الدولة العميقة ضد ترامب في الولايات المتحدة.. الأكذوبة الحقيقية | محمد زكي الشيمي

الدولة العميقة ضد ترامب في الولايات المتحدة.. الأكذوبة الحقيقية | محمد زكي الشيمي

4 Jun 2020
الولايات المتحدة
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في استطلاع أجرته إيكونوميست مع يوجوف في أكتوبر 2019، قال 51% من المستطلعين إنهم سمعوا بتعبير “الدولة العميقة”.

جميع الجمهوريين الذين سمعوا عن الدولة العميقة تقريبًا أبدوا اعتقادهم إنها تحاول الإطاحة بالرئيس دونالد ترامب، مقابل 45% من المستقلين، و10% من الديمقراط.

أهمية هذا السؤال في الاستفتاء وغرابته في الوقت ذاته تكمن في كون تعبير الدولة العميقة لا يحمل تعريفًا محددًا بالنسبة للمواطن الأمريكي. والأهم أنه ليس تعبيرًا شائعًا في عالم السياسة الأمريكية المعتمد بشكل رئيسي على الانتخابات، لدرجة أن كثيرين يعتبرون أن مجرد ذكر تعبير الدولة العميقة في إشارة لشيء يجري في الولايات المتحدة معناه تلقائيًا أن المتحدث مؤمن بنظريات المؤامرة.

   الدولة العميقة.. تركيا – مصر – الولايات المتحدة 

الأمر في الواقع كان يوحي بالتفكير التأمري حتى بدأت الانتخابات الرئاسية الأمريكية 2016 بين دونالد ترامب – هيلاري كلينتون. فوز ترامب أعقبته احتجاجات رفض غير معتادة، أعقبها مواجهات متكررة بين ترامب والإعلام، ثم بين ترامب وجهات مختلفة داخل مؤسسات الدولة.

ومنذ بدأ هذا الصراع الطويل الذي بدت فيه منذ اللحظة الأولى حالة رفض لترامب ورغبة في الإطاحة به، فإن ترامب ومن بعده أنصاره هم من استقدموا المصطلح إلى الساحة الأمريكية، وكرروا استخدامه للإشارة إلى المحاولات التي يقولون إنها مؤسسية وممنهجة للإطاحة به، أو عزله، أو على الأقل منع إعادة انتخابه في الانتخابات الأمريكية 2020.

هل الدولة العميقة في الولايات المتحدة حقيقة إذن؟

الأمر يستدعي إعادة توضيح المعنى الأصلي للمصطلح الذي جرى صكه للدلالة على مؤسسات الدولة في تركيا الكمالية منذ العشرينيات؛ تدليلًا على وجود على دولة داخل الدولة، وللإشارة إلى مؤسسات مثل الجيش والمخابرات والشرطة والمباحث وكبار موظفي الدولة، وإلى كون الدولة العميقة تملك نفوذًا داخل دائرة صنع القرار أكبر مما يفترض في دولة ديمقراطية.

الدولة العميقة بهذا المعنى تحمل دلالات سلبية، منها خروج عناصر في الدولة عن القانون بشكل سري لخدمة مصالح خاصة، أو احتمالية ارتباط هذه الجهات مع كارتل لكبار مصنعي السلاح مثلًا أو مع الجريمة المنظمة والمافيا.

ولهذا، فالمعنى مرتبط أصلًا بالدول المنغلقة، أو ذات الديمقراطية الصورية، أو الدول الفاشلة، وهو بالمناسبة معنى يختلف عن ترويج المصطلح في مصر لفترة باعتباره إشارة للمؤسسات الصلبة للدولة، وقدرتها الراسخة، والذي يستخدم كتعبير إيجابي بخلاف معناه الأصلي.

في الولايات المتحدة، معنى المصطلح نفسه قديم للغاية على الساحة الأمريكية، وإن كان استخدامه حديثًا؛ فوجود جماعة توجه السياسات الأمريكية لمصالحها الخاصة هو هوس قديم، كان اليسار الأمريكي أكثر من أطلق حملة لترويجه أثناء حرب فيتنام، حيث دأب على الزعم بأن السياسة الأمريكية مختطفة من قبل شركات الأسلحة والتصنيع العسكري،

وهي الفكرة المستمرة حتى الآن في الأدبيات السياسية اليسارية في الولايات المتحدة والعالم.

   هل اصطدم ترامب بالدولة العميقة؟ 

رئاسة دونالد ترامب شهدت صدامات مع كل مؤسسات الدولة تقريبًا، من السي آي إيه، إلى المباحث الفيدرالية، إلى وزير خارجيته الذي اختاره بنفسه بالطبع، بالإضافة للمعارضة المعتادة من أعضاء الكونجرس البارزين.

ربما يبقى الاستثناء في وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاجون”، التي لم تصل علاقة ترامب بكبار رجالها لمرحلة الصدام رغم بضعة أخبار هنا وهناك عن خلافات محتملة.

هذه الصراعات والخلافات غير المعتادة هي ما يمنح رصيدًا لفكرة وجود مؤامرة تستهدف إبعاد ترامب من السلطة بأي شكل.

لكن النظرة الفاحصة للمنظومة الأمريكية ستجعلنا نقول أنه إذا كان هناك ما يمكن أن نسميه الدولة العميقة في الولايات المتحدة فإنه ينطبق بدرجة أقل بكثير على هذه المؤسسات أو من على رأسها من مؤسسات أخرى هي في الواقع أقل رسمية؛ فأكثر المؤسسات التي تملك نفوذا واسعًا وغير ظاهر بالدرجة هي المراكز والمؤسسات البحثية، والمرتبطة كلها بأشكال مختلفة بجماعات ضغط، وأحيانًا بجهات تمويل، ثم ارتباط هذه المؤسسات بوسائل إعلامية.

وأخيرًا يأتي دور التشبيك الذي يربط كل هذه المجموعات ببعضها، وبمجموعات أخرى تملك نفوذًا كبيرًا في الدوائر الحزبية في حزبي الديمقراط والجمهوريين، وبالتالي في مختلف أروقة السلطة التشريعية والتنفيذية على مستوى الولاية والمستوى الفيدرالي معًا.

   قانوني على الورق.. لكن الواقع مختلف 

نظريًا، لا يبدو هذا نوعًا من الاستبداد المؤسسي؛ فوجود كل هذه المجموعات قانوني، وعلاقاتها المعلنة قانونية، وحتى تمويلها وفق القواعد المعلنة قانوني، ولا يعتبر التشبيك بين المؤسسات المختلفة جريمة، ولا الضغط السياسي لتنفيذ سياسة معينة أو تشكيل تحالفات لهذا الغرض جريمة.

لكن الأمر مختلف من ناحية التطبيق؛ لأن الأمور لا تجري دائمًا وفق القواعد المعلنة من جهة، وتكتل هذه الأطراف ليس دائمًا بالضرورة لمصالح عامة تخلو من مصالح ومنافع شخصية من جهة أخرى.

يمكننا متابعة ذلك بشكل واضح في الفضائح السياسية المتتالية التي تكشفت في السنوات الماضية، من فضيحة التبرع لمؤسسة كلينتون، إلى اتهام دونالد ترامب بالتورط مع جهات روسية لمحاولة الفوز في الانتخابات، إلى اتهام ترامب وبايدن معًا في فضيحتين مختلفتين مضمونهما واحد هو محاولة التأثير على جهات تحقيق أوكرانية، إلى اتهامات متكررة لترامب بإساءة استعمال السلطة، إلى اتهامات بزيادة نفوذ هذا اللوبي الموالي لطرف أجنبي أو ذاك داخل واشنطن، إلخ.

فكرة الدولة داخل الدولة تتجسد باستمرار في تغطية إعلامية منحازة إلى درجة التركيز أحيانًا على نقاط تافهة جدًا، وتجاهل نقاط مهمة، لمجرد تمرير وجهة نظر اللوبي السياسي الداعم للفكرة المرتكزة على النقاط التافهة.

لكن هذه التغطية الإعلامية ليست سوى قمة جبل الجليد الغاطس لتحالفات وتشبيكات لا حصر لها في خلفية المشهد تُحرك المشهد الإعلامي في هذا الاتجاه أو ذاك. وما يسري على وسائل الإعلام يسري على برامج وتطبيقات التواصل الاجتماعي، وهكذا.

باختصار، الدولة العميقة في الولايات المتحدة رغم كونها أكذوبة، إلا أنها في ذات الوقت حقيقة واضحة.

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك