مأزق التعليم المسيحي (2) | المسيحيون الأوائل كانوا يهودًا! هل دخل مرقس مصر أصلًا؟ | جون إدوارد

مأزق التعليم المسيحي (2) | المسيحيون الأوائل كانوا يهودًا! هل دخل مرقس مصر أصلًا؟ | جون إدوارد

19 Jan 2021
جون إدوارد
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في مدارسنا وجامعاتنا، اعتدنا على وجود “كتاب التاريخ”.. كتاب يجمع الماضي كاملًا بين دفتيه. كذلك الحال في الأوساط الدينية. التقليد أو التراث مصدر المعرفة في الحالتين، ما عداهما منتج موصوم بـ “الحداثة والاستشراق”.

الأصولية تعمدت احتكار التاريخ. لكن فلسفة ما بعد الحداثة باعدت بين التاريخ والماضي. ومن خلال تلك الهوة، نزعت التاريخ من يد الأصولية التي طالما استغلت التاريخ لاحتكار الحقيقة، وبالتالي احتكار السلطة!

وهذا تحديدًا ما نحن بصدده في هذا المقال: هل لكل جماعة الحقّ المطلق في تبني نُسختها الخاصّة من الماضي؟ وهل يساهم نشر الروايات التقليدية بدون تحقيق في معرفة حقيقية؟

   التراث ليس تأريخًا 

المُطلعون على مبحث التاريخ، يُدركون الفارق بين الماضي وبين التأريخ للماضي.

الماضي هو “ما كان” و”ما حدث”، ما لا يتبقّى منه سوى الآثار والشذرات.

أما التأريخ “Historiography” فهو إستخدام تِلك الآثار والشّذرات لتكوين صورة عن الماضي.

بذلك يصبح كل تاريخ هو تصور أو بالأحرى رواية عن الماضي الذي لا نعلمه باليقين، بل نُحاول أن نبني تصورًا عنه بدراسة وربط ومقارنة ما بقي منه من آثار وشذرات.

يمكن مقاربة التأريخ بالحوار؛ كي تكون الأطروحة “تاريخية” عليها أن تتبع محددات مبحث التاريخ، وأن يتمكن من دراستها وتحليل أسانيدها كل من اطلع على أبجدياته.

لذا فتبني رواية ما لكونها داعمة لهوية الجماعة، أو لانتشار الرواية وسط أعضاء الجماعة، ليس مبررًا لكونها وصفًا للماضي، وإن لم يكن للرواية أسانيد تقبل البحث، فلا أخذ ولا رد مع تلك الرواية، ومن الأولى أن تُدعى “إيمانًا” لا علمًا، ولا حوارًا.

في علوم اللغة مثلًا، وكيما يتغلب الدارسين على غياب بعض الأصوات في بعض اللغات ووجودها في أخرى، ابتكروا نظامًا صوتيًا دوليًا للتعبير عن جميع الأصوات.

من خلال هذه العلامات الصوتية، يمكن لمتحدث الإنجليزية أن يقرأ كيف تنطق كلمات اللغة الصينية والعكس.

أرى في البحث التاريخي نظامًا مماثلًا لقراءة الماضي، يمكن من خلاله أن تقدم كل جماعة طرحًا مدعومًا بما تملك من أدلة وحجج يمكن أن تفهمه الجماعات الأخرى، وأن تتعاطى معه بالتحليل والنقد، فيصير الماضي حوارًا يتقدم فيه الدليل والمنطق على القومية والهوية والمصلحة، ولهذه الغاية يجب أن نتخلى عن أسطورة الرواية الرسمية/ التراثية.

مارسيون السينوبي.. رجل الأعمال المنبوذ كنسيًا مخترع العهد الجديد | مينا منير

   المسيحية في مصر.. الرواية الرسمية  

إحدى “الروايات الرسمية” التي تحتاج أن تستدعى لطاولة البحث هي دخول المسيحية إلى مصر بكرازة القديس مرقس.

بحسب العهد الجديد، مرقس كان معاونًا لبولس وبطرس، اصطحباه معهمها لعدة مدن للكرازة.

إحدى الروايات التي ينقلها يوسابيوس (مؤرخ كنسي من القرن الثالث/ الرابع) عن بابياس (توفي حوالي سنة 130م) تقول إن مرقس لم يرَ أو يسمع المسيح، بل كان مترجمًا/ كاتبًا لبطرس، وأنه كتب بعض الأخبار التي تذكر أنه سمعها من بطرس (تاريخ الكنيسة 2: 15).

يعود يوسابيوس في موضع آخر ليروي دخول مرقس إلى الإسكندرية ما بين سنة 41-44م ومُقابلته مع أينيانوس حوالي سنة 62-63. لكنها رواية لا تخلو من الريبة. بحسب يوسابيوس (تاريخ الكنيسة 2: 16) آمن نُسَّاك مصر بكرازة مرقس من أول محاولة، وكان نسكهم ذا فلسفة عظيمة، حتى أن فايلو -اليهودي الإسكندري- ارتأى أنه من الحسن أن يُدوِّن أخبارًا عن أعمالهم واجتماعاتهم.

مأزق التعليم المسيحي (1) | لماذا لا نعرف كيف دخلت المسيحية مصر؟ | مينا منير 

   لم يكونوا مسيحيين!  

تكُمن إشكالية الرواية الرسمية في نقطتين:

أولاً: لا مصادر متاحة أسبق على رواية يوسابيوس. حتّى أن الآباء السكندريين السّابقين ليوسابيوس (كليمندس السكندري وأوريجينوس) لم يذكرا الرواية تمامًا. بالتالي، فأقصى ما يمكن تأريخ الرواية إليه فترة حياة يوسابيوس (260- 339م) إلى أن تظهَر مصادر أقدم يمكن دراستها.

ثانيًا: جاء ذكر وصول مرقس إلى مصر كفقرة تمهيدية لتناول فايلو الإسكندري لنساك جماعة الثيرابيوتاي* الذين وصفهم يوسابيوس بـ “نساك اعتنقوا المسيحية بكرازة مرقس”. والإشكال هنا أن يوسابيوس أخطأ في افتراضها كجماعة مسيحية لمجرد تشابهها مع الممارسات النسكية في عصره!

فهل نحن بصدد التعامل مع رواية تاريخية أم أن المسيحيين الأوائل أرادوا تأصيل تقواهم ونسكهم من خلال تشابههم مع جماعات نسكية مصرية ذائعة الصيت كالثيرابيوتاي، وبوضع أنفسهم كمحور لامتداح أشهر فلاسفة يهود الشتات؟

فكرة غريبة، أليس كذلك؟

إليك المزيد إذًا.

لم يكتف يوسابيوس بأن حوّل الثيرابيوتاي للمسيحية، بل حاول إقناع قارئيه بأن فايلو نفسه قابل بطرس في روما. يقول يوسابيوس إن هذه الأخبار غير مستبعده لأن كتابات فايلو – من وجهة نظر يوسابيوس – تعكس تأثرًا كبيرًا بتعاليم الكنيسة. وعلى خطى يوسابيوس، كرر جيروم الرواية ذاتها، وزاد عليها فوتيوس أن فايلو صار مسيحيًا!

من المثير أيضًا أن يكرِز بطرس في روما، وأن يكرز تلميذه في الإسكندرية!

من تاريخ الكنيسة قبل يوسابيوس، نعرف أن ديونيسيوس بابا الإسكندرية استعان بروما لمواجهة الهرطقات، وأن أوريجينوس بعدما إصطدم بديميتريوس بابا الإسكندرية سافر إلى روما سعيًا لمساحة أكثر رحابة للتعليم.

يبدو أن روما كانت حتى ذلك الوقت هي المدينة المسيحية الكُبرى والتي لجأت إليها قيادات الإسكندرية لمواجهة التعاليم غير المُستقيمة (من وجهة نظرها). فهل ظهرت قصة وصول مرقس “تلميذ بطرس” إلى مصر كتأكيد على تبعية كنيسة الإسكندرية لكنيسة روما؟ هل بدأ الأمر من منطلق “لنا المُعلِّم ولكُم تلميذه”؟

   هل جاء مرقس لمصر؟  

تِلك كانت بعض الإشكاليات التي تُحيط بوصول مرقس إلى مصر. أما استشهاد مرقس الذي لا يذكره يوسابيوس أصلًا، بل جاء من نص من القرن الرابع بعنوان أعمال مرقس فلا يقل ضعفًا عن رواية يوسابيوس.

فبالرغم من تشابه بعض التفاصيل الطبوغرافية في أعمال مرقس مع المجتمعات اليهودية السكندرية في القرن الأول، إلا أن تِلك التفاصيل الطبوغرافية لا يُمكن الاعتداد بها كدليل على كون المعلومات المُسجلة عن مرقس واستشهاده ذات قيمة تاريخية، أو تعود بالفعل إلى القرن الأول، بل يُمكن أن نستنتج من ذلِك أن بعض المناطق اليهودية التي شهدت نشاطًا مسيحيًا قد استمر وجودها حتى القرن الرابع.

في المُجمل، يمكن أن نقول أنه لا يوجَد دليل قاطِع على وصول مرقس إلى مصر وعلى صحة رواية يوسابيوس.

بعض الروايات التي تُؤرَّخ للقرن الرابع استفاضت في ربط مرقس بمصر، لكن أيا منها لا يحيلنا إلى مصادر أقدم أجدر بالفحص.

يبدو أن القصه وصلت ليوسابيوس كأخبار شفاهية “على اعتبار استخدامه لعبارة “هم يقولون”. لكن تلك الأخبار قد لا تخلو من الدوافع غير المُعلنة؛ كدعم أولولية كنيسة روما التي كرز فيها بطرس تلميذ المسيح والإسكندرية التي كرز فيها مرقس تلميذ بطرس الذي لم يعاين المسيح.

وعليه فقد يكون هدف الرواية هو أنه إن كان مرقُس قد تسَّلم الإيمان من بطرس فيجب أن تتبَع كنيسة الإسكندرية الكنيسة الرسولية في روما.

كيف دخلت المسيحية مصر؟

أمن خلال أبولوس أم مرقس أم من طريق آخر؟

لا نعلم بوجه التّحديد. لكن إن كنّا لا نعلم، فعلينا ألّا نتساهل في قبول المُتاح ولو كان بلا منطق أو دليل.

ختامًا:

هل من الضروري أن تنتشر الفِكره في مصر بفردٍ واحد؟

ألا توجد أي احتمالات أخرى ذات أبعاد إجتماعية وثقافية وسياسة؟

هل عدم وجود رواية بديلة ذات دليل وحُجَّة تاريخيَّة هو سبب كاف لقبول رواية متأخرة وبلا دليل أثري كرواية يوسابيوس؟

هل استقرار رواية ما في جماعة لمئات السنين سبب أدعى لاعتبارها أكثر موثوقية من ما يمكن أن تصل إليه أدوات البحث التاريخي، حتى وإن كانت تلك النتائج هي أننا “نجهل” ما حدث؟

هذه التساؤلاوت حول منهجيات البحث التّاريخي هي النقطة التي منها يجب أن تبدأ المؤسسات الدينية خطوات تقويم دراسات التّراث الدّيني.

أصل قيامة يسوع المختلف عليها بين الدين والتاريخ | مينا منير


جماعة الثيرابيوتاي التي تعتبرها رواية يوسابيوس وآخرين “المسيحيين الأوائل في مصر” هي جماعة نسكية تأملية عاش أعضاؤها من الرجال والنساء حول بحيرة مريوط في مصر في القرن الأول قبل وصول المسيحية. كانوا يهودًا، لكنهم منفتحون على الفكر اليوناني. وكانوا يدرسون الكتب الفلسفية كلها بدون حدود دينية؛ لذا كانت روحانيتهم وثقافتهم غريبة عن اليهود الفلسطينيين إلى حد ما. وكتب الفيلسوف فيلون كتابًا كاملًا في وصفهم، اسمه “في حياة التأمل” De vita Contemplativa.

https://www.ccel.org/ccel/schaff/npnf201/npnf201.iii.vii.xvii.html

 ورد ذِكر رواية مجيئ مرقس لمصر في رسالة لكليمندس الإسكندري (150- 215م) إكتشفها Morton Smith في دير مارسابا سنة 1958، ولكن ترفض الكنائس التقليدية صحة نسب الرسالة لكليمندس الإسكندري إذ تحتوي على معلومات مفادها أن مرقس قد كتب إنجيلاً “روحانياً” يختلف في بعض فقراته عن إنجيل مرقس الحالي. ولذا فإعتبار تِلك الرسالة نصاً أصلياً يضيف إلى إحتمالية مجيئ مرقس لمصر يضع الباحثين في مواجهة سؤال أكبر بخصوص ذلك النص المدعو إنجيل مرقس السري الذي عرفه كليمندس ونسبه لمرقس تلميذ بطرس.

 Barnard, L. W. (1964). St. Mark and Alexandria. The Harvard Theological Review57(2), p.146.

 PEARSON, B. A. P. (1986). Earliest Christianity in Egypt, p.15. https://austingrad.edu/images/SBL/Earliest%20Christianity%20in%20Egypt.pdf

https://www.ccel.org/ccel/schaff/npnf201.iii.vii.xviii.html#fna_iii.vii.xviii-p2.2

 (de vir ill. 11)

 (Cod. 105)

 Barnard, L. W. (1964). St. Mark and Alexandria. The Harvard Theological Review57(2), p.146.

 Trigg, J. W. (1983). Origen: the Bible and philosophy in the third-century church. John Knox Press, p.15.

 PEARSON, B. A. P. (1986). Earliest Christianity in Egypt, p.10.


رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك