الفنان والكراهية والتطبيع | أسئلة مشروعة قبل إعدام محمد رمضان | أمجد جمال

الفنان والكراهية والتطبيع | أسئلة مشروعة قبل إعدام محمد رمضان | أمجد جمال

24 Nov 2020

أمجد جمال

ناقد فني

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في مشهد لا يُنسى من فيلم أيام السادات يدخل الرئيس في دردشة عابرة مع حلّاقه الخاص.

يحاول الأول استغلال الثاني في جس نبض الشارع تجاه اتفاقيات السلام والعلاقة المعقدة مع إسرائيل وبقية الأطراف العربية، لكنه يشعر من كلام الحلّاق ببعض النقمة لتقديم السادات تنازلات في هذا الصراع، فينفعل الرئيس مبررًا: “دلوقتي انت اشتكيت، ورفعت قضايا، وعملت كل حاجة لدرجة إنك بقيت ماشي تشتم وتحدف بالطوب، فبقيت في نظر الناس ايه؟ قليل الأدب!”

40 عامًا من معاهدة السلام.. ماذا واجه السادات؟ وماذا جنت لمصر؟ | س/ج في دقائق

   سبعة عقود من “قلة الأدب” 

الفقرات القادمة ليست عن القضية الفلسطينية أو الصراع العربي – الإسرائيلي، بل عن فئة تعيش بيننا لديها تصميم هيستيري لجعلنا نبدو هذا الطرف “قليل الأدب”.

لنا سبعة عقود نجرب “قلة الأدب”، ولم نزد سوى هزائم وانكسارات، ولم يعد علينا من “نكشة الشعر” والتصرف بطفولية في المحافل الدولية إلا مزيدًا من تكريس الصورة المنفرة عنا، والعائد صفر.

هل تذكر ذلك المصارع المصري الذي هُزم في الأوليمبياد أمام مصارع إسرائيلي ورفض المصري رد المصافحة؟ لدي مفاجأة، لقد مرّ أربعة أعوام على هذا الموقف النضالي من لاعبنا ولم تُحل القضية الفلسطينية بعد!

الحادثة التي تعرض لها الممثل المصري محمد رمضان منذ أيام وهو في حفل ساهر بدبي لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة، لكن نبرة المزايدات تعالت لثقل نجوميته واتساع شعبيته؛ لأن محمد رمضان قدر له الظهور بمكان في دولة شقيقة والتقطت له صور مع عشرات الأفراد لا يعلم أي مصري هويتهم بمجرد رؤية وجوههم، لنكتشف في ما بعد أن بينهم إسرائيليين.

6 أسباب لنكسة السينما المصرية المستمرة بخصوص أفلام حرب أكتوبر | حاتم منصور

   هيستيريا مناهضة التطبيع 

الملاحظ أن النبرة المضادة للتطبيع تزداد هيستيريا مع الوقت، لدرجة أنه لم يعد هناك تعريف واضح للكلمة، تذكر معي منذ عامين حين أعلن مهرجان القاهرة السينمائي تكريم المخرج الفرنسي الأسطوري كلود لولوش والحملة الشعواء التي أثيرت ضد هذا التكريم حتى ألغاه المهرجان.

لماذا؟

لأن لولوش الفرنسي سبق أن سافر إسرائيل وياللعجب أدلى بتصريحات بها مودة لصالح الدولة التي تستضيفه، كان عليه أن يتبنى موقف شعوب لا يعرفها أو يمسك الميكروفون ليهتف في وجوههم “خيبر خيبر يا يهود” كي يستحق تكريمنا، لكن المزايدين ظنوا أن إبلاغه بإلغاء تكريمه سيعرفه أكثر على قضيتنا وسيجذبه لمعسكرنا وثقافتنا عن قناعة.

موقف مشابه حدث مع إعلان مهرجان الجونة تكريم الممثل الفرنسي الكبير جيرار دوباردو وما ترتب عليه من حملة جمع مئات التوقيعات من فنانين ومثقفين لإيقاف هذا التكريم لنفس أسباب لولوش. لكن المهرجان هذه المرة لم يرضخ للابتزاز، وكرمه رغم أنف الكارهين.

إذًا، التطبيع في الماضي كان يعني عدم التعاون مع طرف إسرائيلي في نشاط تجاري أو ثقافي أو سياحي. الآن تحول تعريف التطبيع لما يشبه نكتة عادل إمام في مسرحية الزعيم بتصرف: يخربيت اللي مش إسرائيلي وهو من جواه مش إسرائيلي طالما واحد واقف جنبه إسرائيلي.

الآن تتسع دائرة التطبيع لتشمل الهمسات واللمسات، الساقطة واللقطة، وصارت النجاة من تهمة التطبيع تعني باختصار أن ننغلق على أنفسنا، ولا نخرج من الكهوف إلا وفي أيدينا بعض الحجارة لنلقيها على أي أجنبي نراه حتى يثبت إنه ليس إسرائيليا، وبعدها يقسم على المصحف أنه لا يحب إسرائيل.

بعيدًا عن الحوارات العبثية.. 7 أسئلة لرافضي سلام الإمارات وإسرائيل | محمد زكي الشيمي

   مهوسون بالكراهية.. لهذا نخسر دائمًا 

ما الفارق بين النزاع السياسي وبين الهيستيريا الجماعية؟

الفارق أن الهيستيريا ملبدة بثقافة الكراهية.

أعلم أن مفهوم “كراهية” ليس صادمًا أو مرفوضًا بما يكفي في مجتمعاتنا، لأننا أدمناه وصار طبيعيًا، خاصة ضد الإسرائيليين. ولذلك مبررات، وفي معظم الأوقات ضد اليهود بصفة عامة. وفئات أخرى ليست موضوعنا، لكن ربما على أحدهم مسؤولية أخلاقية بأن يذكرنا من حين لآخر أن الكراهية من اسمها تجعلك كريهًا في نظر الآخرين، وتجعلك أعمى عن رؤية كل الجوانب لتفهم.

أعمى عن رؤية تصرفاتك نفسها لتقيمها عقلانيًا. تجعلك فظًا وعنصريًا. تجعلك تخسر حتى لو كان الحق معك، تجعل بعض الآخر ممن كانوا معك يهجرونك تباعًا. لكن أسوأ ما في الكراهية أنها شعور الضعفاء. هي بمثابة تجمّع لكل ذرة من الهوان وقلة الحيلة داخل النفس. لذلك هي كريهة، ولهذا نخسر دائمًا.

أتابع هذه الأيام المسلسل البريطاني The Crown باهتمام شديد على نتفليكس. فليسامحني ضحايا الاستعمار ورفاق سعد زغلول على تطبيعي مع الإنجليز في هذا الأمر، لكن المسلسل يستحق. وأثق أن ألاف من المصريين يشاركونني نفس الرأي وذات التطبيع.

أكثر ما استوقفني هو الأسلوب الأمين في عرض المسلسل لنزاع قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر، لو لم تلمس فيه التعاطف المباشر مع الطرف المصري، ربما تلمس التفهم والأنسنة والاعتراف بالخطأ، لا مجرد وصلة بث للكراهية كالتي نصور بها أعداءنا في الأفلام والمسلسلات المصرية وتنعكس في النهاية على تعاملنا مع الآخر.

بالمناسبة، ليس هذا العمل الأول الذي يتعرض لهذا النزاع العسكري التاريخي بتلك الصورة المحايدة. سبق شاهدت عددا من الوثائقيات الأجنبية بعين “العدو” لم تظهر المصريين كوحوش مفترسة كما نفعل.

الفنان في الخارج يشعر أن عليه مسؤولية أخلاقية مختلفة عن السياسي، لكن الآية عندنا معكوسة؛ فالسياسي معه العذر كي يمارس السلام والتطبيع، بينما الفنان عليه ألا يمارس سوى الكراهية، معادلة عجيبة!

ثقافة الإلغاء | اليسار خارج السلطة يمارس هوايته في القمع | تعريفات في دقائق

   قبل محمد رمضان.. فرنسا الستينيات “المنحلة”! 

سأحكي لك موقفًا طريفًا حول نفس الحرب.. بعد مرور أيام من أحداث العدوان الثلاثي طلبت مجلة الكواكب المصرية من الفنانين أن يشاركوا في ملف عن تجربتهم الشخصية مع الشعب الفرنسي (العدو) كي يظهر للقراء كمّ أن قضيتنا نبيلة، وكيف أننا نحارب الشيطان نفسه، وكأن التفاصيل السياسية لا تكفي، ولا مفر من شيطنة أمة كاملة من البشر حتى نؤمن أننا على حق.

حاورت المجلة نجوم الخمسينيات حول سفرياتهم المنتظمة لباريس، وكانت تصريحاتهم مخجلة مع الأسف. لن أخبرك بالأسماء لأنك ستصدم، لكن المحتوى تراوح بين اتهامات للشعب الفرنسي بعمومه أنه منحل، نساؤه ساقطات ورجاله لصوص، وحضارتهم عاهرة، وفنونهم فاحشة.

المفارقة أن باريس كانت مقصد هؤلاء النجوم الدائم في كل أجازاتهم، لم يتوقفوا عن زيارتها إلا بسبب الحرب التي ذكرتهم فجأة بأنها مدينة نجسة وناسها أبالسة. ما يؤكد لك أن الكراهية مجرد كارت يستخدم للتنفيس في أحلك لحظات الضعف.

تلك هي ثقافة الكراهية، وهي قديمة قدم متلازمة الاستبداد بفنها السطحي وتدينها المتزايد وإعلامها الموجه الذي يشجع الفنانين و يكافئهم على تغذية الأحقاد والكراهية بين البشر طالما كان ذلك في صالح استبداد السياسة.

واستبداد السياسة هنا يشمل المعارضة التي لا تتغذى سوى على المزايدات والتخوين، كما يشمل المتطرفين الذين يستخدمون تلك القضايا الكبرى كحصان طروادة لتجنيد الإرهابيين بإثارة مشاعر البسطاء، وغيرهم ممن يملك المصلحة.

مراسلات السلام | ساسون سوميخ.. الإسرائيلي الذي صنع عالمية نجيب محفوظ | مينا منير

   محمد رمضان.. فطرة ابن البلد 

الخطر أنك تنزع عن الفنان طبيعته المرهفة وتحوله لمكبر صوتي للعداوات، ثم تفاجأ أن فنك لا يصل خارج حدود الإقليم، وثقافتنا كلها عبارة عن أحاديث نجريها مع أنفسنا، لا يسمعنا احد، ولا يشاهدنا أحد لأن نبرة التشنج لدينا أعلى من نبرة الحق.

كان مطلوبًا من محمد رمضان أن يتصرف بنفس المرجعية التشنجية الكريهة، لكنه تصرف بفطرة ابن البلد وبمنطق “من جاء بيتك جاب الحق عليك”. لا أدعي أنه كان يعرف أو يقصد ما يفعله، ولا أقول أنه غاندي أو السادات، وعلى الأرجح سيظهر خلال أيام للاعتذار وإدانة نفسه بنفسه، رغم أنه لم يرتكب أية جريمة، فقط كان عنصرًا في لقطة عادية معرض لها أي فنان، لقطة ليست بعمل فني أو صفقة بيزنس لنسميها تطبيعًا. مجرد لفتة من اللياقة والذوق من إنسان تجاه إنسان آخر ولا ينبغي أن تثير أعصاب أحد إلا الكريهين أو من عجزوا عن إيجاد وسائل أخرى ليثبتوا أنهم لا يزالون موجودين.

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك