معضلة إفساد الأخلاق | من أفلاطون إلى عادل إمام.. هل نقلد الفن أم يقلدنا؟ | أمجد جمال

معضلة إفساد الأخلاق | من أفلاطون إلى عادل إمام.. هل نقلد الفن أم يقلدنا؟ | أمجد جمال

11 Mar 2021

أمجد جمال

ناقد فني

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في مشهد من “عريس من جهة أمنية” يذهب عادل إمام وابنته لمعرض فن تشكيلي. وهناك يفاجأ بأن ما يظنه مجرد “شخبطة” يعتبره آخرون فنًا رفيعًا تباع القطعة منه بآلاف الجنيهات. فتتغير نبرته بالتدريج للتقبل على مضض.

هل أحب عادل إمام هذا الفن؟ لا. لكنه اضطر للنظر له بحرص؛ لأن هناك من يعتبره فنًا ومنهم ابنته.

عبقرية المشهد لا تكتمل إلا بنهايته، أثناء مغادرة المكان، يفتعل الإشادة بنقوش مشابهة على الحائط، فتقاطعه ابنته أن هذا ليس سوى الباب!

   الفن الضار.. بين تولستوي وباتر 

كيف تغير انطباع عادل إمام تجاه نفس الشيء، مرة حين قيل له أن فن ومرة حين قيل له أنه مجرد باب؟ هذا واحد من المذاهب الرئيسية في الاستطيقة (علم الجمال)، وتطبيق ذكي لمفهوم الموافقة المؤقتة أو التحييد (Disinterestedness) الذي تبناه فلاسفة مثل كانط وشوبنهاور.

والمفهوم يعني باختصار أن نظرتنا للشيء تتغير بوصفه عملًا فنيًا، فتصبح منفصلة عن معتقداتنا الشخصية وخبراتنا وأفكارنا المسبقة عنه، والأهم أنها تصبح منزهة عن وظيفية الشيء، فنراه معبرًا عن نفسه من داخلها لا بإسقاط مرجعية خارجية.

وبالمثل، فإن ما نقرأه في رواية ليس كما نقرأه في كتاب ديني، وما نشاهده في فيلم ليس كما نسمعه في خطاب لزعيم سياسي.

هذه واحدة من النظريات المضادة لفكرة أن “الفن مؤثر لدرجة تجعله يهدد المجتمعات بنشر الأفكار الضارة وتطبيع النماذج الشريرة”.

فكرة بدأت من ورائها أسئلة الفن الهادف والفن الهادم، وإذا كنا نقلد الفن أم يقلدنا الفن، وإذا كان يجب إخضاع الفن للرقابة الصارمة لحماية المجتمع أم لحرية الفنان وضميره.

هناك من يقف في صف الأخلاق ضد الفن:

تولستوي انتهى إلى أن حياة بلا فن على الإطلاق أفضل من عواقب الفن الضار “الذي لا يتبنى قيم الإخاء المسيحية”.

لكن:

تعريفات الفن الضار تغيرت بتغير القرون والحضارات ونسبية القيم، وهي نقطة ضد اتجاه الفن الأخلاقي؛ لأن الأخلاق متغيرة.

في المعسكر الآخر والتر باتر يقول:

“الغاية ليست ثمرة التجربة، بل التجربة ذاتها. وأبدع مصدر لهذه التجربة هو حب الفن لذاته؛ إذ إن الفن يأتي إليك وقد اعترف صراحة أنه لا يزمع إعطاءك إلا أرفع مستوى للحظاتك وهي تمر، وذلك من أجل هذه اللحظات وحسب”.

لكن هل الفن ليس سوى لحظات تذوقه فعلًا؟

لا أستطيع موافقة باتر، خاصة وأني بدأت هذا المقال بالاستشهاد بعمل فني آثاره لا تزال باقية بعد سنوات.

لكن الملاحظ أن سؤال الفن والأخلاق أشبه بالمصيدة:

إما أن تعترف بأن الفن سلاح مؤثر، وبذلك تعطي المتسلطين حق مصادرة هذا السلاح حين يضل تأثيره،

وإما أن تعترف بأن الفن غير مؤثر إطلاقًا فتعطيهم حق إلغاء الفن وتهميشه بحسب مصالحهم.

ألا توجد نقطة وسط؟ وكيف ومتى بدأت الأزمة تحديدًا بالربط بين الفن والأخلاق والتقليد؟

سكاكين السوشيال ميديا التي تحتاجها صناعة الفن أحيانًا | حاتم منصور

   أفلاطون.. مصيدة الفن والأخلاق 

أول من نظّر لفكرة الرقابة الصارمة على الفنون كان أفلاطون في كتاب الجمهورية، فكان ينظر للذة التذوق الفني بازدراء؛ لأنه يرى الفنانين مخلوقات غير عاقلة، منتجهم الإبداعي ضرب من الجنون ومناقض للعقل والحقيقة، ويمكن أن يؤثر في طباع الصغار والكبار بشكل سلبي لو خرج عن التنظيم الاجتماعي.

رفض أفلاطون في “محاورة القوانين” الشعر إلا ما يشيد بفضائل الآلهة والأخيار، ونادى بحظر المؤلفات الموسيقية التي تعبر عن “الثمل، والخنث، والخمور”، وبعدم السماح إلا بالإيقاعات الملائمة لحياة الشجاعة وضبط النفس.

نقاد أفلاطون، أمثال جيروم ستولنيتز، حاولوا التوفيق بين مفارقة كونه فنانًا عظيمًا قبل أن يكون فيلسوفًا، وبين كونه عدائيًا بقسوة في موقفه من الفنانين.

رجحوا أن السبب الأول قوة الفنون بين الإغريق؛ إذ كانت جزءًا أصيلًا من العقيدة الدينية والتعليم، وبالتالي الفن كان سلاحًا فتاكًا بالفعل، لا فصل فيه بين الجمالي والوعظي. حتى جاء أرسطو الذي خالف أستاذه ودافع عن نزعة الفن من أجل الفن.

السبب الأهم أن أفلاطون كان يتحدث عن الوضع في “المدينة الفاضلة” حيث الفنون ليست المصدر الحصري للجمال، بل المنظومة كلها تسير في نسق منسجم وعادل وخيّر، حيث الجمال في دولة أفلاطون سيعم كل شيء.

لكن في المدينة الواقعية بفسادها وظلمها: ألا نحتاج لمصادر صناعية للجمال؟ ألا نحتاج لإسكات العقل والمنطق أحيانًا للاستمتاع ببعض جنون المبدعين؟ ألا نحتاج للكوميديا بشكل وجودي؟

الأقرب في عداء أفلاطون للفنون أنه إحباط دفين تجاه الحالة الإنسانية، أو تجاه الدولة الواقعية مقارنة باليوتوبيا؛ لأنك حين تخفق في التحكم في مهازل الواقع تبدأ في استعراض قوتك على الفنون.

مشكلتنا مع المقدس | عندما تُعمل العقل في معتقدات الآخرين ثم تتشبث بخرافاتك | دينا مريع

   عادل إمام نموذجًا 

عادل إمام هو الفنان المصري الأكثر تأثيرًا على الإطلاق. أعماله هي الأكثر نفوذًا في ثقافة محيطنا. أضاف الكثير من الإيجابيات من خلال أعماله، لكنه يهاجم بضراوة على سلبيات نفس الأعمال وعلى رأسها مزاعم تطبيع ثقافة التحرش.

عدد من شخصيات الزعيم أظهرت تطاولًا على أجساد النساء من باب الفكاهة. حاولت إحصاء تلك الأفلام من إجمالي 120 فيلمًا قدمها. والنسبة لم تكن كبيرة.

عد معي، حنفي الأبهة، الواد محروس، بوبوس، التجربة الدانماركية، مرجان أحمد مرجان، أمير الظلام، الإرهابي.

تتبع الأعمال المتهمة بترويج التحرش، ستجدها متركزة في شخصيات سوقة، أميين وجهلة، لصوص، فاسدين، متزمتين، ومحبطين جنسيًا. هل الشخصيات المتحرشة في فيلموجرافيا الزعيم كانت تقدم مثلًا عليا للتقليد أم نماذج مرفوضة؟

لا زلت أتفهم استنكار البعض لتلك الأفعال حتى لو كان السياق العام للفيلم يدينها لأنها تقدم بصورة بطولية وخفيفة الظل ومن ثم داعية للتقليد وقد تكون سببًا في ظاهرة التحرش الجنسي. لكن هل هناك دليل حقيقي على ذلك؟

متحرش السينما..أسطورة عادل إمام الذي خرب المجتمع | حاتم منصور

   هل نقلد الأفلام أم تقلدنا الأفلام؟ 

من خلال سينما عادل إمام نعود للسؤال الأصلي، هل نقلد الأفلام أم تقلدنا الأفلام؟

لا يوجد خط مرئي فاصل بين وجود الظاهرة في الشارع ووجودها في الأفلام. لا دليل أن متحرشي الشوارع يقلدون عادل إمام الخيالية، لكن الملحوظة المثيرة أن شخصيات الزعيم المتهمة لم تكن تمارس العنف المجاني على أجساد النساء فحسب، بل ضد الرجال أيضًا، الصفعات واللكمات بلا سبب سوى الفكاهة.

لو سرنا وفق نظرية التحرش تقليد للفن: هل يسير الذكر المتأثر بعادل إمام في الشوارع يصفع الذكور دون مبرر؟ هل يصبّح عليك مديرك بلكمة؟ هل تضرب السائق على رأسه كي تُضحك بقية الركاب؟

تلك السلوكيات كان يفعلها عادل إمام بأفلامه بمعدلات أكبر من التحرش. رغم ذلك، لا نستطيع أن ندعي انعكاس ذلك على ظاهرة مجتمعية ما.

وفي ذلك هناك احتمالان:

الأول: أن الناس لم تقلد عادل إمام في الأولى كي تقلده في الثانية، وتبقى العلاقة بين تحرش الأفلام وتحرش الواقع عرضية لا سببية. وهنا فالمتفرج واعٍ بالدرجة الكافية التي تجعله يحيد استمتاعه بعناصر الفن الجمالية عن شوائبه الموضوعية. بل إننا حين نضحك على فعل خطأ يكون السبب إيماننا الراسخ بالصواب، وبذلك نمارس ما سمّاه الفلاسفة بـ “الموافقة المؤقتة”.

الثاني: أن بعض الذكور قلدوا عادل إمام في عنفه ضد النساء بالفعل لأنهم يستطيعون تقليده بسبب جوهري وهو غياب الرادع، بينما لم يقلدوا عنفه ضد الذكور لأن هناك رادعًا فوريًا، والصفعة الواحدة ضد ذكر بلا مبرر سيقابلها عشر صفعات.

ومن ثم نعود لاستنتاجاتنا عن نظريات أفلاطون الرقابية على الفن كونه إحباطًا من الواقع بالأساس، فالتحرش لغياب الردع يجعل من الأولى بنا إيجاد الردع بتفعيل القوانين وتشديدها، والبحث عن جذور المشكلة في ثقافتنا الدينية والتربوية، لا بإدانة الفن واستخدامه كشماعة لكل مهازلنا؛ لأن حقيقة غياب الردع تعطي الفرصة للمجرمين بالفطرة بالتحاوز دون الحاجة لمشاهدة أعمال فنية تحرضهم على التجاوز من الأساس.

   إنه الباب 

ولأننا نتحدث في أمور الفن وفلسفة الجمال، أي العلوم الإنسانية التي لا تخضع استنتاجاتها لتجارب معملية أو معادلات رياضية، لن نستطيع تأكيد فكرة ما بشكل مطلق، لكننا نستطيع استبعاد بعض الأفكار بطريقة الاستثناء ينفي القاعدة.

فلو أن 100 شخص شاهدوا فيلمًا عن القتل، وخرج منهم مشاهد واحد ليقلد ما شاهده، فهو ليس حجة على الفيلم، بل هناك 99 مثالًا ينفي الزعم مقابل مثال 1 يؤيده.

في واحدة من أشهر قضايا الفن والأخلاق في الثلاثينيات، طالب التيار المحافظ بحظر رواية “عوليس” لجيمس جويس من النشر في أمريكا لاتهامها بأنها “مخلة”. وجاء ضمن حيثيات القاضي لرفض الدعوى: “عندما يقرأ إنسان سوي هذه القصة لن تؤدي إلى إثارة المشاعر الجنسية أو الأفكار الشهوانية. والقانون لا يهتم إلا بالشخص السوي.”

فارق كبير حين نقول أن الفن يؤثر فينا بعناصره الجمالية، وحين نقول إنه يدعونا لتقليده، دون تمييز.

أفلام عادل إمام مؤثرة لأنها تضحكنا وتبكينا وتغذي وجداننا بالمعارف والأنماط الإنسانية الشيقة، وتثير حواسنا بالبهجة والأفكار الذكية مثل ذلك المشهد الافتتاحي للمقال. هذا ما نعود إليه حقًا، وهو ما يؤثر فينا. أما الصغائر فهي لا شيء، أو كما ردت عليه ابنته إنه “الباب”!

من دفاتر صلاح أبو سيف.. الواقعية والرقابة والجنس والنقاد | أمجد جمال


 

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك