العراق.. الدولة المريضة بالميليشيات‎ | واثق غازي

العراق.. الدولة المريضة بالميليشيات‎ | واثق غازي

19 يونيو 2018
الشرق الأوسط
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

متى بدأت الميليشيات في العراق؟

تمتد جذور الميليشيات في العراق إلى ما قبل 2003، تاريخ سقوط النظام السابق.

امتلكت البيشمركة الكردية وقوات بدر الشيعية مسلحين مدربين، استهدفوا قوات الأمن والجيش العراقي السابق، ودخلوا في مواجهات عديدة معهم تحت عنوان “الجهاد والمقاومة” ضد نظام صدام حسين.

الاحتلال الأمريكي وغياب الدولة بعد 2003 أدى إلى ظهور فصائل مسلحة جديدة، لكن هذه المرة تحت شعار “مقاومة الاحتلال”. أهمها جيش المهدي (سرايا السلام حاليا) التابعة لرجل الدين مقتدى الصدر، إضافة إلى فصائل مسلحة شيعية وسنيّة أخرى.

وبجانب مقاومتها لجيوش التحالف الدولي، دخلت هذه الفصائل في مواجهات دامية مع الجيش وقوات الأمن العراقي نتيجة اختلاف المواقف من الاحتلال الأمريكي بين الموقف الحكومي الرسمي المرحّب وموقف الميليشيات الرافض للاحتلال.

اقرأ أيضا: هل نجحت الانتخابات التشريعية العراقية 2018؟

نقطة تحول مفصلية

تم دمج بعض الميليشيات من قبل الحكومة ضمن الجيش وقوى الأمن تقديرا لتاريخهم “الجهادي” من جهة ومحاولة ترشيد استخدامهم من جهة أخرى.

لم تنجح هذه الخطة كثيراً حيث تحولت عبارة “ضابط دمج” شعبيًا لـ”شتيمة ودلالة على قلة الكفاءة وانعدام المهنية”؛ نظرا لفشل عناصر الميليشيات في المواقع التي عملوا فيها.

نقطة التحول المفصلية بالنسبة للميليشيات كانت سقوط الموصل في يد داعش 2014 وتحريرها 2017.

وفرت لحظة سقوط الموصل وانهيار الجيش الشرعية الشعبية للميليشيات؛ للتدخل بشكل صريح ومباشر على الأرض للقتال ضد تنظيم “داعش” الإرهابي.

أما لحظة التحرير فقد أكسبت المنتصرين المحررين قاعدة جماهيرية ظهرت آثارها على الأرض في الانتخابات التشريعية الأخيرة. وضمت أغلب الفصائل المسلحة تحت مظلة هيئة حكومية تُسمى “الحشد الشعبي” لاحقا، في محاولة حكومية جديدة لاحتوائها.

الميليشيات في العراق.. من "الجهاد" ضد نظام صدام إلى ما بعد "الجهاد" ضد الاحتلال الأميركي

قصة انتشار الأسلحة

قصة السلاح في العراق تبدأ من العائلة، حيث تمتلك أغلب العوائل سلاحا شخصيا خفيفا في البيت، وتمتد إلى العشيرة التي تمتلك إضافة إلى سلاح أفرادها الشخصي الخفيف، أسلحة متوسطة.

أما الميليشيات فهي تمتلك أسلحة متنوعة تصل إلى الثقيلة وأسلحة الجيوش النظامية. الميليشيات جزء من قصة السلاح وانتشاره، وأي محاولة لنزع السلاح لابد أن تاخذ هذه الأطراف المتداخلة جميعا بنظر الاعتبار.

مع تقدم العملية السياسية، وجدت الميليشيات أن نهج المقاومة والسلاح وحده لن يضمن مصالحها وأنها لابد أن تنخرط في العملية السياسية لتنافس أصحاب الياقات البيضاء.

الأحزاب السياسية بدورها أدركت أهمية العمق والتأثير الذي يوفره سلاح الميليشيات، فقامت بتبني ميليشيات جاهزة أو انشاء واحدة جديدة توفر لها الحماية والمساندة اللازمة عند الحاجة.

إضافة للذراع السياسي، تمتلك الأحزاب لجانا اقتصادية، وهي تعبير لطيف عن الطريقة التي يحصل فيها الحزب على الأموال بصورة غير شرعية غالبًا، وشبه شرعية في بعض الأحيان.

يُستخدم هذا المال، ضمن استخدامات أخرى؛ لتمويل الذراع المسلح للحزب. التمويل الخارجي أساسي ايضا سواء بالمال أو بالسلاح.

إذا كنت تعتقد أن الوضع معقد. صدقني هو أعقد من ذلك بكثير على أرض الواقع الحقيقة. حاولت تبسيطه واختصاره قدر الإمكان بحيث وضعته على شكل نقاط منفصلة لا بشكل سردي.

الميليشيات والدولة.. طرفان أم طرف واحد؟

لايوجد حد فاصل حاليا بين ماهو داخل وخارج القانون بالنسبة للميليشيات والسلاح بصورة عامة. السلطات الرئيسية الثلاث في العراق (التشريعية والتنفيذية والقضائية) والتي تمثل الدولة، ليست نداً ولاطرفاً مقابلا للميليشيات حتى تستطيع أن تحاسبها على استخدامها للسلاح.

الميليشيات دخلت البرلمان عبر أذرعها السياسية أو الأحزاب المتحالفة المستقوية بها. السلطة التنفيذية انعكاس للتشريعية وتتشكل حسب الكتل البرلمانية، وبالتالي فالميليشيات بهذا المعنى جزء من الحكومة.

بعد هذا لا نتوقع من أي قاضي في السلطة القضائية يقدر قيمة حياته وحياة عائلته أن يجازف بتحدي الميليشيات في أي قضية صغيرة كانت أو كبيرة.

عليه، لايمكن في الحقيقة وصف هذه القوى بالميليشيات، لأن الكلمة توحي بدلالتين، الأولى أن هناك دولة، والثانية أن هناك قوى مسلحة خارج نطاق الدولة. بينما على أرض الواقع نجد أن الدولة والميليشيات متداخلتان بعمق ولا يمكن فصلهما حتى الآن.

خدعة نزع الأسلحة

رغم هذا تظهر دعوات نزع سلاح الميليشيات بين فترة وأخرى كحركة استعراضية روتينية ضمن التنافس السياسي والانتخابي أو كرد فعل على حدث كبير كانفجار مخزن الأسلحة الأخير والذي حدث وسط منطقة سكنية في مدينة الصدر في العاصمة بغداد .

لا توجد آذان صاغية لمثل هذه الدعوات، ولا لسان جديّ في الحقيقة. الجميع متورط والجميع يتنافس في تقوية ميليشياته، لا إضعافها بنزع سلاحها.

لا يمكن أن تتخلى الاحزاب “السياسية الميليشياوية” عن سلاحها ونقطة قوتها طواعية كبادرة حسن نية؛ لو توفرت النية الحسنة لما احتاجوا السلاح من الأصل، السلاح موجود لتحاول القوى السياسية فرض نواياها السيئة على بعض.

الوضع إلى أين؟

من مصلحة الميليشيات أن يبقى وضع الدولة على ماهو عليه الآن، لا أقوى ولا أضعف. دولة أقوى ستجردهم من نقطة قوتهم وتخضعهم لسلطة القانون.

بعض الميليشيات لا تملك وجودا خارج السلاح. تجريدها من السلاح يعني القضاء عليها نهائياً، وعليه فهي ستدافع عن وجودها ضد نسخة الدولة الأقوى.

أما الدولة الأضعف. حسنا، في الحقيقة لا توجد دولة أضعف من هذا الوضع، الأضعف معناه سندخل مرحلة اللادولة، والميليشيات جربت وضع اللادولة هذا في مواقف معينة ووجدت نفسها في صراع مباشر وجها لوجه مع غرمائها من الميليشيات الأخرى.

إذن. الوضع المثالي هو أن يبقى جسد الدولة مريضا على أجهزة الإنعاش، لا هو قوي ليفرض سلطته على أبنائه ولا هو ميت فيقتتلون على إرثه.

هناك اتفاق غير مكتوب بين القوى السياسية والميليشيات، لندّعي أن الدولة موجودة، لكن لنتصرف كأنها غير موجودة.

SaveSave

SaveSave

للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (2)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك