الفيلم نوار في السينما المصرية | من كمال الشيخ إلى نسخة “السينما النظيفة” لساندرا نشأت | أمجد جمال

الفيلم نوار في السينما المصرية | من كمال الشيخ إلى نسخة “السينما النظيفة” لساندرا نشأت | أمجد جمال

13 Jul 2021

أمجد جمال

ناقد فني

سينما عربية سينما مصرية
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

تناولنا في المقال السابق السمات الأساسية لنوعية الفيلم نوار الكلاسيكي، والظروف التي قادت لنشأة تلك الموجة السينمائية في هوليوود الأربعينيات والخمسينيات.

لكن تأثير الفيلم نوار استمر في حقب ومدارس سينمائية مختلفة عبر العالم، فظهر ما عُرف بالـ Neo-Noir أو النوار الحديث، وهي أفلام بالألوان، تحاكي سمات النوار بصريًا بتمايز الضوء والظلام بدلًا من تمايز الأبيض الأسود، مع الحفاظ على نفس التيمات الموضوعية ولكن بدرجات دموية أعلى.

   الفيلم نوار في السينما المصرية 

السينما المصرية عبر تاريخها كانت تعطي الأولوية للمضمون على حساب الأسلوب. فكان طبيعيًا أن يتأثر بعض المخرجيين بالفيلم نوار وأبيه الشرعي “التعبيرية الألمانية”.

لكن التأثير بقى محدودًا ومقتصرًا على استعارة بعض التقنيات البصرية على استحياء.

نادر الرفاعي، أستاذ النقد بأكاديمية الفنون، رصد وجود تطبيقات الفيلم نوار في السينما المصرية بأفلام مثل “خلخال حبيبي” للمخرج حسن رضا (1960)، و”المغامرة الكبرى” لمحمود فريد (1964).

والتطبيق في غالبه منحصر بالسمات البصرية، مثل تطويع الإضاءة الطبيعية، وتوظيف الظلال والخيال، في عدد محدود من المشاهد.

فيلم المغامرة الكبرى

فيلم المغامرة الكبرى

كذلك يسهل ملاحظة تأثر بعض أفلام عز الدين ذو الفقار بتقنيات الفيلم نوار البصرية، بالإضافة لتيماته الموضوعية.

هذا يتجلى تحديدًا في “الرجل الثاني” (1959)، والذي تتشابه أجواؤه مع الفيلم نوار الأمريكي Gilda (1944)، وكذلك “الشموع السوداء” (1960) الذي ظهر به تأثر شكلي بالفيلم نوار. ولولا المشهيات الرومانسية والنهايات السعيدة ووصلات الغناء والرقص غير المبررة في الفيلمين، لاعتبرناهما أفلام نوار خالصة.

الرجل الثاني

الرجل الثاني

   كمال الشيخ .. مؤسس الفيلم نوار في السينما المصرية 

دائما ما يطلقون على المخرج كمال الشيخ لقب “هيتشكوك الشرق”. لكنه كان ينزعج من اللقب ويعيد تصحيح المفاهيم التي أدت لانتشاره.

يقول إن هيتشكوك كان الأنجح والأشهر في تقديم أفلام الغموض والجريمة، وبالتالي يقاس عليه أي مخرج أتى بعده، لكن المخرج العالمي الذي أثر فيه بالفعل لم يكن هيتشكوك، بل الألماني “فريتز لانج”، وتحديدًا الفيلم نوار الذي قدمه 1944 The Woman in the Window، الذي غيّر نظرته للسينما وجذبه لعالم فريتز لانج.

لتفسير هذا التأثر وكيف انعكس على سينما كمال الشيخ، يجدر الذكر أن فريتز لانج لم يكن مجرد مخرج عادي عمل بهوليوود واشتهر بتقديم نوعية الفيلم نوار، بل كان أحد مؤسسي تيار التعبيرية الألمانية بأفلام مثل Dr. Mabuse وM و Metropolis، قبل أن ينضم لقافلة الفنانين الألمان الهاربين من جحيم الحزب النازي، الذين نقلوا معهم الطابع الشكلي للتعبيرية الألمانية إلى الفيلم نوار الهوليوودي.

المنزل رقم 13

المنزل رقم 13

بالفعل، يظهر تأثر تجارب كمال الشيخ الأولى بتيار الفيلم نوار في أفلام “المنزل رقم 13” و”مؤامرة”، من حيث أساليب تكوين الكادر والمونتاج التي كانت طازجة ومختلفة عما يقدم في السينما المصرية وقتها.

وتطور هذا التأثر إلى حد أن أقبل كمال الشيخ على تمصير أحد أشهر أفلام النوار الأمريكية Double Indemnity (إنتاج 1944) في فيلم “من أجل امرأة” (1959) بطولة ليلى فوزي وعمر الشريف، وذكر على التتر أن القصة مقتبسة دون تحديد مصدر الاقتباس.

مالكوم وماري | كثير من الجنس في حكاية عن تعقيدات العلاقات الزوجية | أمجد جمال

   اللص والكلاب .. أول إنتاج من الفيلم نوار في السينما المصرية 

بعدها تأكد كمال الشيخ أن الشغف الذي يملكه نحو الفيلم نوار لابد أن يخرج بشكل مكثف لا هامشي، عبر قصة مصرية صميمة تستوعب القالب:

قصة مضمونها ومظهرها سوداويان، عن بطل تقوده مطامعه وغرائزه للأهوال، وإن كان يظن في نفسه الخير.

قصة تدور حول تلاعب القدر بالإنسان، حول الغواية والغدر، وعن الأثر المدمر للنساء في حياة الرجال.

قصة عن العالم السفلي للمجرمين والخارجين عن القانون، لكن بهوية مصرية شعبية.

قصة رغم مبالغاتها الدرامية، تظل في إطار الواقعية، بعيدًا عن لمسات الفانتازيا والخيال العلمي في “المنزل رقم 13”.

وقبل كل شيء قصة تحتضنها الشوارع وأماكن التصوير الحقيقية… ويدور معظمها في الليل.

وجد كمال الشيخ ضالته في رواية نجيب محفوظ “اللص والكلاب” التي اقتبسها بفيلمه الشهير 1962.

أضف لكل ما سبق التعليق سياسي والاجتماعي الذي تقدمه حكاية سعيد مهران، حول لص متعلم تأثر بأدبيات الشيوعية عن توزيع الثروة، بعد أن خضع لشعارات الصحفي المتسلق رؤوف علوان.

اللص والكلاب.. أول فيلم نوار مصري

اللص والكلاب.. أول فيلم نوار مصري

يسرق سعيد “حقه” من المجتمع، فيتلاعب به حظه، ويُسجن بوشاية صديقه عليش.

يخرج من السجن ليجد زوجته تزوجت عليش، فيقدم على الانتقام. لكن الحظ يتلاعب به مرة أخرى وتنقلب الجريمة عليه، ويتخلى عنه ملهمه رؤوف علوان، ليصبح بعدها مطاردًا من المجتمع بكافة فئاته، مصيره مصير أبطال الفيلم نوار التقليديين: الفناء المحتم.

ذكرنا سابقًا أن طريقة توظيف الجنس والنساء في الفيلم نوار الأمريكي كانت تعود لحالة قلق ذكوري انتاب المجتمع من أن يعود الجنود من الحرب، فيجدوا هناك من حلّ محلهم، في سوق العمل، أو في فراش الزوجية.. هذه الفكرة موجودة في “اللص والكلاب” بشكل مباشر!

انغمس كمال الشيخ في تطويع أدوات الصورة السوداوية لخدمة قصة تشبهها: التمايز بين الأبيض والأسود – الكوابيس والظلام والإضاءة العضوية – مع وجود صراع ومطاردات وحالة عامة من التربص، تجعل الفيلم يزحف بحذر بين ظلال النوار.

واتخذ كمال الشيخ من شوارع منطقة القلعة والقاهرة الفاطمية مسرحًا كئيبًا لأحداثه، حضرت الشوارع بمعالمها المشهورة، وحضرت دهاليز العمارات وأسطحها وشققها المتقشفة.

باختصار حضر أول إنتاج خالص من الفيلم نوار في السينما المصرية.

اقتصاد السينما | نولان أم وارنر براذرز.. أيهما طعن الآخر؟ وهل قتلا دور العرض؟ | أمجد جمال

   الضربة الثانية .. ساندرا نشأت 

وسط سيطرة موجة الكوميديا في الألفية، ظهرت محاولات لكسر النمط من أجل سوق سينمائي أكثر تنوعًا.

ضمن هذه المحاولات “ملاكي إسكندرية” (2005)، للمخرجة ساندرا نشأت.

نجاحه كان مفاجأة نتج عنها صدور عشرات الأفلام التي تحاول تقليده بمستويات متفاوتة.

ساندرا صرحت أنها أرادت صناعة فيلم بأسلوب كمال الشيخ وهيتشكوك “لاحظ أنها ترتكب نفس مغالطة التشبيه التي رفضها الشيخ، ونسبت فيلمها خطأ لمدرسة هيتشكوك، رغم أن الفيلم لا يربطه بهيتشكوك سوى مبدأ الغموض والجريمة، لكن الأسلوب بعيد”.

الأصح أن ملاكي إسكندرية من نوعية النيو-نوار وتحديدًا قالب المحقق السري.

ويقدم القالب بشكله الكلاسيكي الذي رأيناه في أفلام Chinatown وThe Maltese Flacon وThe Big Sleep، و Laura. وبالأخص الفيلمين الأول والثاني، حيث تبدأ أحداثهما بامرأة جذابة تذهب لمكتب تحقيقات لطلب المساعدة في كشف لغز جريمة ما، فتثير فضول المحقق الوسيم صاحب الكاريزما، ويُعجب بها فيأخذ قضيتها على محمل شخصي.

وقت عرض الفيلم، اتهمه معظم النقاد بسرقة أفلام أجنبية مختلفة صدرت في التسعينيات. كل ناقد اختار الفيلم الأمريكي الذي يعرفه في تلك الفئة، واتهم السيناريست محمد حفظي بسرقته. لكن لم ينتبه جميعهم إن تفرق دماء السرقة على عدد من الأفلام في حد ذاتها تنفي التهمة، وتحيلها لمبدأ الفورمات الفني، الذي يجب أن يُشكر الكاتب على إجادته في تمصيره.

عصر هوليوود الذهبي لم يصدأ بعد (3).. كيف انتصرت لنا على السلطة الأخلاقية | أمجد جمال

بدّل حفظي مهنة المحقق السري في ذلك الفورمات والتي لا تناسب مجتمعنا ولا زمننا، بمهنة المحامي أدهم (أحمد عز) الذي ظهر في الفيلم “سوبر محامي” بقدرات بدنية وذهنية ورحلة تحرٍ أشبه بما يخوضه همفري بوجارت أو جلين فورد بأفلام المحققين الكلاسيكية.

يُعجب أدهم بسحر المتهمة بقتل زوجها لترث ثروته، ويستميت كي يبرئها من التهمة..

إنها الصورة النمطية لنساء الفيلم نوار مثل باربرا ستانويك في “تعويض مزدوج”، ولانا تيرنر في “ساعي البريد يدق الباب مرتين”.

الفارق الوحيد أن ملاكي إسكندرية اكتفى بالتمرد على موجة المضحكين الجدد، لكنه لم يتمرد على موجة السينما النظيفة التي حاصرت السينما المصرية. تلك كانت المشكلة الوحيدة في تمصير القالب الأجنبي من الفيلم نوار.

افتقدت شخصية سحر أهم سلاح عند امرأة الفيلم نوار.. “الغواية الجنسية”. وذكور السينما النظيفة لا ينجذبون جنسيًا إلا للمومسات، أما العلاقات الرومانسية فتتسم بالأفلاطونية الكاذبة.

وهكذا يظهر التناقض في شخصية أدهم الذي يصوره الفيلم في البداية كرجل شهواني وزير نساء، يتحول لقديس فاقد التستوستيرون فور إعجابه بسحر، التي تبيت في منزله ليالي دون أن يلمسها، ثم تقوده لأهوال قضيتها فيتهدد مستقبله الوظيفي، في سبيل حب بريء!

ملاكي إسكندرية

ملاكي إسكندرية

وبعيدًا عن القصة، فالأدوات السينمائية لساندرا نشأت تضافرت لتؤكد أن فورمات الفيلم نوار كان مسيطرا في لا وعيها أثناء صناعة ملاكي إسكندرية.

نلاحظ التركيز على جعل معظم المشاهد ليلية، فمثلًا سحر تذهب لمكتب المحاماة ليلًا لا نهارًا، وتجد كل الموظفين في انتظارها. سيرد أحدهم بأن بعض مكاتب المحاماة تعمل بطاقتها في الليل فعلًا، لكني أراه هنا خيارًا أسلوبيًا، يتناسب مع الصورة السوداوية ببقية مشاهد الفيلم.

استخدام أسلوب الراوي في سرد الفلاشباك، توظيف المرايا والظلال وتمايز الضوء مع الظلام خاصة في لقطات المحاكاة للجريمة، وهطول الأمطار،

وتتكرر نفس الأجواء في المواجهة الساخنة بين أدهم ولولا (نور) داخل فيلتها مع نهايات الفيلم،

كذلك لقاءات أدهم وأصدقائه كانت كلها تحدث في الشوارع ليلًا.

وحتى المطاردة الشهيرة بين أدهم وشقيق سحر التي دارت في النهار، لكنه كان نهارًا معتما بتقنيات تصحيح الألوان، وليس نهارًا طبيعيًا في دولة حارة وجافة كمصر.

من الجائز أن كمال الشيخ أو ساندرا نشأت لم يقصدا صناعة الفيلم نوار بشكل واع، وربما لم يسمع أحدهما بالمصطلح، لكن هذا لا يعني أن ما قدماه إلى السينما المصرية لم يكن فيلم نوار.


 

رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك