اعتذار مصطفى حسني | هل نطلب من الجاني إنقاذ الضحايا؟ | فيروز كراوية

اعتذار مصطفى حسني | هل نطلب من الجاني إنقاذ الضحايا؟ | فيروز كراوية

15 Dec 2020
فيروز كراوية
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في النصف الأول من التسعينيات، تزامنًا مع عودة “المجاهدين” المصريين من أفغانستان بنهاية الحرب ضد الاتحاد السوفييتي المنهار، بدأت سلسلة من الاغتيالات لسياسيين ومفكرين، واعتداءات إرهابية عنيفة على أقباط وسائحين ومواطنين في مصر، بينها اغتيال رئيس مجلس الشعب رفعت المحجوب 1990، واغتيال الكاتب والمفكر فرج فودة 1992، وطعن أديب مصر التاريخي نجيب محفوظ 1994.

في ذات الوقت، بدأت موجة من الترويع ترفع شعارات دينية وتستهدف بالتحديد المجالات الفنية والثقافية. تأييد حكم بالتفريق بين المفكر نصر حامد أبو زيد وزوجته الدكتورة ابتهال يونس في 1996.

موجة جديدة من حجاب الفنانات المصريات يباركها الشيخ محمد متولي الشعراوي والداعية عمر عبد الكافي منذ بداية التسعينيات.

تمزيق إعلانات المسرحيات في الشوارع، وقضايا تكفير وحسبة بخصوص أفلام سينمائية. منع فيلم “المهاجر” ليوسف شاهين من العرض بحكم نهائي في سابقة هي الأولى تاريخيًا لفيلم مجاز رقابيًا حذفت منه كل الإشارات الدينية استجابة لرقابة دينية أخرى من الأزهر الذي وقف عقبة أمام تصوير الفيلم وإجازة السيناريو لعدة سنوات.

 

   تسليم السلطة من أسفل 

المفاجأة أن من تقدم ببلاغ للمخابرات العامة والأزهر والرئاسة لمنع تصوير الفيلم بحسب رواية الكاتب الصحفي أيمن الحكيم هو “رقيب أول متطوع بالقوات المسلحة قبل إحالته للتقاعد. حارب فى أكتوبر ٧٣، وفى أثناء خدمته الطويلة فى القوات المسلحة، حصل على بكالوريوس معهد السينما قسم السيناريو. كتب مجموعة من الأفلام متواضعة القيمة الفنية فى سنوات الثمانينييات والتسعينييات”.

بلاغ تلقفه فيما بعد محامٍ مجهول ليقيم دعوى ضد عرض الفيلم عام 1994 يحصل فيها على حكم محكمة بات في 1996. سيصبح هذا الحكم مسوغًا ومفتتحًا لسلسلة من القضايا والمطاردات المرعبة لأفلام وروايات ودواوين شعر.

على يد نواب إسلاميين منتخبين، سيتحول البرلمان المصري لساحة تعلو داخلها صيحات التكفير القروسطية (الشبيهة بالقرون الوسطى).

في نفس التوقيت أيضا كانت النجاحات الانتخابية لجماعة الإخوان وتمدد جمعياتها الخيرية إيذانًا بسيطرة على المجال العام من أسفل. تجلت ملامحها في مشاركتها جنبًا إلى جنب مع الحكومة المصرية في احتواء آثار زلزال 1992 الاجتماعية المدمرة.

كان حسني مبارك يدير وقتها توازنًا حساسًا إزاء صعود التيارات الإسلامية بالتوازي مع توليه السلطة بعد عامين من نجاح الثورة الإيرانية في 1979.

الرئيس، الذي تسلّم السلطة خلفًا لرئيس اغتيل بالفعل على يد الجماعات الإسلامية التي سمح لها بالعمل وأطلق عقالها، كان عليه أن يقود خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات عملية مراجعات الجماعة الإسلامية داخل السجون المصرية.

ظن الرئيس أنه يعقد توازنًا بين صورة الدولة التي تبرز وجهًا “حداثيًا” في مقابل تيارات ضد حداثية تخوض الانتخابات تحت شعارات دينية. وتنجح في كل دورة انتخابية في تقويض شرعية منافسيها ومزيد من تشويههم باستخدام كلمة اكتسبت صفة التهمة: “علمانيون”.

   مستويات السلطة الاجتماعية 

للسلطة الدينية الاجتماعية إذن مستويات متعددة:

مستوى شعبي: يمكن عبره طعن نجيب محفوظ على يد شاب يجهل ما يكتبه كلية. تمامًا كحال الشاب الشيشاني الذي ذبح المدرس الفرنسي صامويل باتي دون أي سابق معرفة. شاب تسمم تمامًا بدعاية تغرق الماء والهواء حوله في سن الطفولة والمراهقة. دعاية لم ينتبه أحد لميكروفوناتها الزاعقة وشرائط الكاسيت التي تحملها وتباع بالملايين، بل تبث مجانًا على مدار الساعة داخل الميكروباصات في كل قرية ومدينة. ولا أرخص.

مستوى تنظيمي هرمي: يتمثل في جماعات وأعضاء يأتمرون بمنهج فاشي لا جدال حوله. ثم يخترقون الممارسة السياسية في حل من قواعدها. أحزاب دينية تستخدم كل من الشعارات الدينية لصالحها والتكفيرية لخصومها دون رادع من قانون ولا دولة.

مستوى تمثيلي ثقافي: يختص بصياغات لخطاب يخترق كل مؤسسة بموظفيها وعمالها. رجالها ونساؤها. نقابات وبرلمان وجمعيات خيرية ومستوصفات طبية ومولات كومبيوتر وجوامع وزوايا. مؤسسات دولة ومؤسسات دينية رسمية.

   لعبة الحرباء 

كالعادة وجدت الدولة نفسها أمام مواجهة أمنية شرسة.

اضطرت لإلغاء انتخابات نقابية، لتظهر بمظهر الدولة القمعية المعتدية على ديمقراطية الصناديق.

واضطرت لمواجهات دموية في أسيوط ودعاية إعلامية فجة عن حرب على الإرهاب حشدت لها أصوات مثقفين وفنانين تحت حصار بات يهدد مجال عملهم وحرياتهم المحدودة أصلًا.

وكالعادة وجدت التيارات الإسلامية نفسها في مأزق بعد تجاوزها الخطوط الحمراء التي ظن مبارك أنه أوضحها.

وكالعادة أيضًا جاءت المرحلة الثالثة التي تلي الاثنين: مرحلة تغيير الجلد والتفاوض.

تمر الحركات الإسلامية بذات المأزق في دورات تاريخية لم تنقطع منذ بدايات القرن العشرين. المأزق الذي يدفعها لإعادة ابتكار نفسها كالحرباء عندما تتخفى بين ألوان الطبيعة دفعًا لخطر وتوقيًا للفناء الشامل.

ولكنها – بعد تجاربنا المتعددة – تظل حرباء. تحتفظ بفرضياتها الأولى وأركان اعتقاداتها بالأفضلية واستعلائها بالحق. لم لا وهي قد أعدّت منذ عهدها الأول العدة العقيدية والإيديولوجية لتلك المرونة التي أباحت لها انتقالًا واسع المدى بين كل أطياف العقيدة الإسلامية ومجالات الحياة المدنية وفق شروط تحددها هي فقط:

نحن دعوة سلفية، وطريقه سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، وروابط علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية

في تلك الأعوام جاءت مدرسة “الوسطية” بالإنقاذ على يد اثنين من أبناء جماعة الإخوان تربية ومنهاجًا تفرقت بهما السبل: الشيخ محمد الغزالي والشيخ يوسف القرضاوي.

في عصر بدأت الميديا فيه تلعب أدوارًا محورية انتقلت الحركات الإسلامية لما أسمته الباحثة الهولندية كارين نوفكيرك “ثقافة التقوى”، قاصدة تأميم المجال الإعلامي والثقافي لصالح الصحوة الإسلامية وحركاتها. وكانت الفنانات المعتزلات أحد أهم الوجوه التي تقدمت هذا المضمار.

عملن مذيعات لبرامج دينية، ووجوه لحملات إعلامية خيرية وإعلانات تجارية تروج منتجات لشركات الإخوان. كما توجهن لإعطاء الدروس الدينية في بيوت الطبقات الوسطى العليا، وعقد الندوات في النوادي الرياضية. في طريق مشابه لما سلكه الدعاة الجدد من الرجال.

تخفف الدعاة والداعيات الجدد من صرامة السمت الديني القديم، وملابسه، وتشدده، في مقابل احتواء قطاعات شابة صاعدة كبرت على بدايات لنفور المجال العام من الحركات الإسلامية التي أظهرت أنيابها الإرهابية من جديد.

من حسين صدقي إلى محمد سامي.. كيف أصبحت الطبقة الفنية سلفية؟ | فيروز كراوية

   غسيل السمعة 

 خلال ست سنوات لا أكثر، كان الدعاة الجدد والفنانات المعتزلات قد نجحوا في تبييض وجه الحركات الإسلامية. واستقطاب شباب وشابات لمجالس الوعظ والبكاء والندم على التهتك الأخلاقي الذي يعيشه المجتمع المصري. تقصير بنطلونات وإطلاق لحى، انتهت عادة السلام باليد بين الجنسين، ملايين المحجبات الشابات وفنون في ابتكار لفات الإيشارب والأكمام التي تضاف للفساتين، سينما نظيفة وأعمال فنية إسلامية وأفراح على نقر الدفوف، عيادات الحجامة والطب الإسلامي، وأنشطة لا حصر لها تنشئ رباطًا جديدًا يختلط فيه التنظيميون بالملتزمين لغة وسمتًا ومظهرًا، رباطا وثّق العلاقة بين الشعبي والتنظيمي والثقافي، وهيأ هؤلاء عبر حراكات متعددة ليوم سيأتي خلال عشر سنوات.

هذه هي القاعدة الشعبية العريضة التي ساندت الإخوان كـ “ناس مش متشددين وسطيين”، في استفتاء مارس بعد انتفاضة يناير مباشرة وفي جميع الانتخابات التالية. هي الفتاة التي قابلتها في مدينة نصر، غير محجبة، توزع فلايرز تدعو لانتخاب الشيخ حازم صلاح ابو إسماعيل لأنه “وسطي مش زي ما انتي فاكرة”.

 أهمية هذه الفئة وإن لم تمثّل الأغلبية العددية أنها الأنشط نحو التغيير، وأن وضعها الطبقي الساعي للصعود والحراك يجعلها رافعة الخطابات الثقافية المهيمنة في المجتمع، المروجة لها والداعمة لرموزها البارزة.

حين سيطر خطاب الدعاة الجدد وتصالحت معه الدولة بل زايدت عليه وفتحت منابرها ومؤسساتها له، تمتع بوضع فريد. إذ استطاع أن يحتوي من جديد أي نقد معمّق لحركات فاشية كان وجهها المسلّح قد أعلن عن نفسه.

واستطاع أيضًا أن يحتفظ بالمسافة الوهمية الفاصلة بين الإرهاب المسلّح والمجتمع الذي ينتجه.

القلة من الإرهابيين تظهر على هامش أغلبية تعتمد الممارسات المتخلفة والقمعية تحت شعارات دينية، وفتاوى عفا عليها الزمان، وتراث فقهي متجمد تقطع اليد التي تمتد لتمحيصه وبحثه.

كان الشيخ الشعراوي يدعو علنا للتحرش بالنساء اللاتي لا تلتزمن بالزي الشرعي في التليفزيون المصري الرسمي سنة 1990.

كذلك فعل مصطفى حسني عندما وقف يشير بعصا لمانيكانات ألبسهن ملابس مختلفة كلها تقع تحت تصنيفه للتبرّج.

لماذا يحظى الشعراوي تحديدًا بكل هذه الشعبية؟ | هاني عمارة

   دورة تاريخية جديدة من التواطؤ؟! 

بين مقطعي مصطفى حسني والشعراوي 20 سنة وأكثر. وبين الداعية المسن والداعية الشاب عقود لم تتزحزح فيها أفكار الصحوة الإسلامية خطوة.

واليوم يدعو “المجلس القومي للمرأة” نفس الداعية ليقدم توعية للنساء. وسط وباء يجتاح البلد لم يعد أحد قادرا على إنكاره: جرائم تحرش واغتصاب وانتهاكات لا حصر لها، فردية وجماعية، في المجال العام والخاص، بين الطبقات الغنية والفقيرة، في العاصمة والمحافظات.

تثور ثائرة النساء فيعتذر الداعية عن أسلوب الفيديو مذكرًا بقواعد اللباس الشرعي.

توطئة لقبول فيديوهات التوعية الجديدة؟! تبييض جديد لوجه السلفية التي لا تنقصنا وجوهها إذ تطل يوميا على صفحات أونلاين هذه المرة؟!

صفحات تحريضية ودعاوى إرهابية تملأ علينا الفضاء الإلكتروني. تستهدف النساء في المقدمة تليهن الأقليات الدينية والعلمانيين والمختلفين من كل لون. خطابات كراهية وعنصرية وتمييز لا تستهدفها تحقيقات ولا بلاغات ممن هاجوا وماجوا لأن رسما كاريكاتيريا انتقد إرهابهم الديني وليس النبي محمد كما أشاعوا.

بينما يسمحون عيانا بيانا ليس فقط للإساءات لكل دين وملة في الميكروفونات كل جمعة، بل للتحريض المباشر بالأسماء على أفراد كل جريمتهم أنهم نساء أو مسيحيون أو مفكرون أو معلنون لانتماء فكري أو جنسي لا يجيزه أدمن الصفحة.

اليوم نقرر من جديد: إما دورة تاريخية جديدة من التواطؤ مع من يستبيحون المصريين ويؤبدون تخلفنا.

أو عدالة القانون وحياد الدولة.

وهو موقعها النزيه الوحيد إزاء مواطنيها. وهو أضعف الإيمان.

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك