن أداء شبيهه لاعبين أكثر شهرة منه، ويترقب العالم المونديال القادم باعتبارها “بطولة مارادونا”.

   مارادونا.. لا الأرجنتين 

صيف رمضاني بالثمانينيات بما يميزه من فقرات ومسلسلات منتقاة، أضيف إليها سهرات كروية مونديالية كانت أمتعها مباريات مسائية بعد الإفطار، مع فارق توقيت مصر عن المكسيك، الدولة المنظمة للبطولة.

كان شهرًا مميزًا للمصريين على وجه الخصوص. نحن الآن لم نكن قد تجاوزنا تمامًا التليفزيون الأبيض والأسود، وكان معتادًا لبعض المنازل أن تحتوي منازلها أجهزة ملونة، ومنازل أخرى تحتوي تليفزيونات قديمة.

رفاهية الريموت كونترول لم تبلغنا بعد، والقنوات تتغير عبر بكرة أسطوانية أو أزرار.. بعض الأسر تتجمع بالشارع ملتفين حول تلفاز صغير هربًا من حر المنازل.

بدأ المونديال وعشق المصريين الأول هو منتخب البرازيل، وانتهى المونديال وقد نافس البرازيل لدى الجماهير عشق جديد هو الأرجنتين.. فقط لأجل ذلك الفتى القصير القوي الموهوب، والذى صارت مجرد مشاهدته يمرح أمامك متعة تقتضي الجلوس والتفرغ. أكثر اسم تم ترديده بالعالم خلال ذلك الشهر، وربما لعامين تاليين هو مارادونا. ربط المصريون بين ملامحه وقامته بالفنان محمود الجندي.

بشكل عام، كانت العبارة الأكثر ترديدًا في مصر: “ماردونا هيلعب النهارده”.. وليس الأرجنتين. بالكاد يُذكر اسم “بروتشاجا” بجواره كعنصر مساعد فقط لا غير.

من دوري الأنفار إلى البريمييرليج .. حكاية الأموال وكرة القدم

   عكس بيليه.. الأسطورة الحية 

قبل ظهوره كان بيليه هو العملة المعتمدة، كأسطورة كروية، لكنه أقرب لأساطير الأزمان القديمة، تُردد اسمه للاستشهاد به أو لاستعراض الأرقام والتواريخ، وليس لكونك مصدِّقًا لموهبته أو معاينًا لها، والمتاح له لقطات عابرة ونادرة لأداء كروي قديم، يشعرك بسهولة مباريات ذلك الزمن وطيبة لاعبيه، أكثر منها مهارات فذة أو خطط مميزة وأهداف عبقرية، مباريات تخلو من أي التحام تقريبًا.. فكان الخيال هو الذي يجعله مثالًا لعباقرة كرة القدم خلال القرن الماضي!

الآن، أسطورة حية تولد. أداء كروي لم يشهد العالم له مثيلًا، تطالعك مذيعة الربْط بالتليفزيون، وهي مهنة اختفت حاليًا: والآن سيداتي آنساتي سادتي ننتقل إلى إذاعة خارجية، بالقمر الصناعي من المكسيك، لننقل لكم مباراة كرة القدم بين منتخبي الأرجنتين وبلجيكا.. ينتشر الأدرينالين بدماء الصغار، مع سماع صوت التتر الموسيقي المميز للمباريات، ويتأهب الكبار لجلسة انتشاء لمتعة قادمة.

ساحر يتراقص أمامك بكل بقاع الملعب، لا يتقيد بخطط، ويكاد توضع الخطط لتباري موهبته أو لتوقفها – إدي لمارادونا بقى – صياح تقليدى تسمعه باستمرار، لا لكي يحرز هدفًا أو يستغل فرصة، بل فقط لكي نشاهد ماردونا يخرج ما لديه.

هيئة مارادونا ليست لرياضي بالشكل المعتاد، لاعب قصير غير ممشوق القوام، يقترب من البدانة أحيانًا، لدينا حالة خاصة، ليس لاعبًا بالمعنى المفهوم ضمن أحد عشر لاعبًا، بل ساحر مختلف جديد على هذا المجال، يقدم فقرة تتمنى لو طالت لأطول فترة، تحزن إذا انتهت المباراة، تنظر لساعة الحائط فقط لتتأكد أنه ما زال هناك متسع، تتابع فتاك الذهبي يمارس هوايته في تجاوز المدافعين وجعلهم يركضون خلفه في لوحة بديعة!

في إحدى مباريات المونديال، كان العد ليس للأهداف، ولكن لعدد المرات التي لاحقه فيها دفاع المنتخب المنافس، وأسقطه أرضًا بالعنف..

مارادونا لاعب من نتاج الطبيعة، لا دخل لإعداد النوادي بمهارته. يختلف الأمر الآن كثيرًا، النجم الآن مدين للموهبة بشيء ومدين لصنعة إعداد اللاعب وتنمية قدراته بأشياء.. مارادونا ينتقل من هنا لهناك ليمارس هوايته، لا لكي يتم إعادة ضبطه.. فكان مارادونا مقربًا لجماهير الكرة كموهوب وكشاب يتشابه مع الملايين حول العالم في نشأته لأسرة فقيرة.. الأمر الآن مختلف بشدة، الشهرة تأتي أسرع وبشكل أقل تعقيدًا، والحظوظ باتت متوفرة لمن يمتلك ربع موهبة.. يتشابك فى الملعب مع منافسيه على قصر قامته يضربونه ويضربهم فى عنف غير رياضي، كأي صبي بالشارع.. لا يترفع عن الصغائر ولا يحتفظ بياقته بيضاء، ولا تشغله اعتبارات النجوم.. هو نجم شعبي بامتياز، لكل الشعوب..

سيرة لوكاكو.. كنت معدمًا | رواية صحفية في دقائق

   يا واد يا مارادونا 

ميمي الشربيني معلق مونديال 86 بأرقى تعليق رياضي يمكن أن يتناهى لأسماعك، يلاحقنا بمعلومات عنه ميلاده ونشأته، واسمه الكامل دييجو أرماندو مارادونا، يختلف المتابعون: هل اسمه هو دييجو واسم جده مارادونا أم العكس تبعًا للتسمية الإنجليزية!

الأطفال ينادون أمهرهم بـ “يا واد يا مارادونا” أحيانًا يقسمون اسمه لمقطعين بغرض الهزل “مرة – دونا” لإغاظة أحدهم.. انتحى لقب “بيبو” بعض الشيء مع توالي إصابات محمود الخطيب واقتراب اعتزاله. الأقمار الصناعية تنقل الغرائب. بدأ الناس لأول مرة يتندرون عن إمكانية شراء لاعب “ده تمنه 8 مليون أخضر – ده متأمن على رجله” لا تخيل واضحا لكيف يمكن شراء لاعب، وما معنى الفكرة؟ هل عادت العبودية؟!

ظل الأمر فترة محل تندر، حتى انقلب من الهزل للجد، وعرف الناس أن هناك حالًا جديدًا وجادًا..

أطفال هذا الجيل، رمزهم الرياضي ونجمهم الملهم على المستوى الرياضي، بلا شك هو مارادونا.

مارادونا غير الإحساس بكرة القدم بالعالم، ربما لم يكن أول من أضاف المتعة للكرة، فقد سبقته منتخبات أضافت نكهة المتعة للأداء الخططي كمنتخب هولندا 74 ، ولكنه أول من غير نمط الاستمتاع بكرة القدم كلاعب، أول من أجلس العالم أمام الشاشات يترقب الجديد له وماذا سيخرج من جعبته!

أقوال متناثرة هنا وهناك على الألسنة، بأن فلانًا أطلق على مولوده اسم مارادونا.. محلات صغيرة بالأحياء الشعبية تبيع ملابس رخيصة أو أحذية بلاستيكية، تضع يافطة للمحل باسم مارادونا.. صورته ترسم على جدران المنازل والمحلات وفي الطرق.. هذا هو الحال حينها.

“أكثر من مجرد نادٍ”.. كيف خلقت السياسة برشلونة ؟ | الحكاية في دقائق

   يد الله التي ثأرت للأرجنتين 

لم يكن غريبًا أن تتناول الألسنة أفكارًا متعلقة بطبيعة الأرجنتين والبرازيل كدول لاتينية فقيرة، ربما حالها الاقتصادي والسياسي، أقرب لنا كمصريين من دول أوروبية لا يزال اسمها يلتصق به حينها صفات الاستعمار.. بهذا التوقيت كان مر على جلاء الإنجليز عن مصر ثلاثين عامًا فقط، وعبارة الاحتلال الإنجليزى معتادة للآذان، نتعاطف مع شعوب تشبهنا ولو في مباراة كرة.

الأرجنتين تقابل إنجلترا في دور الثمانية بالمونديال، دارت بين الدولتين حرب قصيرة قبيل أربعة أعوام حول جزر فوكلاند بالمحيط الأطلسي، حسمتها إنجلترا وتركت بالنفوس أثرًا لم يُمح.. تنتقل المعركة لملاعب كرة القدم، إنجلترا، لم تكن تخلو الأقلام والأفواه الرياضية من وصفها بسيدة كرة القدم ومبتكرة اللعبة بالعالم..

تتعلق الآمال بماردونا. يفعل مارادونا بالمباراة كل شيء تقريبًا، لابد أن ينتصر الأرجنتينيون، ينتصر ماردونا لبلاده بكل السبل، ويحرز هدفين تاريخيين، أحدهما أسطوري بمهارة لم ترد من قبل، وآخر بيده ينقسم العالم كله حول صحته. يصير الموهوب حديث العالم. وحينما حسم الهدف بكونه غير قانوني، كان الانتصار قد تم للأرجنتين وخرج شعبها يحتفل بشوارع وطنه.

لم نقابل من يهاجم مارادونا أو يحمل بنفسه ضغينة لهذا الفعل، بل صار علامة مسجلة باسمه على سبيل المهارة أكثر منها الغش، غفر الجميع له، حتى بعض الإنجليز، لأنه مارادونا. جعل المحبين يتقبلون لأجله القليل من الشر، رغم أنه أفسد مستقبل التحكيم الدولي لحكم المباراة التونسي علي بن ناصر، مما أحزن الجماهير العربية قليلًا، لكنهم تغاضوا لأجل الموهوب.

بهذه المباراة سجل ماردونا لقطتين ثبتتا باسمه حتى يومنا، هدفه الرائع بتجاوز نصف لاعبي منتخب إنجلترا من قبل منتصف الملعب وحتى المرمى فى 10.6 ثانية، وسمي هدفا مارادونيًا. تردد وقتها أن الهدف تم نحته بالكامل على جدارية لقطة بلقطة لتخليد عظمته، وآخر بيده يطلَق على من حاول تكرار مثله: أنها محاولة على الطريقة المارادونية، يلام فاعلها لغشه من دون مارادونا!

العرب في أمريكا اللاتينية.. كيف بدأت قصة “التركو”.. الاضطهاد.. التمكين والفساد؟ | س/ج في دقائق

   اكتمال التوهج 

الإبداع المطلق والزيف المبدع بلقطتين يفصلهما دقائق قليلة.. مباراة كروية تسترد فيها الأرجنتين كرامتها، بعد استعراض عسكري من مارجريت تاتشر بالبحرية البريطانية عام 82.

مارادونا بطل قومي بهذا العام المثير.. ولم تكن مجرد مباراة كما ردد هو بنفسه!

فعل مارادونا كل شيء بهذا المونديال، في المباراة النهائية وضع “بيكنباور” المدير الفني لألمانيا خطة رقابة لصيقة خانقة له نجحت بدرجة كبيرة، وساد التعادل 2/2 حتى أفلت الموهوب قبل النهاية بدقائق، ومرر كرة هدف الفوز لبروتشاجا، وأتم التتويج بالكأس.. مارادونا في بهائه وتمامه مرتبط بعام 86، ورغم كونه وصل بالأرجنتين لنهائي مونديال 90، إلا أن تكرار ملحمة 86 لم يحدث، وكان نسخة مغايرة، ساد حزن على خسارته لنهائي هذا المونديال.

بين تلك السنوات كان التليفزيون يتحفنا بمهاراته وأهدافه مع نادي نابولي الإيطالي، واحتفاء الجماهير الإيطالية به بهوس يبلغ حد التقديس.. تمتلئ الوثائقيات بمشاكله الشخصية وقضاياه، فيما يضعه تشتته واضطرابه بدائرة معاناة الفنان..

رياض محرز.. مشوار الألف عقبة

   رواية البهجة لم تطل 

سيرته مضطربة منذ البدايات، استبعد من المشاركة فى مونديال 78 بحجة صغر سنه. خروج مبكر نسبيًا من مونديال 82 وطرده بآخر مباراة أمام البرازيل، توهج إبداعى بمونديال 86، ثم انطفاء تدريجي بمونديال 90، ثم نهاية مؤسفة بمونديال 94!

حينما أتت القاضية له في مونديال أمريكا باستبعاده من البطولة لثبوت تعاطيه المنشطات، بعد احتفال مبالغ فيه بهدف في مرمى اليونان، جعلت المسؤولين يتشككون في حدة نظرته للكاميرا، وأن وراءها تناول المخدرات! هنا فقد مارادونا آخر محاولاته للتشبث، يغرق مارادونا بتعاطي المخدرات، برحلته المثيرة المليئة بالتخبط والموهبة..

حزن يسود على اختفاء متعة رجاها المهتمون بالكرة أن تمتد للأبد.. نكره المخدرات، لكننا لا يمكننا كره مارادونا.. بل نكرهها أكثر لأنها أنهت موهبة مارادونا!

رحلة قصيرة مكثفة للغاية، أنتج خلالها أحد أبناء الأرض بهجة ومتعة وفنًا، تفاعل معها ملايين البشر، غيّر الكثير في مسار كرة القدم بطفرة مهارية، وبفضله جعل العالم ينتظر ظهور مواهب كروية تالية كميسى أو كريستيانو، على أمل تكرار إبداعه ومعايشة متعة كروية متجددة..

لكنه على قصر رحلته بالملاعب وبالحياة، قد ترك اسمًا فريدًا كأبطال الحوادث التاريخية، ممن لا يتسمى بأسمائهم آخرون!


رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك