الحقيقة: فستان حبيبة طارق كان فاضحا فعلا .. سلوك ابتلع إنجازات مصر منذ 1952 | مينا منير

الحقيقة: فستان حبيبة طارق كان فاضحا فعلا .. سلوك ابتلع إنجازات مصر منذ 1952 | مينا منير

27 Jun 2021
مينا منير دقائق

مينا منير

باحث بجامعة لوزان - سويسرا

مصر
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

ما أن أثيرت قضية فتاة الفستان، حبيبة طارق، حتى انبرى الإعلام للدفاع عنها مما تعرضت له من تنمر، بل ولا أبالغ إن قلت “التحرش” بكل ما تحمله من تبعات قانونية.

لا يخفى على أحد أن انحياز الدولة المصرية للفتاة واضح عبر المنابر التي نعلم أنها تعبر عنها. لكن في سكرة هذا الزخم “الإيجابي” ننسى حقيقة أن فستان حبيبة طارق كان بالفعل فاضحًا.

كان فاضحًا لأمراض تضرب عضد المجتمع لعقود، وهو أمر يرتكز على حقيقة أن صوت الدولة وكل ما تحويه فقاعة الإعلام والإنترنت لا يمثل أكثر من قطرة خل في بحر المجتمع الذي نلتقيه في شوارع مصر الجديدة، وبين قوالح الذرة في الشرقية.

اغلق معي الراوتر والتلفاز واسمح لي أن أصطحبك في هذه الجرعة من الحقيقة:

الجامعة

كالآلاف من دفعتي ممن أنهوا جحيم الثانوية، تطلعت لفترةٍ أكثرَ حريةً ورفقًا بجهازي العصبي في الجامعة.

لكن الأمر لم يستغرق طويلًا لأدرك الكارثة:

في أول محاضرة، وكنا في براءة طالب يرتدي ملابس عادية لا زيًا مدرسيًا لأول مرة، ويتدارك فكرة أن الجنس الآخر يمكن أن يشاركه “البنش”، خرج مجموعة يرتدون نفس اللون “الكاكي” لرجال الحزب النازي، لكن بلُحى غير مشذبة، يحملون مصاحِفَ صغيرة، صارخين بعنف وبلكنةٍ غير مصرية “بترقيق الألف وتعطيش الجيم كلما تيسر”: “السلام عليكم. ياريت الإخوة يقعدوا على اليمين والأخوات على اليسار“.

ساد الارتباك، فلم نكن نعرف من هم، وكنا قد خرجنا للتو من المدرسة التي اعتدنا فيها على تلقي الأوامر، فهل نطيع؟

يدخل بعدها شاب غير ملتحٍ ليقول: كل واحد يقعد براحته.

علمنا بعد ذلك أن هؤلاء “الكاكيّين” أعضاء أسرة التوحيد من جماعة الإخوان. وأن تلك الحركة لم تكن إلا إعلان وجود.

قبول الأنا .. البكيني يكشف نفسية الإسلامجية والبوركيني لا يغطيها | خالد البري

انتي مسيحية؟

كانت نسبة غير المحجبات المسلمات حوالي الثُلث، في أوج العمل الدعوي لعمرو خالد وجيله.

كان التمييز بين المسيحية والمسلمة على أساس الحجاب غير دقيق. لكن بمرور الوقت، رأينا فيالق أسرة التوحيد المنتقبات تلتففن حول فرائسهن لإقناعهن بضرورة التحجب، بالترهيب تارةً وبالترغيب أخرى، حتى انتهى الأمر حرفيًا إلى بقاء فتاتين من كل مسلمات الدفعة بغير حجاب: حنان ونرمين.

حنان، الآتية من فاقوس، وقعت في حب معيد ممن يؤخرون مناقشة الدكتوراه لسنوات ليستطيعوا جمع ما يمكن من أموال الدروس الخصوصية.

خطبها بعد حدث كبير عصف بالكلية: اغتيال مؤسس حماس أحمد ياسين، ومظاهرات أسرة التوحيد، التي شارك فيها المعيد الهمام كباقي المعيدين، الذين يخشون على دروسهم الخصوصية، وبالتالي يتجنبون ابتزازهم سياسيًا. وعليه، ألغوا “السكاشن” نصرةً للقدس.

خرجت حنان معه بالطبع، وهناك حدثت مكلمة حول مظهرها، لم تُحسم إلا قبيل المظاهرة التالية بعد اغتيال عبد العزيز الرنتيسي (أبريل 2004): تحجبت حنان لكي لا تضع نفسها ومعيدها في صورة اجتماعية غير سليمة.

على طول الدفعةِ وعرضها، لم يبقَ من المسلمات غير المحجبات إلا نرمين، خريجة مدرسة الـ Sacré-Cœur، ابنة أستاذ كلية الاقتصاد، الأولى على قسم الحاسب الآلي، والناشطة في حزب التجمع: مثقفة، لطيفة، قوية الشخصية.

السلطة من أسفل .. الزوجة الثانية في مواجهة الإسلام السياسي | خالد البري | رواية صحفية في دقائق

مأزق عير المجبة الوحيدة

كان عام آخر نحو حدث سياسي كبير ليضع نرمين في مأزق: انتخابات برلمان 2005.

لم أرَ شخصًا في الكلية تعرض لهذا الكم من التنمر.

كانت نرمين ضحية مماحكات شبه يومية من طلبة التوحيد، بالإضافة لأسرة النور التي استحدثها الحزب الوطني، فزايدت في مظاهر التدين على أسرة التوحيد، بصورٍ أشهرها وضع سماعات كبيرة تبث أدعية دينية وقرآن في المنطقة التي يقف فيها المسيحيون.

لكل هؤلاء، كانت نرمين تقف كالغصة. أما الطلبة العاديون فقد اعتقدوا أنها مسيحية.

نرمين لم تكن حتى في اصطفافٍ سياسي مع الأقباط: فبينما كان زملائي المسيحيين يُشحنون كالخراف تحت شعار “ابن الطاعة تحل عليه البركة” للتصويت لمرشح الوطني في نطاق إبرشياتهم مقابل نسخ مجانية من كتب البطريرك الراحل، أو رحلة مجانية لمزار البطريرك الذي يسبقه، كانت نرمين تذكِّرهم أنه نفس الحزب الذي يتغاضى عما يحدث لهم من التيارات التي تخيفهم.

لكن ما من مجيب.

قاتل فرج فودة

كان أعضاء في الجامعة يستهدفونها.

أحدَهم كان متورطًا في قضية اغتيال فرج فودة. فلما خرج من السجن عاد لمهنته التعليمية؛ لأن القانون لا يمنع صاحب الوظيفة العامة من مزاولتها إلا بارتكاب جريمة مخلة بالشرف (بحسب قانون الخدمة المدنية 69)، وهي جرائم “الفواحش والتأثر بالشهوات والنزوات” بتعريف المحكمة الإدارية.

أما المشاركة في اغتيال مفكر فلا تندرج تحت البند.

كان الرجل الذي تجاوز سن المعاش ولديه ما يقارب دستة الأبناء يُمعن في إذلال الأقباط وغير المحجبات في امتحان العملي، جهارًا نهارًا، دون سياق قانوني يمنعه.

كان مصير نرمين الاغتيال المعنوي حتى تخرجت.

لكنها نجحت بشكلٍ أسطوري بأن تنجوَ بعقلها من كم التحرش اللفظي والجنسي، والأخطر: الديني. فصارت مثالًا حيًا لما يمكن أن يحدث لفتاة مستقلة في الرأي بوجهٍ عام.

علمت بعد سنين أنها اعتقلت احتزازيًا أثناء انتخابات 2010. ثم خرجت، ويبدو أنها استجابت لنداء الشيخ محمد حسين يعقوب “اللي مش عاجبه يروح كندا” فانتهى بها الحال فعلًا في مونتريال.

من التحرش إلى قضايا ازدراء الأديان .. التطرف لا يفنى ولا يستحدث من عدم | خالد البري

القِوادة

حنان ونرمين – والمئات مثلهما – لم يكُنّ مجرد ضحايا تياراتٍ متشددة كما يحاول الإعلام إقناعنا في تبسيطٍ مخلٍ لتقزيم المعركة. ولا هن ضحايا “ثقافة غريبة عن مجتمعنا”.

ابتزاز حنان ليسا نتاجًا لتشدد فصيل بعينه، وإنما مجتمع ارتأى أن الابتزاز باسم فلسطين وتبعاته الدينية يمكن أن يجبر فتاةَ الشرقية على ملبسٍ بعينه، يتسق مع الحالة الاجتماعية الداعمة لهذه الصورة.

نرمين مصر الجديدة لم تكن ضحية الإخوان، بل جملة سياسات وتشريعات اجتماعية سمحت للإخوان بالتغلغل من خلالها، ووفرت الإطار القانوني للجهادي الذي عاد لعمله؛ لأن القتل مقبول اجتماعيًا عن ممارسة الجنس.

بدورها، لم تكن حبيبة طارق ضحية الإخوان ولا من يُراد لنا أن نظن أنهم أقلية متشددة دينيًا، بل ضحية لنفس المجتمع بسلته القِيَمية التي تحوي نفس أدوات الابتزاز الاجتماعي والديني التي عانت منها حنان ونرمين.

ولكي يصل المجتمع لهذا الحال، استلزم الأمر ما لا أخجل من وصفه بـ “القوادة”. ليس قوادة العاهرات كما هو متداول، ولكن قوادة المغالاة.

باسم القيم الدينية

بمجرد أن حصلت مصر على استقلالها، شكليًا، منذ مئة عام، ظهر من يوفر الحماية لتسريح الظلاميين في أزقة مصر المظلمة للمغالاة على الملك والدستور والأحزاب باسم “القيم الدينية”.

ورغم تعاقب الأنظمة السياسية المتنافرة، ظلت عقلية “تسيير” المغالاة مستمرة، ولا عجب في أن الذي كان “موافيًا” لصلاح نصر في هندسة عملية قوادة نساء للعمل (فيما عُرف بقضية انحرافات المخابرات)، هو الذي كان “موافيًا” للحزب الوطني في هندسة سياسة القوادة التي يتم من خلالها “التسهيل” للغُلاة مقابل مكاسب سياسية.

كل هذه القوادة تحولت من مناورات سياسية إلى تغيير واضح في سلة القيم التي يحتكم لها المواطن الذي يغتال فتاة معنويًا لأنها لا تتبع قيم التدين الريفي، أو أن تبتز أحدهم لأنه لم يقدم فروض الولاء والطاعة لشرذمة من الإرهابيين الذين يحتجزون غزةَ رهينةً باسم نصرة فلسطين.

بالوعة التقدم الاقتصادي

هناك أزمة لن تحل ببناء الكباري، أو حتى بمحاربة الإخوان، بل الاعتراف الأمين بأن كل تلك القوادة/التسيير للمغالاة رسخت منظومة قيمية تنتصر للتخلف لأننا “ناس فلاحين مايعجبناش الكلام دِه”.

في كتابه، أقنعة الناصرية السبعة، يطرح لويس عوض معضلة الحقبة الكبرى: دولة يوليو بالفعل نجحت بشكل كبير في العقد الأول في تعظيم موارد الدولة الصناعية والزراعية بأرقامٍ تجاوزت كل ما قدمته مصر في الزراعة والصناعة على مدار 70 عامًا سبقنها، بل وتجاوزت معدلات النمو السنوي 8%، وهو ما لم يتحقق مثيله حتى اليوم.

أين ذهب كل ذلك؟ يقول عوض إنه ذهب في بالوعة القيم الاجتماعية التي غلبت فيها قيم الريف المدمرة ديمغرافيًا واقتصاديًا فدمرت بدورها الطبقة المتوسطة للمدينة.

لا أبالغ إذن أن فستان حبيبة طارق فاضح، لأنه يفضح الواقع الذي لن تغيره أي مدلات نمو اقتصادي، أو مسلسلات رمضانية تحصر التشدد في فصائل سياسية، وإنما سيتغير في اليوم الذي نعترف فيه أن منظومة القيم الاجتماعية التي عانت من عقودٍ طويلةٍ من القوادة تحتاج أن يُعاد النظر فيها.

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك