في شتاء 1989، وكصحفي في التايمز اللندنية، رافقت مجموعة من “المجاهدين” في جولة بولاية غزنة – أفغانستان
رأينا نقطة عسكرية محصنة على الجانب الآخر من الوادي، وكلما اقتربنا، زاد وضوح العلم فوقها. كان علم الدولة الشيوعية التي يقاتلون للإطاحة بها.
سألت مترجمي: ألا يمكنهم رؤيتنا؟
أجاب: نعم.
ألا يجب أن نختبئ؟
أجاب مطمئنًا: لا لا لا لا تقلق. لدينا “ترتيبات”.
تذكرت هذه الحادثة بعد ثلاث سنوات، عندما سقطت الدولة الشيوعية في نهاية المطاف في يد المجاهدين، وبعدها تجتاح طالبان معظم أنحاء أفغانستان بعد ست سنوات.
ثم تذكرتها مرة أخرى، حين سقطت أفغانستان بالكامل في أغسطس 2021.
غزوة البطاطس | كيف أسقطت طالبان “نسخة جيش أمريكا الملعوب في دفاتره”؟ | ترجمة في دقائق
مثل هذه “الترتيبات” ضرورية لفهم سبب انهيار الجيش الأفغاني بهذه السرعة وبدون مقاومة.
هي شبكة كثيفة من العلاقات والترتيبات التفاوضية بين القوى التي تقف على طرفي نقيض.
ديناميكية تبقى غامضة أمام الغرباء. لكنها تصل إلى درجة الاتفاق على مبادلة الجنود الأسرى مقابل ممر آمن، أو حتى تنحية السلاح أمام هجوم وشيك.
هذا تحديدًا ما حدث مؤخرًا. وهذا تحديدًا ما جعل سرعة انهيار الجيش الأفغاني القياسية متوقعة. وهذا ما لم تفهمه الأجهزة العسكرية والاستخباراتية الأمريكية بشكل عام على مدار 20 عامًا، أو ربما اختارت تجاهله لأنها سعت إلى رسم صورة “حلوة” للجهود الأمريكية لبناء جيش أفغاني قوي و”مخلص”.
من هنا، جاءت توقعات إدارة بايدن غير المستندة على أساس بأن انهيار الدولة في أفغانستان لن يحدث إلا بعد “فترة زمنية مناسبة” من رحيل القوات الأمريكية.
الأشهر والسنوات المقبلة ستكشف ما فعلته الحكومة الأمريكية. وما لم تكن تعرفه عن حالة قوات الأمن الأفغانية قبل الانسحاب الأمريكي.
وستكشف أيضًا فشل واشنطن في توقع – أو ربما رفض الاعتراف – بأن القوات الأفغانية ستستمر في “الترتيبات” طويلة الأمد عبر إبرام الصفقات مع طالبان، ليتضح بالضبط أنها ارتكبت نفس السذاجة التي اتبعتها في حرب أفغانستان لسنوات.
وول ستريت جورنال: بايدن استسلم لطالبان في أسوأ إذلال لأمريكا في التاريخ | ترجمة في دقائق
لا مجال للمقارنة بالتأكيد بين صموت الدولة الأفغانية لثلاث سنوات بعد الانسحاب السوفييتي، وبين تدهور الدولة التي حاولت الولايات المتحدة تشكيلها بعد 2001.
لكن نقطة التشابه أنه فور انهيار الاتحاد السوفييتي وتوقف مساعدات موسكو في ديسمبر 1991، توقف القتال الشرس، وانتقل قادة الحكومة، بدءًا من الجنرال عبد الرشيد دوستم (الذي انتقل بعد 2001 إلى الجانب الأمريكي، مما يوضح انسيابية الولاءات الأفغانية)، إما بقواتهم إلى المجاهدين، أو عادوا إلى ديارهم بإذن المنتصرين.
وفي أواخر التسعينيات، استسلمت وحدات الدفاع أمام هجمات طالبان في بعض المناطق دون قتال، وفي كثير من الحالات، انضمت إلى طالبان.
وبنفس الترتيبات، لم يكن القتال السمة الرئيسية للفترة الماضية في أفغانستان. بل سلسلة من المفاوضات غير المعلنة التي استمرت لعام كامل بين طالبان والقوات الأفغانية، بوساطة زعماء القبائل المحليين وقادة المناطق الريفية، حتى التوصل إلى اتفاق استسلام القوات الحكومية.
عمران خان + طالبان | أي كارثة ينتظرها العالم من تأسلم “الفتى اللعوب سابقًا”؟| ترجمة في دقائق
في الآونة الأخيرة، وبمجرد أن أعلنت إدارة بايدن في أبريل 2021 أن القوات الأمريكية ستنسحب، “بدأت التنازلات تتراكم”.
وصف لي أفغان خط النقاش للدخول في تحالفات، حيث يجري كبار العائلات والقبائل حسابات عقلانية بناءً على المخاطر التي يواجهونها. ثم يختارون من يفترض أن يسلم للآخر.
النقطة المهمة هي أن القادة والمسؤولين الأمريكيين إما فشلوا تمامًا في فهم هذه الجوانب من الواقع الأفغاني أو فشلوا في إبلاغها بصدق إلى الإدارات الأمريكية والكونجرس وعامة الناس.
يمكننا أن نرسم خطًا واضحًا بين هذا النقص في الفهم ودرجة المفاجأة الرهيبة في أحداث الأيام الماضية، فلم تتنبأ أمريكا بهذا الانهيار المفاجئ. والسر: فشل واضح في دراسة الحقائق الأفغانية.
اتفاق الولايات المتحدة – طالبان | هل تتحول طالبان إلى حزب الله أم فيتنام أم كولومبيا | س/ج في دقائق