بعتبر العتيبي أن حسن البنا سمى جماعته بـ “الإخوان” تأثرًا بـ “إخوان من أطاع الله” السعودية، التي نجحت في السيطرة على مكة والمدينة، وتأثرًا بشخصية الملك عبد العزيز وتجربته، والذي تحدث عنه في “مجموعة الرسائل”، حين قال: “وفي التاريخ الحديث أروع المثل على ذلك، فمن كان يظن أن الملك عبد العزيز آل سعود وقد فنيت أسرته وشرد أهله وسلب ملكه يسترد هذا الملك ببضعة وعشرين رجلًا، ثم يكون بعد ذلك أملًا من آمال العالم الإسلامي في إعادة مجده وإحياء وحدته”
السعودية الوليدة كادت تكون مقر تأسيس جماعة الإخوان بدل الإسماعيلية، بحسب حسن البنا نفسه، الذي يقول في “مذكرات الدعوة والداعية” إنه اشترط على مستشار الملك عبد العزيز للتدريس في المعهد السعودي في مكة “ألا يعتبر موظفًا يتلقى مجرد تعليمات لتنفيذها، بل صاحب فكرة يعمل على أن تجد مجالها الصالح في دولة ناشئة هي أمل من آمال الإسلام والمسلمين، وشعارها العمل بكتاب الله وسنة رسوله وتحري سيرة السلف الصالح”.
تعثر المشروع، وعمل حسن البنا مدرسًا في الإسماعيلية، وهناك أسس جماعة الإخوان.
ويقول مفتي الإخوان يوسف القرضاوي في مذكرات “ابن القرية والكتاب” إن الجماعة استقبلت الملك عبد العزيز في الإسكندرية بعروض ضخمة عام 1945، وأنه كتب قصيدة في استقباله: “ملائكة تلك أم أنبياء.. أم ابن السعود إلى مصر جاء”.
مع ذلك، بدأ الخلاف بين الإخوان والسعودية مع اندلاع ثورة اليمن في 1948.
رغم التقارب الواضح بين حسن البنا والنظام الإمامي في اليمن في كتب مؤرخي الإخوان، لكن الإخوان قد وصلوا لقناعة بأن بإمكان فروعهم “إقامة الدول وإسقاطها” بتعبير عبد الحليم، فحركوا ثورة ضد حليفهم الإمام يحيى بن حميد الدين من خلال الإخواني الجزائري الفضيل الورتلاني وصهر البنا عبد الحكيم عابدين. رفض الملك عبد العزيز دعم الثورة تسبب في غضب الجماعة، كما أثار مخاوف السعودية نفسها من طموحات الإخوان، وحذرها في التعامل مع حسن البنا.
وفي كتاب “حسن البنا قضيتنا”، ينقل القيادي الإخواني فهمي أبو غدير عن البنا نفسه إن السعودية لم تسمح له بالحج في 1948 إلا بعد التعهد بعدم الخطابة أو الكلام في السياسة.
ورغم توتر العلاقة، يكشف لورينزو فيدينو، رئيس برنامج التطرف في جامعة جورج واشنطن، أن السعودية كشفت وأحبطت مخططًا مصريًا لاغتيال حسن البنا خلال موسم الحج في نفس العام.
ويكشف قادة الإخوان – وبينهم آخر قادة التنظيم الخاص علي عشماوي، ومفتي الجماعة يوسف القرضاوي – أن الملك سعود توسط بين الإخوان والحكومة المصرية بعد الحل الأول، كما دعا الهضيبي لزيارة السعودية واستقبله بشكل خاص.
ترك الملك سعود الحكم في 1964 بينما علاقة الإخوان بدولة يوليو تمر بأسوأ فتراتها. خلفه الملك فيصل الذي بدأت علاقته بالجماعة في وقت مبكر. يقول محمود عبد الحليم، إن الأمير فيصل زار المركز العام للجماعة موفدًا من والده الملك عبد العزيز ضمن زيارة تفاهم حول ما يجب عمله لإنقاذ فلسطين.
ويضيف عبد الحليم أن الإخوان شاركوا ضمن طاقم سكرتارية وترجمة الأمير فيصل في مؤتمر المادة المستديرة حول فلسطين في لندن، الذي ضم العرب واليهود وممثلي الحكومة البريطانية.
وبوصول الملك فيصل للسلطة، حاول التوسط لدى جمال عبد الناصر لمنع تنفيذ إعدام سيد قطب، فلما فشلت الوساطة أمر بالتوسع في طباعة كتب قطب، وفتح أبواب السعودية ملاذًا آمنًا أمام آلاف من نشطاء الإخوان من مصر وسوريا وغيرها، ومنح بعضهم الجنسية السعودية، وأبرزهم الأب الروحي مناع القطان، وعشماوي سليمان، ومصطفى العالم.
وفي السعودية، عقد مرشد الإخوان مأمون الهضيبي أول اجتماع موسع للإخوان في موسم حج 1973؛ هو الأول من نوعه منذ 1954، وشكل ثلاث لجان لعضوية الجماعة في الرياض والدمام وجدة، بحسب القيادي الإخواني الكويتي عبد الله النفيسي، الذي يكشف أن مجلس شوري الجماعة يضم ثلاثة سعوديين، أحدهم ثابت بالتعيين مباشرة من المرشد العام، بين سبعة خليجيين، وهو الرقم الذي يرى النفيسي إنه يفوق ثقل الجماعة في المنطقة كثيرًا، لكنه يقول إنهم يوظفون لجباية الأموال للتنظيم الدولي.
وساهم الملك فيصل في توطيد العلاقة بين النظام المصري والجماعة بعد وفاة جمال عبد الناصر وتولي أنور السادات. حيث عقد عثمان أحمد عثمان ومحمود جامع اجتماعات في السعودية مع قادة الإخوان بالتنسيق مع الملك فيصل، الذي تبرع للأزهر بـ 100 مليون دولار، 40 منها لقيادة حملة ضد الشيوعية والإلحاد.
ويقول ستيفان لاكروا، الأستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس، إن السعودية وطدت علاقاتها مع الإخوان ضمن سياق الحرب الباردة العربية؛ باعتبار الجماعة خصمًا رئيسيًا للتيار القومي المتوسع.
ويضيف أن الإخوان ترسخوا سريعًا في الدولة والمجتمع، واضطلعوا بدور قيادي في الوزارات الحكومية الرئيسية، خصوصًا القطاعات المتعلقة بالشباب والجامعات.
ويكشف الداعية الإخواني العراقي محمد أحمد الراشد أهداف الإخوان في كتاب “المسار” الحركي فيقول:
“ومن البداهة أن نحرص على احتلال المراكز التى تتيح لنا تربية غيرنا وإسماع صوتنا أو تجعل لنا هيبة أكبر، فى عملية شبيهة بما عمله خصوم الإسلام فى السيطرة على المرافق المهمة وتكوين أجيال من الأدباء والقانونيين والمربين استطاعت تبديل الموازين وإحداث انحراف في مجرى الحياة لصالح الجاهلية”.
وفي الثمانينيات، تولى إخواني منصبًا مهمًا في وزارة المعارف، فوصلت كتب البنا وسيد ومحمد قطب وأبو الأعلى المودودي رسميًا إلى المدارس.
وسيطر الإخوان على الجامعة الإسلامية بالمدينة منذ تأسيسها، وتولوا مواقع مهمة في جامعات الملك عبد العزيز وأم القرى والأمير محمد بن سعود. وكان الأب الروحي للمجاهدين الأفغان العرب عبد الله عزام مدرسًا في جامعة الملك عبد العزيز بجدة.
ولعقود من الزمن، تمتع الإخوان بدعم الحكومة السعودية، بما ساعد المجموعة على التوسع في الولايات المتحدة وأوروبا، بحسب واشنطن بوست وتقارير أخرى.
يقول منتدى الشرق الأوسط إن السعودية خصصت موارد هائلة للتصدي للإيديولوجيات اليسارية متسارعة الانتشار في المنطقة، واستثمارات كبيرة لتدشين نظام التعليم، بجانب إطلاق منظمات عالمية، وجمعيات خيرية، ومعسكرات وشبكات اجتماعية.
وبتمويل سعودي، مد سعيد رمضان نشاط الجماعة إلى أوروبا عبر منظمات وجمعيات باتت مصدر تمويل مهما للإخوان حتى الآن.
ويقول العتيبي إن إخوان السعودية تغلغلوا في مؤسسات الدولة ووصلوا فيها لمناصب شديدة الأهمية والحساسية؛ مستغلين خبرتهم الطويلة في العمل السري، وسيطروا على موارد مالية ضخمة من خلال مؤسسات رسمية أو خيرية.
العتيبي يذهب لتقسيم مختلف، يشمل أيضًا إخوان الحجاز، الذين اعتبرهم الأكثر تنظيمًا وتأثيرًا وانتشارًا، وإخوان الزبير، واعتبرهم مسالمين مع بعض الاستثناءات، والثالث إخوان الرياض أو القيادة العامة “وهم نخبة بلا تأثير أو انتشار كبيرين”.
تضيف فورين بوليسي إن المجموعات الأربع حاولت تنسيق أنشطتها باعتبارها جزءًا من كيان واحد أوسع، لكنها لم تنجح أبدًا في الاندماج رسميًا.
وحافظ إخوان السعودية على روابط مع الجماعة الأم في مصر وحضروا بعض اجتماعات التنظيم الدولي في الثمانينيات، لكنهم شاركوا “رسميًا” بصفتهم الشخصية، وليس كممثلين لمجموعاتهم، كما لم يبايعوا المرشد العام؛ لتبقى الروابط فضفاضة دون تنظيم رسمي نظرًا لحساسية الموضوع، بحسب فورين بوليسي.
أيديولوجيًا، اختلف إخوان السعودية عن بقية فروع الجماعة؛ إذ تأثروا بأقطاب السلفية الوهابية في قضايا العقيدة ومسائل الفقه قدر تأثرهم بكتب حسن البنا وسعيد حوا وسيد قطب.
ومن بين الجماعات الأخرى داخل تيار الصحوة ما يسمى بـ “السروريون”، نسبة لعراب الجماعة محمد سرور زين العابدين، الإخواني السوري الذي انشق عن الجماعة علنيًا، وأسس تنظيمًا يجمع بين فكر سيد قطب الحركي وعقيدة توحيد ابن تيمية.
الفارق الأكبر بين الإخوان وبقية الفروع الأكثر سلفية داخل تيار الصحوة الأوسع، بما في ذلك السروريون، أن السلفيين عمومًا يتطلعون إلى الداخل السعودي؛ واهتمامهم منصب على نقاء العقيدة السلفية في المجتمع السعودي من فساد الجماعات الإسلامية “المنحرفة”، بينما كان إخوان السعودية أكثر تركيزا على الخارج، ودفاعًا عن أفكار النفوذ التوسعي مثل “التضامن الإسلامي” و”دعم المسلمين في أي مكان بغض النظر عن عقيدتهم”، فيما ترى فورين بوليسي أن هذا هو السبب في استجابة الشباب السعودي ذي الخلفيات الإخوانية لدعوات “الجهاد” ضد السوفييت في أفغانستان.
توسع تأثير تيار الصحوة في السبعينيات، لا سيما في المدارس والجامعات، حتى جمع في فروعه عشرات الآلاف من الشباب السعودي بنهاية العقد.
بين هؤلاء الشباب كان أسامة بن لادن، مؤسس تنظيم القاعدة، وسامر السويلم، الذي سيصبح لاحقًا القائد خطاب أمير الجهاديين في الشيشان، كلاهما انضم إلى الإخوان في تلك الفترة، لكنهما طُردا من الجماعة لتصميمهما على القتال مع “الجهاديين” في أفغانستان، بينما سمحت لهما الجماعة فقط بإحضار المساعدات إلى باكستان دون الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك.
انتهت علاقة بن لادن مع إخوان السعودية رسميًا، فسلك كل منهما طريقًا مختلفًا؛ توسع بن لادن في العداء للدولة السعودية، في حين تجنب التنظيم أي انتقاد صريح للعائلة المالكة.
غزو الكويت دشن المشروع الإخواني القطري
يقول لاكروا إن الغزو العراقي للكويت خلق أول أزمة كبرى في علاقة إخوان السعودية بالدولة.
انتقدت غالبية فروع الإخوان علانية الوجود العسكري الأمريكي في السعودية بدعوة من الملك فهد، ليبدأ بعدها تيار الصحوة حملة محلية للمطالبة بإصلاحات سياسية جذرية، بما في ذلك عدة رسائل مفتوحة مباشرة إلى الملك.
ورغم سيطرة النظام على الحملة (1994 – 1995)، لكنها أثارت مخاوف السعودية من طموح الإخوان مجددًا، بعدما حملتهم مسؤولية هذه الحلقة غير المسبوقة من المعارضة.
أطلقت الحكومة بعدها إجراءات للحد من أنشطة تيار الصحوة. طردت شخصيات بارزة إخوانية أو قريبة الصلة من الإخوان بشكل غير رسمي، وبينهم محمد قطب، شقيق سيد قطب الذي كان يُدرس في جامعة أم القرى.
في السنوات التالية رممت الجماعة والسعودية علاقاتهما. أعيد دمج تيار الصحوة في المجالات الدينية والاجتماعية، مقابل تجنب قادتها انتقاد الحكومة، ضمن تحالف اضطراري يبرره لاكروا بوفاة ابن باز وابن عثيمين، وحاجة الدولة السعودية إلى تيار الصحوة كمؤسسة دينية بديلة توفر شرعية للحملة ضد الجماعات الجهادية مثل القاعدة في شبه الجزيرة العربية.
محمد قطب مثلًا، الذي طٌرد إلى قطر، عاد إلى السعودية ، كما تحسنت علاقة المملكة بالإخوان خارجها في نفس التوقيت، وأعيد تأسيس الاتصالات المعلقة.
وصل الإخوان إلى السلطة في مصر، وأجرى محمد مرسي زيارته الرسمية الأولى كرئيس إلى السعودية، لكن الخطوة لم تخفف قلق المملكة، مع تصعيد ضغوط إخوان السعودية من جهة، وتقارب إخوان مصر مع إيران.
ينقل ستيفان لاكروا عن مسؤول استخباراتي سعودي لم يسمه إن كثيرين في دوائر العائلة المالكة بدوا مقتنعين بأنه كان على الإخوان الاختيار بين السعودية وإيران؛ “باعتبارهم إسلاميين قبل أن يكونوا سنة”.
أطيح بالإخوان في مصر في ثورة 30 يونيو، ووقعت جميع الشخصيات الرئيسية في تيار الصحوة عرائض وبيانات تدين الإطاحة بمرسي، وبعبارات أكثر أو أقل وضوحًا، دعم الحكومة السعودية للنظام الجديد. وبينما تمسك بعض رجال الدين، مثل ناصر العمر، بالنص الديني البحت، بحجة “حرمة التمرد ضد حاكم مسلم” وأن ما يحدث في مصر هو “صراع بين المشروع الإسلامي والمشروع الغربي المعادي للإسلام، صاغ آخرون حججهم بعبارات سياسية واضحة.
وبعد فض رابعة، استبدل الآلاف من نشطاء إخوان السعودية بصورهم الشخصية علامة رابعة تضامنًا مع الإخوان.
هنا – بحسب لاكروا – تأكدت مخاوف السعودية، التي ردت بتقديم دعم إضافي للنظام الجديد في مصر، وحملة ضد تيار الصحوة في المملكة نفسها.. خصوصًا في الجامعات ومعارض الكتب.
الإجراء الأكثر حسمًا كان المرسوم الملكي الذي قضى بالسجن على من ينتمي أو يدعم أو يتعاطف أو يمول مجموعات فكرية أو دينية متطرفة أو مصنفة إرهابية محليًا أو إقليميًا ودوليًا، قبل أن تدرج السعودية الإخوان على لائحة المنظمات الإرهابية.
30 يونيو.. محطة تغير التحالفات ولحظة سقوط الأقنعة
صراع ٣ يوليو خارج الحدود المصرية: أمريكا والخليج | س/ج في دقائق
يقول لاكروا إن السعودية باتت مقتنعة تمامًا بأن الإخوان وجميع الجماعات المماثلة تمثل تهديدًا وجوديًا لدول الخليح.
ويضيف أن السعودية رأت أن الحل هو إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل سبعينيات القرن الماضي.. أي ما قبل ظهور تيار الصحوة.
يؤكد لاكروا أن القضية الأساسية الأخيرة التي كانت تحمل اتفاقًا بين تيار الصحوة والسعودية كانت ملف سوريا، لكن تبني السعودية لاستراتيجية “أكثر حذرًا” هناك شكل نهاية لمجال التعاون الأخير بين الدولة والإخوان.
وبالتزامن، شكل قطع السعودية لعلاقتها مع قطر – باعتبارها راعي الإخوان الإقليمي – فسخًا للروابط الأخيرة مع الإخوان.
ويقول معهد واشنطن إن مشروع بن سلمان الإصلاحي الإخوان لا يضمن أي مقعد للإخوان الذين لا يتناسبون مع توجهات المملكة الجديدة ولا مع سياسة حلفائها. وبما أن أي تحالف يقوم على المصالح المشتركة، فإن الجماعة وفروعها العديدة لا تشارك بن سلمان في أي من أولوياته – خاصة في ضوء التحديات التي يواجهها مشروعه في الداخل والخارج، بخلاف اهتمام الأفراد السعوديين العصريين بتوسيع نطاق حرياتهم الشخصية.
بعد 70 عامًا من التوغل.. هل تسقط “خلية مصر” إمبراطورية إخوان الكويت؟ | س/ج في دقائق
غزو الكويت دشن المشروع الإخواني القطري
فى ماليزيا الهادئة.. إرهابي مصري وخلية من الإخوان المسلمين كادت تخدع الجميع | الحكاية في دقائق
ألمانيا باتجاه تطبيق ضريبة المساجد. لماذا؟ وكيف تورطت تركيا؟ | س/ج في دقائق
اختراق الإسلاميين لبريطانيا (١): كيف مولت القاعدة تفجيرات لندن وهجمات 11 سبتمبر بأموال البريطانيين؟
اختراق الإسلاميين لبريطانيا (3): جامعة لندن المتعاقدة مع قطر .. ومعمل تخريج الإرهابيين