مسلسل لعبة نيوتن | مقالي الذي لن أكتبه عن لحمية محمد ممدوح ولحية محمد فراج | خالد البري

مسلسل لعبة نيوتن | مقالي الذي لن أكتبه عن لحمية محمد ممدوح ولحية محمد فراج | خالد البري

23 May 2021
خالد البري رئيس تحرير دقائق نت
سينما مصرية
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

علاقتي بالمسلسلات بوجه عام مضطربة. فكرة أن يتابع الإنسان عددًا يبدو لا نهائيًا من الحلقات، ويظل راغبًا في الحكاية، صعبة. لا تنجح فيها معي إلا مسلسلات مثل هاوس أوف كاردز، والأجزاء الثلاثة الأولى من بريكنج باد، وبعض مواسم مسلسل جيم أوف ثرونز.

لكنني وجدتني مشدوها أمام مسلسل مصري بسيطة حكايته، دقيقة تفاصيله، عظيمة رؤيته الاجتماعية والنفسية: مسلسل لعبة نيوتن.

ولأنني لست ناقدًا فنيًا، لم أعرف كيف أتحدث عن مسلسل. ولا أستطيع في الوقت نفسه أن أفوت “لعبة نيوتن” دون تقديره ولو بمقال. وظل العائق الرئيسي أنني لم أعرف من أين أبدأ، ولو استرسلت لكتبت عنه كتابا لا مقالا. سأحاول أن ألخص المعضلة في نقاط:

   ١- هناك مشاهد تلح علي أن أكتب عن كل منها مقالًا 

منها ذلك المشهد الافتتاحي في مسلسل لعبة نيوتن حين يقف حازم وهنا على طرفي الباب، يحاولان فتحه. كل منهما يطالب الآخر بألا يزاحمه في هذا الثقب الضيق لكي يحاول تجربة طريقته فيه.

ثم، حين ينفتح الباب، يختلفان من الذي فتحه. نحن نعرف. لكنها لم تكن المعلومة المهمة. المعلومة المهمة أن هذا المشهد البسيط أوجز طبيعة العلاقة بين الطرفين، بلغة بصرية. جعلنا نتعاطف مع كل منهما في موقعه.

وحين مرت الحلقات، ترسخ المشهد أكثر بين بطلي المسلسل، الواقف كل منهما على جانب من الباب يحاول، يدرك أن الآخر لا يراه، ولم يدر بما قدم، لكنه لا يدرك أنه هو/هي أيضا لم ير الآخر ولم يدر بما قدم.

فتحُ الباب فتح أمامنا مسيرة ممتدة من الحكايات، والشخصيات، تدور كلها حول تلك النقطة.

قد يبلغ اليأس بأحدهما مبلغًا، تهدد فيه بأن تقتل أبرياء، يقفون بينها وبين ما تراه حقًا عادلًا: أن تضم ابنها. لا ترى أنهم في الحقيقة يحمون ابنها من ضمة قد تودي بحياته وهو المحتاج إلى حضانة.

والقضاء لا يعترف بمبررات اعتادت هنا أن تبرر بها أفعالها. حيث ترى ما تضمر، حيث تشكو أن الآخرين لا يرون ما مرت به، حيث لا ترى أنها هي أيضا لا ترى وجهة نظر الآخرين.

هذا الحكم القضائي المعلن بعقاب هنا، يوازيه حكم قضائي مرجأ، على جريمة حازم. وهي من وجهة نظر القانون جريمة أيضا حتى وإن كان دافعها الدفاع عن النفس. كان أمام حازم فرصة لكي يتصل بالإسعاف، أو أن يبلغ عما حدث.

المهم – فنيًا – أن كل هذا يتم أمام أعيننا فيصير من الصعب أن نطلق عليه حكمًا.

والمشكلة بالنسبة لي، أنني لا أزال أريد أن أتحدث أكثر وأكثر عن الفلسفة، الاجتماعية والنفسية، وعن الأسئلة النقدية لذواتنا عن الشخص والمجتمع، وعن قدرتنا على الـ good judgement، عن ما هو العدل، لكنني لا أستطيع فعل ذلك في مقال. كل هذا في خيط أول من المسلسل.

   ٢- هناك شخصيات أريد أن أكتب عن كل منها مقالًا منفردًا  

منها حتى شخصية بدر، التي تبدو وكأنها ليست جوهرية في تحريك الأحداث، يعزز هذا الإحساس أنها تقدم نفسها على أنها تسمو فوق اليوميات. لا تعبأ بالفقد. ولا تسعى إلى الحب.

في حين أنها انعكاس آخر على نفس البلورة، تعاني خوفًا مرضيًا من الفقد، دافعه الوحيد رغبة قوية في حب غير مشروط. ورد فعل على فعل غير متوقع من “محبوب”.

فعل يصل إلى درجة الخيانة العطمى. لكن “الخائن” حمى نفسه بتحويلها إلى ضحية، ومن ثم بتحويل بدر إلى مجرم، وهو المجني عليه. المجني عليه كونه الطرف الوحيد الذي بقي ليكابد آثار “الجريمة”. جريمة كل الأطراف حتى هو.

لقد سميت أحدهما فعلا، وسميت الثاني رد فعل. لكنك تستطيع تبديل الأوصاف. هذه لعبة نيوتن. لا تدري أين بدأ الفعل، وأين بدأ رد الفعل.

لكن “التعميق الدرامي” هنا يتم بفلسفة من كتاب مسلسل لعبة نيوتن. فنحن نرى أمامنا إعادة بطيئة للجريمة التي لم نرها. نرى سلسلة أخرى من الأفعال (ردود الأفعال) تقود إلى الإوشاك على فقد جديد، نرى بأعيننا من أقنع نفسه أنه تعلم من التجربة يكرر نفس المصير، باختياراته الجديدة، يستطيع أي منا أن يرى بدرًا وهو “يقترف الجريمة”. لكنه – مرة أخرى – يقدم فعله أو رد فعله في غلالة من حرير، لشخصية لا تنفك تحكي عن التسامي.

جان أم مجني عليه؟ لا نعرف. فاعل أم راد فعل؟ لا نعرف. فهذه لعبة نيوتن. ولو كتبت مقالا في اتجاه، أستطيع أن أكتب مقالا يفنده. ومش هنخلص!!

   ٣- هناك أداءات أريد أن أكتب عن كل منها مقالًا منفردًا  

محمد فراج لم يكن ملتحيًا بشعر وجه، كان ملتحيًا بتصرفاته. هو أيضا كبقية شخصيات مسلسل لعبة نيوتن يعاني من داء مجتمعاتنا القاتل: النرجسية المتنكرة.

أقصد بالنرجسية المتنكرة خلف الإعجاب الشديد بوجهة النظر، إلى الدرجة التي تجعلك لا ترى أن في الكون طرقًا أخرى للنظر إلى الموضوع نفسه. كلما نظرت إلى الماء رأيت وجهة نظرك فقلت “ما هذا الجمال!!”

محمد فرج، مؤنس، عبر لنا عن هذا بهمسة الضحك غير المسموع، كأنه في حالة Chuckle دائمة. ضحكة هادئة مضحوكة للداخل. غرضها خليط من السخرية والاستغراب من وجهة نظر محدثه، واعتقاده دائمًا أن هذا الرأي المقابل لا يستحق عناء المقارعة إن وضع في مقابل رأيه، أو سلوكه.

هذه الضحكة الداخلية ستقود تصرفاته، وتبريراته. قد تعبر عن نفسها في موقف نذالة لا يمكن لغيره أن يبررها، كإخفاء خطاب الزوج. وقد تعبر عن نفسها في موقف لديه تبريره النصي، كزواجه من مطلقة شفويًا.

ثم تعبر عن نفسها التعبير الأخير في محاولته لاستدراج هنا عن طريق طفلها إبراهيم.

ذلك المشهد الأخير الذي كان دافع تراجعه فيه – من وجهة نظري – ليس علاقته بأمه وتذكير هنا له بها. إنما دافعه أنه كان يعلم طوال الوقت أن وصوله بإبراهيم إلى أمريكا سيحرمه من آخر أسلحته، الضحكة الداخلية.

نعم كان سيستدرج هنا إلى هناك، هذا منتهى الغرض، لكنه لم يكن هناك ليدخل معها في منازعة، وإلا خسر مكانته وصورته والحب الذي عوضه عن الحب المفقود، أي المكانة وحب الجمهور الذي عوضه عن حب أمه. ذلك الذي يفقده بصريا درجة درجة أمامنا، وقد قصر لحيته رمز وقاره ومكانته.

كل شيء فعله محمد فراج بعينه، بنظرته، بحركة جسده، بصوته الملتزم بنبرة الحكمة (عن صدق أو غيره)، كان امتدادًا للضحكة الداخلية تلك.

الغريب أن مقابلها – الظاهر – في شريط الصوت كانت خنقة النفس الناتجة عن “لحمية” محمد ممدوح، حازم. تلك التي أوحت لنا دائمًا بضيق الخلق، وهو أيضًا تعبير عن النرجسية المتنكرة، الإعجاب المفرط بوجهة النظر، لكن بالسأم من تصرفات الآخرين.

ملمح واحد، يعبر عنه هذا بضحكة لا نسمعها في شريط الصوت ولكننا نحسها، ويعبر عنها غريمه بلحمية تضيق نفسه، ونلتقطها في شريط الصوت مع كل جملة.

ومع كل ما سبق، تتفاعل مع الشخصيات، ولا تكرهها. لأن طاقم الكتابة، والمخرج، كانوا – على العكس منها – قادرين على تفهم أن في الحياة وجهات نظر، وفي النفوس مداخل ومخارج متعددة، وأن النية والتصرف ليسا دائما على خط واحد. وكانوا قادرين على نقل هذا بلغة بصرية ودرامية.

المخرج والمؤلف هو تامر محسن. طاقم الكتابة تحت إشراف مها الوزير، ويضم سمر عبد الناصر، محمد الشخيبي وعمار صبري.

تزاحمت كل هذه الأفكار في رأسي كلما هممت بكتابة مقال عن مسلسل لعبة نيوتن. عطلتني عن الكتابة لأني لأن أستطيع أن أوفي كل فكرة منها حقها من التقدير تفصيلا. ولا أظن أنني سأكتب ذلك المقال أبدا. لأنني كما ترون لم أتطرق بعد لأداء منى زكي لشخصية تجولت بنا في تضاريس سلوكية وشخصية مرهقة. ولا تطرقت لعناصر أخرى كديكور منزل حازم وهنا وإضاءته، ولا اختيار مهن الشخصيات وإدخالها عنصرا رئيسيا في الحبكة الدرامية.

كما أنني لم أتحدث عن فكرة أخرى أساسية في تفاعلنا المميز مع هذا المسلسل: أننا رأينا فيه أنفسنا فغضبنا منها، وتعاطفنا معها، واستغبيناها، وتفهمناها.

مسلسل لعبة نيوتن دراما بمستوى متميز. ولن يوفيه مقالي حقه. فلن أكتبه.

رمضان 2021 | عشر علامات تكشف طريقة خرط السوشيال ميديا للمسلسلات | حاتم منصور

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك