حافظ الأسد – نزار قباني | بلقيس التي قادت “أول شاعر يقف على قدميه” لتحدي “ملك الانقلابات”

حافظ الأسد – نزار قباني | بلقيس التي قادت “أول شاعر يقف على قدميه” لتحدي “ملك الانقلابات”

9 Jun 2021
أحمد متاريك دقائق.نت
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

علاقة معقدة جمعت حافظ الأسد بالشاعر الدمشقي الأشهر نزار قباني.

كلاهما وُلد في فترة متزامنة (نزار يكبر حافظ بـ 7 أعوام).

كلاهما شق طريقه في نفس الظروف المشتعلة خلال الأربعينيات والخمسينيات.

وكلاهما نجح في تجاوزها بنجاح: ثبّت حافظ الأسد أركانه في السياسة وخلّد نزار قباني اسمه في الشعر.

   ملك الانقلابات.. وأول شاعر “يقف على قدميه” 

منذ 1949، عاشت سوريا انقلابات عسكرية شارك حافظ بنصيب الأسد فيها، وكان الوحيد الذي نجا منها، ليقترب تدريجيًا من القيادة، بعدما تحوّل من ضابط مفصول إلى وزير دفاع إثر انقلاب 1966.

بعدها بـ 4 سنوات، وصل حافظ الأسد بِانقلاب آخر “الحركة التصحيحية” لمقعد الرئاسة، ليقضي على كل خصوم السياسة، ويصبح أخيرًا حاكمًا وحيدًا دون مراكز قوى تُنازعه صلاحياته.

شخص واحد زاحمه على الشعبية، لكنه لم يخض معترك السلطة أبدًا.. كان الشاعر الدمشقي نزار قباني.

في عام الحركة التصحيحية ذاته (1971)، كان نزار قباني يعيش ذروة نجاحه المهني والشخصي، استقال من الخارجية السورية، وتزوّج أخيرًا حُب عُمره العراقية الحسناء بلقيس الراوي، بعد 8 أعوامٍ من رفض عائلتها ارتباطهما.

وصل لقمة نضجه الشعري، بديواني “كتاب الحب”، و”قصائد متوحشة”.

وغنّى محمد عبد الوهاب قصيدته الشهيرة “أصبح عندي الآن بندقية” بعد عامٍ من غناء أم كلثوم لها في 1969م ليزداد نجاحها نجاحًا.

موهبة نزار قباني أظهرت تفردها، تحديدًا عند وفاة جمال عبد الناصر في ذات العام، وتزاحُم مئات المبدعين العرب على رثائه، ضاعت كلماتهم بمرور الزمن ولم يبقَ في الذاكرة إلا “قتلناك يا آخر الأنبياء” و”الهرم الرابع”، التي غنّاها المطرب الليبي محمد حسن بأمرٍ من معمر القذافي شخصيًا.

النجاح الفريد دفع نزار قباني ليعتبر نفسه في حوار صحفي “أول شاعر عربي يقف على قدميه”، بعدما كان الشاعر قديمًا معادلًا للشحاذ.

وتلخّص هذه العبارة الأخيرة واقع علاقته المعقدة بحافظ الأسد.. لأنه حاول دومًا أن يقف على قدميه أمام رئيس أحب أن ينحني الجميع أمامه.

   انفصال قبل الاشتباك 

باستقالته، اختار نزار قباني الرحيل إلى بيروت، لأسبابٍ تباينت المراجع في شرحها، ما قلّل فُرص الاشتباكٍ مع حافظ الأسد.

اشتباك لم يكن باستطاعته التهرَّب منه عندما اندلعت حرب أكتوبر 1973، فتفاعَل نزار قباني فورًا بقصيدة “ترصيع بالذهب على سيف دمشقي”، والتي ختمها بقوله (اركبي الشمس يا دمشق حصانًا.. ولك الله “حافظٌ” و”أمينُ”)، محولًا اسم الرئيس صفة تجعل من حافظٍ حافظًا لسوريا.

وفقًا لشهادة وزير الثقافي رياض آغا، حرص حافظ الأسد على إقامة علاقة جيدة مع شاعر دمشق الأهم. وعندما تعرّض نزار لوعكة صحية، اطمأن عليه بنفسه.

ليرد نزار قباني برسالة شاكرة شاعرية: “الرئيس حافظ الأسد هو صديق الشجرة والغيمة، وسنبلة القمح والحقول، والأطفال والغابات، والجداول والعصافير والشعراء، وفيروز وعاصي الرحباني. ولو أنّ عصفورًا واحدًا سقط، أو غمامة واحدة بكت، أو سنبلة قمح واحدة انكسرت، لحمل إليها حافظ الأسد وعاء المهل ووقف فوق رأسها حتى تشفى”.

عندما أعلن حافظ الأسد تدشين سد الفرات، بارَك نزار قباني الخطوة كاتبًا: “نزع الرئيس عن الفرات عباءته الطينية، أعطاه قلمًا ليكتب يومياته كنهر متحضر، أعلن وهو يحول مجرى النهر، أن سدَّ الفرات ليس عملًا هندسيًا خاصًا بسورية، ولكنه عمل قومي من أعمال التحرير”.

وحين أطلقت واشنطن مساعيها لتفاوض فض الاشتباك ثم الانخراط في محادثات سلام مع إسرائيل، كتب نزار قباني في 1974، “كازانوفا يبكي في دمشق” حول “مواجهة تفاوضية حارة جمعت حافظ الأسد بكيسنجر” أسهب بها نزار في استعمال تعبيرات شاعرية ضخّمت صلابة الأسد الذي رفض الانصياع لرغبات كيسنجر، وتمسّك بمبادئ قومه الراسخة.

 

في الوقت ذاته، كان شقيق نزار الدبلوماسي الكبير صباح قباني، أحد أقوى أذرع سوريا؛ عمل سفيرًا في واشنطن بين 1974 – 1980، نجح خلالها في ترتيب لقاءات متكررة بين الأسد وكارتر.

فاتن حمامة قرأت بالضبط ما ستعيشه مصر بعد نكسة ١٩٦٧ وأوجزته بتعبير مؤلم | الحكاية في دقائق

   القائد الموهوب قتل زوجتي 

فجأة، تفجرت الأزمة بعد تفجير السفارة العراقية في بيروت 1981، الذي تورطت فيها ميليشيات يدعمها الأسد، فقتل بلقيس زوجة نزار قباني الذي فتح نيران شعره على الأسد باعتباره مسؤولًا عن مقتل زوجته، فأنشد “بلقيس” التي حملت هجومًا ناريًّا طال الأسد شخصيًا، وظلت ممنوعة من التداول لسنوات.

قال فيها: “سأقول في التحقيق.. إن اللص أصبح يرتدي ثوب المقاتل.. وأقول في التحقيق.. إن القائد الموهوب، أصبح كالمقاول”.

   لن يفرض علي قصائدي 

بسبب “بلقيس”، قضى نزار قباني فترة طويلة بعيدًا عن سوريا، حتى زارها 1988، وحلَّ ضيفًا على التليفزيون الرسمي قائلًا: “لا قوة تستطيع أن تقطع حبل المشيمة بيني وبين دمشق”.

 

لاحقًا، كشف نزار قباني أنه صالَح حافظ الأسد خصيصًا ليحتفظ بحق الدفن في دمشق.

لكن الخطوة لم تكتمل؛ فرغم الاحتفاء بالزيارة التي رعاها وزير الدفاع وصديق حافظ الأسد الأبدي، مصطفى طلاس، ورغم احتشاد الآلاف لاستقباله في ساحة الأمويين، ألقى نزار قباني قصائده الشهيرة، حتى أتى دور “السيرة الذاتية لسيّاف عربي”، في حضور أبرز مسؤولي الدولة، على رأسهم طلاس وابن الرئيس باسل الأسد، الذي بدأ تلميعه لخلافة والده:

 

يحكي رياض آغا: “تكهربت الأجواء، وانسحب باسل معتقدًا أن نزار قباني يتحدّث عن حافظ الأسد شخصيًا”.

ألغيت فعاليات نزار التالية. واستضافه رياض في جلسة خاصة بمنزل أخيه المعتز، معاتبًا على القصيدة. فثار نزار: “لا أحد يفرض عليّ ماذا أختار من قصائدي”.

غادر بعدها نزار قباني سوريا إلى جنيف، شاعرًا بالإهانة. لكن بعد أشهر، راسله حافظ الأسد يطالبه بزيارة دمشق وتأليف قصيدة تمدحه! رفض نزار، معربًا عن شكوكه بأن المخابرات السورية تُلاحقه تمهيدًا لاغتياله!

   السماء بحاجة إلى باسل الأسد 

في 1989، سئل نزار قباني عن علاقته بالأسد، فقال: حافظ الأسد كان صديقي، لكني لن أمدحه أبدًا، وما كتبته عنه في حرب تشرين كان توثيقًا للحظة عربية خالدة”..

“صديقي” كان وصفا غريبا لا نعلم لماذا اختاره نزار؛ خاصة وأن المراجع لم تمنحنا معلومة عن لقاءٍ مباشرٍ بين الرجلين إلا مرة واحدة.

تتفق الرواية مع تصريح وزير الدفاع مصطفى طلاس حول سبب تذبذب العلاقة: “الرئيس كان يأمل من نزار أن يمدحه، ونزار لا يمدح أحدًا”.

ساد الجليد فترة، تخللتها قصيدة “الديك” 1993، عن “حاكم قمعي سادي سفاح، سرق السُلطة بالدبابة، وألقى القبض على الحرية”، ملمحًا لصراع حافظ وأخيه رفعت، في معركة انتهت بخروج رفعت من سوريا إلى الأبد.

لكن نزار قباني قطع الجفوة عندما فُجع حافظ الأسد بوفاة وريثه المفترض في 1994، فهوّن عليه نزار برسالة رفيعة: “لم يكن باسل حبيبك وحدك، وإنما حبيب كل ذرة من أرض الشام، وحبيب كل شجرة، وكل نجمة، وكل غيمة، وكل حمامة، وكل سنبلة قمح في حقول الوطن. لقد ذهب باسل إلى السماء، لأنها كانت بحاجة إلى فارس جميل ونبيل وشجاع مثله، ولا قدرة لنا – يا سيدي الرئيس – على التدخل في خيارات السماء. أنحني أمام حزنك الكبير، وجرحك الذي لا ضفاف له. وأعرف أن كل المراثي في الدنيا لا تكفي لرثاء وردة”.

   هدية العمر 

بعد بـ 4 أعوام، ردَّ حافظ الأسد التحية النزارية، حين أصابته أزمة قلبية في لندن، فأمر بالعناية بصحته بكل السُبُل، ليوجه نزار رسالة شكرٍ تراجَع فيه عن هجاء الأسد، قائلًا: السيد الرئيس حماني دائمًا وظلني بمظلة حبه، وكان لي الأب الحنون الذي لم يتخل عن ابنه لحظة واحدة.. حفظ الله الشام وقائدها وشعبها من كل سوء، فإذا كنت أقف على أقدامي اليوم فالفضل يعود إليه”.

وفور تعافي نزار قباني من مرضه، تلقى من حافظ الأسد “هدية العمر”، بإطلاق اسمه على شارع في دمشق، ليكتب مقالة سعيدة عنوانها “دمشق تهديني شارعًا”، اعتبرها “هدية العمر” و”أجملُ بيتٍ أمتلكه على تراب الجنّة” وامتدح الأسد بـ “أول رئيس للشعر”.

   دُفن في دمشق رغمًا عن ابنته 

بوفاة نزار قباني في لندن، رغبت ابنته في دفنه ببغداد. وباغتت وفد السفارة السورية: “قتلتم أمي، واليوم تسرقون أبي”.

لكن حافظ الأسد تدخل شخصيًا، فأرسل طائرة خاصة لنقل جثمان نزار قباني إلى دمشق.

رغم ذلك، لم يحظ نزار قباني بجنازة رسمية. لكن الجنازة الشعبية خرجت عن مسارها، بعدما خطف المشيّعون النعش وجابوا به شوارع دمشق، لتتحول لأعنف مظاهرة شهدتها سوريا طوال حُكم حافظ الأسد؛ مظاهرة قائدها في القبر.

 

بعد رحيل نزار بعامين، لحقه الأسد متأثرًا بسرطان الدم، فنال جنازة رسمية بلا أشعار، بعدما حرمه رحيل نزار من قصيدة نعي كانت لتُخلد اسمه أكثر من أي عمل أنجزه طوال 29 عامًا حكم فيها سوريا.


رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك