في ذكرى ثورة يناير | إلى متى ستظل حبيسة صور ذهنية مزيفة؟! | حاتم منصور

في ذكرى ثورة يناير | إلى متى ستظل حبيسة صور ذهنية مزيفة؟! | حاتم منصور

24 Jan 2021
حاتم منصور
مصر
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

يصعب على من شارك في ثورة يناير 2011 الاقتناع أن 10 سنوات بالتمام والكمال قد مرت على الحدث. وبالنسبة لمصريين كثيرين – منهم كاتب هذه السطور – لا تزال تفاصيل هذه الأيام الساخنة بين بدء ثورة يناير وإعلان الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك تنحيه عن الحكم، ثابتة في الذاكرة كما لو كانت تخص أحداث البارحة.

الملفت للنظر بخصوص ثورة يناير في مصر، وأحداث ما وصفه الإعلام وقتها بالربيع العربي عامة في المنطقة ككل، أنها أحداث صبغت إعلاميًا حتى اليوم بصور ذهنية مزيفة، تخدم توجهات وأجندات سياسية، لفرق متصارعة مختلفة، لكنها تنافي الحقيقة، أو على الأقل تختزلها بشكل مخل.

مصر تتحدث عن نفسها وترد أيضا على نفسها .. بصوت أعلى | خالد البري

ميدان التحرير

الصورة الأولى: ما حدث كان مؤامرة من دول أجنبية وتنظيمات من الخونة لاسقاط مصر.

يتجاهل أصحاب هذه النظرية وجود نوايا طيبة خلف تحرك ومساندة ملايين في ثورة يناير. وأن العقد السابق لها شهد بوضوح وعلنية فئة ترفض فكرة استمرار مبارك، ومحاولة فرض نجله جمال كوريث للحكم.

لم تقدم الثورة فئة غامضة لا نعرفها إذن. والمفاجأة وقتها كانت فقط في تحول هذه الفئة إلى طرف فاعل في المعادلة السياسية، بعد فترة تخيل فيها كثيرون أن النظام مستقر، وأن سيناريو التوريث سيتم رغمًا عن الجميع.

خطايا حسني مبارك السبع.. دروس للمستقبل من الماضي القريب | هاني عمارة

الصورة الثانية: ما حدث كان ثورة جماعية عظيمة للمصريين طالبوا فيها بالحريات والديمقراطية، والانتقال إلى شكل إداري وتشريعي حديث أقرب للنموذج الغربي.

تمثل هذه الصورة الذهنية المزيفة عن ثورة يناير أكبر مشكلة وكذبة حتى اليوم بخصوص الثورة؛ لأنها تصبغ المصريين عامة وقتها بصفات ورغبات لم يملكها أغلبهم، وتصبغ كل الفئات التي احتشدت ضد استمرار مبارك خاصة بنفس الأمر.

30 يونيو.. محطة تغير التحالفات ولحظة سقوط الأقنعة

الحقيقة البسيطة – والمريرة غالبًا لمن شارك في ثورة يناير من أمثال كاتب هذه السطور – أن هذه صورة ذهنية مزيفة نشأت بسبب افتراضنا أن أصدقاءنا الثوار الموجودين حولنا في الميادين، هم النموذج الذي يمثل عموم المصريين.

وأن هذه الفرضية أو الكذبة، انتقلت أيضًا للإعلام المصري والعربي الذي تبارى بعد تنحي مبارك في مغازلة ثورة يناير والثوار، وفي تقديم صورة وردية مثالية عن المجتمع المصري، ملخصها أن كل شيء في مصر رائع وعظيم، باستثناء مبارك ونظامه وذيوله.

السلطة من أسفل .. الزوجة الثانية في مواجهة الإسلام السياسي | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

حتى اليوم، لا يزال البعض حبيسًا لهذه النظرية فكريًا. وغالبًا سيقابلك بالتزامن مع هذا المقال ومع ذكرى الثورة، مئات أو ألاف المنشورات على السوشال ميديا، التي تكرر نفس الخطأ والزيف، وتختزل مصر وقتها في الشباب المسالم الحالم الذي ينظف الميادين، ويعشق الغناء، ولا يعاني من التعصب الديني. وتختزل مصر اليوم ومشكلاتها في السلطة والحكومات.

اليوم، وعلى ضوء ما حدث في السنوات التالية للثورة، يصبح الاستمرار في هذا العبث جريمة لا مجرد كذبة أو فرضية خطأ. اليوم نعرف بالتأكيد أن الحريات الشخصية والسياسية والدينية وخلافه، لم تكن نهائيًا مطالب على خريطة جموع المصريين.

الاختيار بين مصر الوطن ومصر الولاية .. الدراما المصرية و الإرشاد | محمد زكي الشيمي

بل قد يكون العكس هو الصواب، على ضوء حجم المساندة الشعبية للتيارات الإسلامية في الانتخابات بعد الثورة، والتي ادعى البعض كذبًا أنها تتحقق بفضل هدايا ورشاوي تموينية للفقراء ليس إلا، رغم أن شعبية هذه التيارات طالت كل الفئات في العقود السابقة للثورة على اختلاف مستواها التعليمي والمادي، وهو ما يمكن ملاحظته في اكتساحهم للنقابات واتحادات الطلاب وغيرها.

اليوم نعرف أن الشيء الوحيد الذي جمع من احتشدوا لإسقاط نظام مبارك، هو قناعتهم أن استمرارية هذا النظام ضد مستقبلهم، وإيمانهم أنه لا توجد طريقة أخرى لتغييره. أما البدائل المقترحة والرغبات بعد سقوطه، فلم تشهد توافقًا أو تقاربًا من أي نوع.

في ذكرى 30 يونيو.. ماذا تحقق في ملف المواطنة؟ | مينا منير

اليوم – بعد مرور كل هذه السنوات على ثورة يناير – نعرف أن العائق الأساسي في قضايا الحريات والتحديث والمساواة بين الجنسين وخلافه، ليس السلطة والحكومات والقوانين، بل هو ببساطة وعي عربي عام، تعبر عنه السلطات والحكومات بدرجات مختلفة.

اليوم نعرف أن التحديث والديمقراطية في منطقتنا نقيضان. وأن التحديث يتطلب حتمًا رفض الرضوخ للوعي العام السائد ولرغبات الأغلبية (هذه ديكتاتورية). وأن الديمقراطية لا تعني إلا الإذعان أكثر وأكثر لوعي عام سائد، لا يحلم نهائيًا بالتحول لنموذج على الطراز الغربي الحديث، بقدر ما يحلم بالعودة إلى ماضٍ لم يعشه ويتوهم أنه مثالي، يتراوح بين الخلافة الاسلامية القديمة، أو دولة جمال عبد الناصر.

ربما ليست ثورة يناير وحدها من ظلت حبيسة صور ذهنية مزيفة، وتستحق النقاش؛ لأن عقولنا رسمت على مدار قرون وقرون، ألاف وألاف الصور الذهنية المزيفة عن أحداث وفترات أخرى، وحبست نفسها داخلها حتى اليوم.

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك