معجزات الأديان والأجناس (1) | جورج طرابيشي: لماذا اختلفت معجزة النبي محمد؟ | مارك أمجد

معجزات الأديان والأجناس (1) | جورج طرابيشي: لماذا اختلفت معجزة النبي محمد؟ | مارك أمجد

7 May 2019
مارك أمجد دقائق نت
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في مستهل كتابه المعجزة أو سبات العقل في الإسلام، يبدأ المؤلف جورج طرابيشي أطروحته بتفنيد أسباب نشوء المنطق الغرائبي في أدبيات الإسلام.

يتساءل جورج طرابيشي إن كانت فكرة “حصان طروادة” تصلح كتفسير. بمعنى، هل تم الأمر كغزو خارجي ربما عن الغنوصية أو الهرمسية! وهي النظرية التي يؤيدها محمد عابد الجابري. لكن جورج طرابيشي ينفي تلك الاحتمالية، ويرى من وجهة نظره أن تلك الحالة من استقالة العقل، ذاتية جدًا من حيث التكوّن والمصير، حتى أنه أفرد لها مجلدًا خاصًا ضمن سلسلة “نقد العقل العربي”.

   الرسول كوسيط بشري بين الله وعباده 

يلمس جورج طرابيشي في نقده نقطة حساسة من بدن الإسلام كديانة، وهي أن النبي محمدا كان بشريًا مُصطفى من الله لدعوة الناس وهدايتهم. وفي كل تفصيلة صغيرة كانت أم كبيرة، لم يكن يتخذ فعلًا أو رد فعل قبل الرجوع لإلهه، حتى حينما يتعلق الأمر بصناعة المعجزات وبمعايرة خصوم الدعوة، وطلبهم دليلا إعجازيا كي يصدقوا النبوة، حتى في مواقف كهذه لم يكن بمتسعه سوى الركون لاعتزاله ومناجاة ربه. على عكس النبي عيسى الذي كان يقترف معجزاته متى شاء كل يوم، على الطرقات وفي الزيجات، وحتى وهم يلقون القبض عليه، بآلية فردية دون الرجوع للآب، الذي تؤمن المسيحية أنه كان يراقب ابنه يسوع من عليائه دائمًا.

ويولي المؤلف أهمية للجانب الإنساني لا الإعجازي من شخصية النبي محمد، وكيف تضافر معه الوحي وسانده طوال دعوته. فحينما يواجه شخص كل ذلك التعنت والرفض واشتراط المعجزة لقبول الإيمان والدعوة، حتمًا ستنتابه هو الآخر نفس الرغبة في حدوث تلك المعجزة المبهرة، كي يتخلص هؤلاء الحمقى أخيرًا من زنخ عقولهم وتسقط الغشاوة من على أعينهم.

لكن للغرابة، نجد الوحي لا يجاري أشراف قريش، ويعضد محمدًا في اتجاه مغاير لما يرومون، فيؤكد على نبيّه في أكثر من موضع أن معجزته هي القرآن فقط، وعليه أن يقنع بذلك ويعمل به.


الإيمان والدين.. أيهما الطريق إلى الآخر؟


   لماذا تهافتوا على معجزة؟ 

كي نفهم الإشكالية التي قابلها النبي محمد في إقناع أهل بيئته وقتها بأنه لا يملك سوى معجزة واحدة إلهية هي القرآن، علينا أن نعود للبيئة ونشرّح أطياف أبنائها ونقسم أيديولوجيتهم الدينية. إذ يمكننا تصنيفهم إلى ثلاث فئات: الأولى لم يكن لها أي كتاب سماوي وهم سادة قريش، والثانية تمثّل اليهود والثالثة تخص النصارى.

كان طلب سادات قريش للمعجزة كبرهان على إلهية رسالة النبي محمد، مجرد فذلكة أو معركة صبيانية؛ لأنهم حتى لو رأوا تلك المعجزة بأعينهم سيظلون ثابتين على موقفهم لجلافة قلوبهم. أما اليهود والنصارى فموقفهم متشابه لحد كبير ويشترك في عامل الماورائيات.

اليهود يعرفون أنه في يوم من الأيام صعد النبي موسى الجبل وتلقى لوحيْ الشريعة من “آدوناي”، كما أنه شقّ لهم البحر الأحمر وأنزل من السماء المن والسلوى، وفعل إلههم أفاعيل دموية بمصر وأبكارها وفرعونها لما رفض الأخير أن يطلقهم من عبوديتهم.

والنصارى كذلك في جعبتهم أناجيل مكتنزة في كل سفر من أسفارها بمعجزات هائلة، كل واحدة منها أكثر إبهارًا من غيرها. كأن يحيي يسوع ميّتًا أو يجعله كفيفًا يبصر، بل وتتطور المعجزات لهيئة بطولية فنجده يسير على الماء ويحوّل الماء خمرًا. مع فارق أن المعجزة في المسيحية واليهودية كانت أساسًا للديانة، متى سقطت سقط الدين بأكمله، الأمر الذي لم ينهض عليه الإسلام.

ومع تلك الذاكرة عند كلا الفريقين المشحونة بكم رهيب من العجائبيات، لم يكن اقتناعهم بمعجزة عقلية تتلخص في نص القرآن، بشيء سهل تحققه، مهما كان النبي محمد مخلصًا لدعوته.


المسيح خارج الأناجيل: كيف تخيل الروائيون شخص يسوع الإنساني؟ | مارك أمجد


   لماذا لم يعطهم الله المعجزة؟؟ 

لا يكتفي الله برفض تنزيل المعجزة وإنما يبين للنبي محمد لماذا لا يستحقونها.

   1-التعليل بالتكذيب: 

 ويُقصد به أن الأنبياء الذين سبقوا محمد رغم معجزاتهم لم تُقابل دعواتهم إلا بالتكذيب، ونجد ذلك في التوراة فعلًا حينما يكفر اليهود بإله النبي موسى أكثر من مرة ويعبدون العجل الذهبي. كذلك في الأناجيل لما رفضوا بشارة المسيح واعتبروه مُدعيًا وحرّضوا عليه الدولة الرومانية كي تصلبه.

   2-التعليل بالتأويل السحري: 

فحتى لو صنع لهم النبي محمد المعجزات التي يريدونها، سيعتبرونها سحرًا، والسحر مقترن دومًا بإبليس، ثم أن السحر هو الذي حقق للوثنية قدرًا من الرواج والاعتناق، فلو تحقق نفس العنصر في الإسلام فما الفارق إذًا؟ خاصة وأن النبي محمد أتى ليحوّل الضالين من الوثنية للديانة التوحيدية.

ومثلما قامت الديانات الوثنية على المعجزة، يرى جورج طرابيشي أن الإسلام الشيعي انتهج دربًا مشابهًا، وهو يعتبر معجزة “شق القمر” توظيفًا شيعيًا لبيان فاعلية علي بن أبي طالب في تحققها. ويقول جورج طرابيشي بالحرف في متن كتابه:

فالإسلام الشيعي تكوّن وتبلور كديانة مُضطهَدة. وقد تمثل هذا الاضطهاد في مقتلة دائمة، عن طريق التسميم في الغالب، للأئمة خصوصًا وللطالبيين عمومًا. وفي مواجهة هذا الواقع الاضطهادي والرزوح، جيلًا بعد جيل، تحت وطأة الشعور باختلال دائم وغير قابل للتعديل في ميزان القوى، ما كان لمنطق آخر أن يصمد غير منطق المعجزة

   3-التعليل بالتعذيب:  

يوضح الله في أكثر من موضع بالوحي القرآني، أن سبب امتناعه عن تفجير تلك المعجزات، هو أن ذلك سيزيد من عذاب من يكفرون بها في نهاية المطاف. بكلمات أخرى يمكننا القول أن من رأى وكذّب فهو يستحق عقابًا أشنع.

   4-التعليل بعدم النجاعة: 

المنطق الإلهي يستنكر محاولة الإرضاء أو التأثير على غير المؤمنين؛ لأنه لا يرى في انضمامهم نوعًا من القوة للإسلام. ثم إنه يعزو توبتهم من عدمها لمشيئة الله قبل مشيئتهم. زد على ذلك أن الله من المستحيل أن يهدي من شاء الضلال. وأخيرًا، فالرسول وظيفته تتأتى من اسمه أي التبليغ والرسالة، وليس الإقناع والهيمنة التي قد تفضي به إلى محاولة ارتكاب معجزات قريبة لأجواء ألف ليلة وليلة (حسب تشبيه المؤلف) في سبيل أن يتعظ الماكرون.

   5-التعليل بالآيات الكونية:  

كان الأولى بغير المُصدقين قبل طلبهم لمعجزات جديدة، أن يتلفتوا حولهم ويتأملوا المعجزات الكونية الموجودة أينما نظروا، وأبسطها عملية تكون الإنسان في رحم أمه منذ أن يكون مجرد نطفة إلى أن يصير كتلة لحم تتنفس، أضف إلى الطبيعة الزاخرة بمناظر وظواهر تلّح على فكرة وجود خالق إعجازي لكل هذا.

   الإعجاز القرآني 

ولفاعلية العلل السابقة في إبطال أي دعوة، استبعد الإسلام المحفزات الخارقة واعتمد على نص كتابي لا يمكن لأحد أن يأتي بنص آخر في قوته.

ويعتبر جورج طرابيشي ذلك القرار النهائي نوعًا من التحدي للمحيطين بالرسول وقتها، سواء كانوا أميين بلا كتاب سماوي أو كانوا يهودًا أو نصارى. بصريح القول: إن كنتم لا تنوون الإيمان إلا بالظواهر المريبة، فلن نمنحكم سوى كتاب لا تقدرون أن تأتوا بسورة مثيلة لسوره.

يشير المؤلف إلى أن كلمتي “إعجاز” أو “معجزة” لم تُذكرا بالحرف في النص القرآني، لكن من وسط آيات المصحف نجد خمس آيات أقرّت ذلك المفهوم:

 وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ

[البقرة: 23، 24].

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

[هود: 13].

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

[يونس: 38]

قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا

[الإسراء: 88]

أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ

[الطور: 33، 34]

ومع الوقت أصبح الإعجاز القرآني هو الركيزة التي تقوم عليها الديانة، كيفما نلحظ في كتب التفسير وعلم الكلام، وذلك على غرار معجزات عيسى في المسيحية وموسى في اليهودية. ويخلص جورج طرابيشي بعد مراجعته المعجزات في السيرة النبوية، إلى أنه إذا قلنا أن محمدًا إنسان مثل أي إنسان عادي، وأن القرآن نص إعجازي ليس له شبيه، فهذا يفضي بالضرورة إلى أن محمدًا كان رسول الله بحق ولم يدّع النبوة قط.


** كتاب “المعجزة أو سبات العقل في الإسلام” صادر عن دار الساقي ببيروت طبعة أولى 2008 في 190 صفحة.


في ذكرى معروف الرصافي.. هل حان الوقت لمراجعة قرار منع كتابه الشخصية المحمدية؟ | مارك أمجد

الفتنة الطائفية.. أطروحة فيلون عن تحدى الدولة حلت الإشكالية قبل ألفي عام | مينا منير

الإسلام وأصول الحكم.. قصة كتاب كشف ملامح مصر بعد ثورة 1919


رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك