The White Tiger | النمر الأبيض الهندي يرد على الجوكر. هل استحق تصدر نتفليكس؟ | أمجد جمال

The White Tiger | النمر الأبيض الهندي يرد على الجوكر. هل استحق تصدر نتفليكس؟ | أمجد جمال

7 Feb 2021

أمجد جمال

ناقد فني

سينما عالمية
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

الماسالا خليط من التوابل الهندية الشهيرة التي تستخدم في معظم الأكلات هناك. لكنه أيضًا مصطلح سينمائي أطلقه النقاد الهنود على أفلام بوليوود نظرًا لتركيبتها التجارية التي تخلط كل شيء داخل عمل فني واحد: رقص، غناء، قصص حب، انتقام، مطاردات، كوميديا، ميلودراما، بطل خارق، وشرير خارق.

تركيبة أفلام الماسالا بقدر ما كانت عامل جذب لشرائح عديدة من الجمهور حول العالم، بقدر ما نفرت قطاعًا جماهيريًا آخر من تلك الأفلام، ووصمت السينما الهندية كمعيار للسذاجة واللامعقولية.

The White Tiger أو “النمر الأبيض” فيلم عن الهند. لكنه ليس فيلمًا هنديًا، بمعيار جنسية مخرجه الأمريكي رامين باهراني، والجهة الإنتاجية نتفليكس.

ولا يعتبر فيلمًا هنديًا بأسلوبه الفني البعيد عن خلطة الماسالا، ولا هو هندي باللغة المحلية التي استخدم الصناع الإنجليزية بدلا منها، ليأخذ الفيلم صبغة دولية.

لا أقصد تلك الصبغة التي شاهدناها في Slumdog Millionaire لأن الأخير احتوى على كثير من مشهيات أفلام الماسالا.

   The White Tiger.. امتداد الجوكر 

The White Tiger أو “النمر الأبيض” مبني على رواية بنفس الاسم كتبها رافيند أديجا 2008، وحصلت على جائزة البوكر الدولية. وهي رواية تخضع المجتمع الهندي لتشريح ساخر وقاسٍ فيما يتعلق بالطبقية والسياسة والدين.

كتب لها باهراني السيناريو السينمائي وركز فيه على خط الطبقية، مهمشًا لدرجة عنصري السياسة والدين، فخرج بفيلم هندي الروح والثقافة والشخصيات، لكنه يتجاوز الهند في تناوله لتلك المفاهيم الاجتماعية والنفسية.

الملاحظ أن “النمر الأبيض” يتزامن مع موجة عالمية من السهل ملاحظتها لأفلام تتناول الطبقية بأساليب حكي صادمة ومبتكرة، منها الكوري الجنوبي Parasite، والإسباني The Platform، والأميركي Joker. وجميع تلك الأفلام حظت بطوائف واسعة من المعجبين، آخرها The White Tiger الذي استطاع في أسابيع عرضه الأولى تصدر نسب المشاهدة بمنصة نتفليكس في معظم دول العالم.

فيلم النمر الأبيض نتفليكس

   البطل ليس صادقًا بالضرورة 

يقدم The White Tiger قصة صعود لشخصية “بالرام” من طفل بقرية هندية مدقعة الفقر تقع تحت استغلال بعض الأثرياء وأصحاب النفوذ الذين يسرقون ثرواتها.

يتوفى والد بالرام لغياب الرعاية الصحية بالقرية، فيترك الصبي التعليم ويعمل بمقهى مع شقيقه، فيترقى لسائق لعائلة من الطبقة الثرية، ثم إلى خادمهم الخاص بمدينة ديلهي، ثم إلى رائد أعمال في بانغلور عاصمة البيزنس والأموال.

الفارق بين بالرام وجميع أقرانه من أبناء قريته أو الطبقة الكادحة، أنه يملك طموح كبير لدرجة مهووسة، لكن هل هذا كل ما يتطلبه الأمر للعبور بين الطبقات؟

ربما هذا ما يتطلبه بعيون بالرام وهو راوي القصة، حيث يشبّه نفسه بحيوان النمر الأبيض النادر، الذي يظهر مرة واحدة كطفرة بين بقية النمور كل عدة أعوام.

لكن الفيلم يمهدنا من البداية لأن رؤية وتعليق البطل على الأحداث ليست انعكاسًا لحقيقة الأحداث، بل خليط من الكاريكاتورية التي ربما يسخر فيها البطل من المفاهيم، أو يؤمن بها حقًا لمجرد إنه شخص معتل القيم والمعرفة، كما يشبهه سيده المثقف المثالي “أشوك” في أحد المشاهد بإنه إنسان نصف مكتمل، نصف متعلم، نصف مثقف، نصف حِرفي، نصف أخلاقي.

إنه يمثل الهند الجديدة حيث الشريحة العظمى من الناس غير مؤهلين إلا ليكونوا مُستهلكين.

   ليس هنديًا 

الأفلام الهندية التقليدية تقدم صراعًا سطحيًا بين الخير والشر، بين نبلاء وأوغاد. بينما The White Tiger “النمر الأبيض” يقدم قصة سينيكالية كل شخصياتها من الأوغاد أو الناقصين الذين يتلاعبون بمصائر بغضهم البعض، أو يتلاعب بهم العالم.

حتى وصف آشوك لبالرام وبقية الطبقة الفقيرة بنصف المكتملين يمكن اتساعه ليشمل الطبقة الثرية، وهي تعاني من نفس المشكلات الثقافية، ربما لأن ظروف وسبل الوصول للثراء ليست عادلة على الجانبين. بالتالي فالثروة لا تمثل إلا جائزة صماء للفائز في حلبة ملاكمة الصراع الطبقي ولا تعبر بالضرورة عن أي شيء آخر.

يكمن هنا الطرح الفلسفي الأعمق للفيلم بأن الخطر الحقيقي لتلاشي الطبقة المتوسطة هو تلاشي القيم والمعرفة الحقيقية التي تصنع اتزان المجتمع.

قصة الفيلم كذلك تتعمق في الجانب النفسي لثنائية السيد والخادم، بطرح مثير يشكك في أن العامل الاقتصادي وحده هو ما يحكم موازين القوى بين الغني والفقير.. العبد والسيد.. الخادم والمخدوم.. رئيس الشركة والموظف.. المواطن والسلطة.

The white tiger review daqaeq

سينما المؤلف والمخرج.. الفن يتسع للجميع

   ثنائية السياسة والدين 

فيلم The White Tiger احتوى على نبرة سياسية ودينية ساخرة، تمثلت في تقديم مرشحة الحزب الاشتراكي التي تتاجر بالشعارات والفقراء في حين تختلس وترتشي لتحقق ثروة شخصية.

والأحداث نفسها تُروى بصيغة خطاب يرسله البطل لرئيس الوزراء الصيني أثناء زيارته للهند، يدعوه بالرام لزيارة شركته والتعاون الاقتصادي معه، وهو خطاب نصف جاد نصف ساخر.

يتخلل الخطاب فقرات فكاهية للتعليق على التشابه بين الهند والصين في القرن الـ 21 وصعودهم الذي بات يهدد الرجل الأبيض في الغرب، فالعصر القادم بحسب بالرام سيكون لأصحاب البشرة الصفراء والبُنية.

التعليق يقال مرة في بداية الفيلم ومرة قبل نهايته، فيتحول من تعليق إيجابي عن النمو الاقتصادي، لتحذير بأن هذا النمو يحدث بالأساس بسبب الفساد ولسحق تلك الدول لمعايير الإنسانية التي تحكم الرجل الأبيض أو تقيده.

أما أبرز لوحة يقدمها الفيلم عن الدين، فظهرت في ذلك المشهد حيث يذهب بالرام الخادم مع سيده آشوك للتعبد في معبد هندوسي، وقبل رحيلهما يتبرعان بقربان للإله، فيخرج السيد من جيبه رزمة من الأوراق المالية، بينما يخرج بالرام قليلًا من النقود المعدنية.

فيلم هندي النمر الأبيض


   اختيار موفق للأبطال والقصة 

التمثيل وتسكين الأدوار من نقاط القوة الكبرى في The White Tiger.

اندهشت حين علمت أن النجمة بريانكا شوبرا هي من سعت وراء منتجي الفيلم حين علمت بتحويل روايتها المفضلة للسينما، وطلبت أن تكون جزءًا من هذا المشروع، لتحصل على دور بينكي الذي بدا وكأنه كُتب خصيصًا لها، كما شاركت كمنتج منفذ للفيلم.

كذلك بطل الفيلم الممثل الشاب أدارش غوراف، قدم أداءً قويًا لشخصية بالرام التي تجمع بين اللطف والبشاشة والبراءة لكنها مستعدة للغدر والتوحش في أية لحظة، تمامًا مثل النمر الأبيض الذي يتآلف معه.

The white tiger movie

يقول بالرام في بداية الفيلم إن هناك هندين، الهند الملونة الزاهية، والهند المظلمة.

عرفنا الهند الأولى بأفلام الماسالا،

بينما الهند الثانية برع المخرج رامين باهراني في تقديمها،

وربما يغضب هذا العرض الهنود كعادة ردود الأفعال ضد الفن في الدول النامية، سيتهمونه حتمًا بأنه يقدم بورنو الفقر، وهذا غير حقيقي؛ لأن الفيلم لا يقدم الفقر والفقراء بشكل رومانسي، بل يجعل المتفرج يشعر بعدم راحة في كل المشاهد التي تعرض تفاصيل الفقر الصادقة.

سيتهمونه بالاستشراق وبتنميط الثقافة الهندية، وهناك تنميط فعلًا، هناك نمر هناك مهراجا هناك أبقار، هناك غاندي، كل الكليشيهات التي تجعلنا نشعر بالهند موجودة، لكنها استخدمت كأداة ساخرة بالأساس.

سيتهمونه بالمبالغة للإساءة لسمعة الهند، وهناك مبالغة فعلا وتجميع لكل الظروف والملامح متطرفة القسوة حول الهند كدولة وكمجتمع. لكن في أفلام الماسالا هناك مبالغات كذلك، الفارق أن مبالغات النمر الأبيض تُستخدم كأداة فنية ليعبر باهراني عن هم إنساني حقيقي يتجاوز الهند.

النمر الأبيض عمل فني تمت كتابته وإنتاجه وتمثيله بدقة تجعله يستحق المشاهدة.


 

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك