لا يوجد حدث غير تاريخ ومسار العالم في الربع قرن الأخير، ورسم الكثير من الظروف السياسية والاجتماعية التي نعيشها الآن بقدر هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، التي نفذها تنظيم القاعدة بقيادة وتخطيط أسامة بن لادن وأيمن الظواهري عام 2001.

حجم الحدث وارتباطه بالمجتمع الأمريكي الأكثر احترافية في صناعة السينما يدفعنا للتساؤل عن تفسير لعدد الأفلام البسيط نسبيًا المتعلق بالكارثة.

البعض يبرر ذلك بأن الهجمات كانت حدثًا لا يرغب المواطن الأمريكي المعاصر في استرجاع آلامه وذكرياته، وبالتالي تتجنبه شركات الإنتاج لأسباب تجارية بحتة. أخرون يعيدونه لحالة التخمة التي خلقتها الأخبار والبرامج التسجيلية والمقالات والتقارير عن الحدث خلال الشهور والسنوات الأولى له، بدرجة جعلت المواطن الأمريكي يكتفي بما شاهد.

Green Book.. ما نجح فيه “الكتاب الأخضر” وفشلت فيه السينما المناهضة للعنصرية‎ | حاتم منصور

الحدث أيضًا مرتبط بإحساس مرير بالهزيمة، وهو أمر لم يعتده المواطن الأمريكي. الكوارث والهزائم الأخرى من نوعية قصف اليابانيين لبيرل هاربر أثناء الحرب العالمية الثانية تكتمل قصتها بانتصار أمريكي واضح وغير قابل للتشكيك في النهاية، وهو ما لا يمكن قوله عن هجمات سبتمبر.

أيا كان التفسير، فالعدد بسيط فعلًا. رغم هذا، يمكن القول أن بعض هذه الأفلام علامات، وتستحق المشاهدة لأسباب مختلفة، وهي اليوم محور مقالنا في ذكرى هجمات سبتمبر.

3- World Trade Center

مركز التجارة العالمي
عام العرض: 2006

مقتبس من واقعة حقيقية عن رجلين من جنود الإطفاء صمدا تحت أنقاض الكارثة لفترة طويلة، لكنه يبدو أقرب للشكل الكلاسيكي الروائي المنتظر عن حادثة من هذا النوع. القصة المعتادة عن أشخاص عاديين يواجهون الكارثة ليس بفعل المستحيل أو المعجزات، لكن فقط بالقيام بعملهم كأي أمريكي مخلص آخر.

يتوقع المرء كثيرًا من الجرأة من مخرج مثل أوليفر ستون في النظر للكارثة وأبعادها السياسية، بالنظر لتاريخه الطويل من الأفلام التي تدين النظام الأمريكي وأشهرها Platoon – Born on the Fourth of July – JFK. لكن حتى ستون الثوري والغاضب دائمًا، انحاز لقصة أكثر إنسانية وبساطة عن الحدث.

كريستان بيل يخطط للأوسكار ولغزو العراق في Vice | حاتم منصور | دقائق.نت

النصف الأول يقدم تفاصيل الكارثة بشكل ممتاز سينمائيًا، ومن منظور مختلف عما اعتدناه من كل مشاهدها التسجيلية، لكن للأسف، يعاني النصف الثاني من كل الكليشيهات التي يمكن أن تتوقعها مع قصة من هذا النوع، ويخسر الفيلم الكثير من حدته ورونقه بسبب الإصرار على التركيز على العائلات والزوجات، ومنحهما مساحة زمنية طويلة دون داع.

الروح الوطنية الأمريكية المهيمنة هنا على الشخصيات والرؤية، لن تثير غالبًا حماس المتفرج غير الأمريكي، لكن الفيلم يكتسب أهميته بسببها. كل الشعوب والثقافات تحتاج لقصة من هذا النوع عن كوارثها، مضمونها “سنمضي قدمًا رغم كل شيء”.

2- Extremely Loud & Incredibly Close

صاخب لأقصى حد وقريب بدرجة لا تصدق
عام العرض: 2011

الرمزية في قصة الفيلم سهلة ومباشرة للغاية. طفل صغير بريء يقوم بدوره توماس هورن، يفقد والده الحنون (توم هانكس) في هجمات سبتمبر. ويبدأ رحلته الصعبة للتعايش مع هذا الألم. طفل يمثل ربما المجتمع الأمريكي.

الجحيم هو “نحن” في Us | حاتم منصور

دور هانكس القصير هنا نموذج للاختيار الممتاز والمؤثر، ليس بفضل الأداء، لكن بسبب هويته وتاريخه كنجم. من الصعب على أي متفرج ألا يتألم من غياب شخص بعفويته وطيبته. لكن عظمة الفيلم الحقيقية تكمن في شحنة العواطف التي يتركها لدى المتفرج. الحياة ليست مثالية، وآلام هجمات سبتمبر ستظل دائمة، لكنها ليست نهاية العالم ولا نهاية أمريكا.

سيناريو بسيط لكنه فعال جدًا من حيث فهم الشخصيات والتعاطف معها، كعادة كتابات إريك روث صاحب أفلام Forrest Gump – The Insider – Munich – A Star Is Born. وإخراج لا يقل بساطة وفاعلية من البريطاني ستيفن دالدري.

United 93

يونايتد 93
عام العرض: 2006

الفيلم الأهم على كل المستويات كان عن الطائرة يونايتد 93 التي أخفق الإرهابيون في التوجه بها لإصابة هدفها، بفضل تفاصيل لن نعرفها كاملة أبدًا، لكنها غالبًا متعلقة بصراع ومقاومة ما حدثت داخل الطائرة.

النهاية نعرفها قبل المشاهدة، لكن مهارات المخرج البريطاني بول جرينجراس في تأسيس أجواء الشد العصبي، وتوظيفه لحركة الكاميرا الاهتزازية التي تبدو هنا كما لو كانت في يد مصور أخبار، يوثق الواقعة بالفعل وهو يرتعش، عناصر كافية للتورط مع ما يحدث، كما لو كنا داخل الطائرة المنكوبة أيضًا.

تشرنوبل.. الانفجار السينمائي القادم من مفاعلات التليفزيون | حاتم منصور

الاعتماد على طاقم تمثيل مجهول بالكامل، قرار ذكي آخر، منح لكل ما نشاهده في الفيلم مصداقية عالية. وعلى عكس أغلب الأفلام الأخرى التي تظهر الإرهابيين كأشباه بشر، يقترب الفيلم منهم هنا نسبيًا، ويظهر انفعالات ودوافع لها مصداقيتها.

بشكل ما يمكن القول أنه الفيلم الذي أسس لمدرسة إخراجية تأثر بها آخرون، ومارسها بول جرينجراس لاحقًا في أفلام أخرى كان أهمها Captain Phillips الذي عُرض عام 2013 وقام ببطولته توم هانكس.

“يونايتد 93” هو الفيلم الأهم والأشجع عن الحدث، ليس فقط لأنه يجعل المتفرج يُعايشه من أصعب وأشد الزوايا قسوة على الإطلاق (الرهائن في طائرة)، لكن لأنه يتركه مع شحنة عواطف تلخص اليوم والحدث أكثر من أي فيلم آخر.

خوف.. رعب.. محاولات للنجاة.. وألم لا ينتهي، وأرواح خسرناها مع حصاد اليوم النهائي. هذا باختصار سيظل رصيد 11 سبتمبر الأبدي، سواء للموجودين في يونايتد 93 أو خارجها.

Facebook Comments
image_printنسخة مطبوعة
Please follow and like us:

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني‫.

Facebook
Google+
http://daqaeq.net/%D8%A3%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%81%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%B9%D9%86-11-%D8%B3%D8%A8%D8%AA%D9%85%D8%A8%D8%B1">
Twitter