مالكوم وماري | كثير من الجنس في حكاية عن تعقيدات العلاقات الزوجية | أمجد جمال

مالكوم وماري | كثير من الجنس في حكاية عن تعقيدات العلاقات الزوجية | أمجد جمال

25 Feb 2021

أمجد جمال

ناقد فني

سينما عالمية
رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك
حجم الخط

في آخر حوارات المخرج الكبير ديفد فينشر يسأله أحدهم عن خطوته التالية بعد فيلمه Mank الذي طرحته نتفلكس ديسمبر 2020، فيجيب ساخرًا: “اعتمادًا على الطريقة التي سيستقبل بها الجمهور مانك، فإما إنني سأسأل إدارة نتفلكس بخجل عما يمكنني فعله لإثبات كفاءتي، وإما سأتحدث إليهم بعجرفة مطالبًا بصناعة المزيد من الأفلام بالأبيض والأسود”.

لكن نتفلكس لم تكن بحاجة لانتظار نتيجة أداء مانك كي تعطي مزيدًا من الفرص لصناع السينما الجادين بتقديم مشاريعهم الطموحة سواء بالألوان أو بالأبيض والأسود، وسواء كان اسمهم الثنائي “ديفد فينشر” أو “سام ليفنسون”.

   نزوة فنية مكتملة 

سام ليفنسون اسم لم نسمع به كثيرًا من قبل، لكنه فاجأ الجميع بفيلمه الأحدث مالكوم وماري Malcolm & Marie الذي يعد حلقة جديدة من الزخم السينمائي الذي صنعته نتفلكس في الشهور الأخيرة، كمّا وكيفًا.

كتب وأنتج وأخرج سام ليفنسون فيلمًا يدور في مكان داخلي واحد، لا يظهر به سوى شخصيتين، يتناول ليلة في حياة مخرج سينمائي يجادل زوجته لمدة تزيد عن الساعة والنصف ساعة حول تفاصيل فيلمه الأخير وعلاقتهما الزوجية.

ذكرنا أنه بالصورة الأبيض والأسود؟

نقف أمام نزوة فنية مكتملة، في وقت ربما هو الأنسب لتلك النزوات. مالكوم وماري منذ دقائقه الأولى لا يدعي أنه فيلم لتسلية الجميع. صانعه يشرّح علاقة معقدة بين رجل وامرأة، يناقش أحوال السينما والثقافة في عصر الصحوة والصوابية، يشخص الأزمات النفسية لفناني هذا العصر، يتتبع مصادر إلهامهم، ويقيم علاقة الحب/ الكره بينهم وبين النقاد بشكل جريء. ويجيب على سؤال: كيف ينعكس الواقع على الحكايات؟

   تيمة بيضاء.. بأبطال سود 

تيمات تبدو برجوازية بيضاء ومن منظور سام ليفنسون (الذكر الأبيض)، باستثناء أن البطلين هنا من أصحاب البشرة السوداء، وهي من المفارقات التي يستثمرها ليفنسون لاحقًا حين يهاجم مالكوم النقاد الذين لا يتوقعون من السود سوى أفلام عن العنصرية.

تبدأ أحداث مالكوم وماري بعودة المخرج مالكوم إليوت (جون ديفد واشنطن) وزوجته ماري (زيندايا) لمنزلهما في ساعة متأخرة من الليل بعد نهاية العرض الخاص لآخر أفلام مالكوم.

عدسة خجولة تتلصص عليهما حتى تذوب بالتدريج لتصبح جزءًا من المنزل. أصوات ثرثرة هنا وهناك، مع موسيقى جاز تصدح في أرجاء المنزل،

مالكوم منتشٍ بسبب ردود الأفعال الإيجابية التي تلقاها خلال الليلة من النقاد والصحفيين، ويقص على ماري كل جملة سمعها خلال الليلة، ويسترسل في نظرياته حول غباء النقاد البيض الذين لا يرون في قصص السود إلا تيمة العنصرية، لكن ماري تبدو أقل تفاعلًا مع حديثه.

الأداء التمثيلي بين البطلين

   صراع زوجي بلغة سينمائية 

يؤهلنا سام ليفنسون لوجود شرخ ما في العلاقة بين الزوجين بأبجديات سينمائية بحتة، رغم أن موضوع الحديث لم يبدأ حول علاقتهما، لكن أسلوب عرض الحديث يكشف تأزم العلاقة؛

كأن تشكك ماري دائمًا في نظرياته عن فنه وعن نقاده، كأن يتبادلا الحديث من غرف متباعدة، كأن يطغى صوت الموسيقى فيمنعهما من سماع بعضهما، كأن يلتهم مالكوم وجبة المعكرونة وحده ولا تشاركه ماري الوجبة أو الشهية ..إلخ

في لقطة، تذهب ماري لتقضي حاجتها أمام الكاميرا، بينما مالكوم يعدّ للسهرة.

يعرض سام ليفنسون ممارسة قضاء الحاجة للشخصيات أكثر من مرة طوال الفيلم، كل مرة منهم عبرت عن شيء مختلف: المرة الأولى استهدفت الفصل بين مالكوم كطرف نرجسي، وماري كطرف متواضع وصادق؛ لأن إظهار قضاء الحاجة على الشاشات يؤنسن الشخصيات.

ماري تقضي حاجتها

أردت مما سبق توضيح أن طبيعة الكثافة الحوارية التي يقوم عليها الفيلم لا تعني أننا أمام مجرد وصلات طويلة من الرغي، بل أن لغة السينما حاضرة بقوة.

   تسريبات حوارية 

نعرف جزءًا كبيرًا من تاريخ الشخصيات عن طريق التسريبات الحوارية، والتي وظفها سام ليفنسون بشكل جيد؛ فالمعلومات لا تفلت بشكل مجاني بل عن طريق صراع وأسئلة تفرض نفسها.

لماذا لم يوجه مالكوم الشكر لزوجته في خطاب افتتاح الفيلم أمام الإعلام مثلما قدمه لجميع من يعرفهم؟

لماذا يحاول التملص من إسهام زوجته في الفيلم سواء بالمساعدة المباشرة أو الإلهام؟

لماذا لم يسند لها دور البطولة رغم أنها أبدت رغبتها فيه سابقًا؟

هذه بعض الأسئلة التي تسلم مالكوم وماري لنقاط الصراع المحورية. ولحسم كل سؤال، نسمع من كل طرف نسخته عن الحقيقة، وكلما سمعنا كلما زادت حيرتنا بالحكم على المخطئ، وإن لم يقل شغفنا لسماع المزيد.

   ليس قصة زواج 

البعض يعتبر مالكوم وماري هو النسخة السوداء لفيلم Marriage Story؛ لأن الفيلمين يتناولان صراعًا بين زوجين يمتهنان نفس المهن (مخرج وممثلة).

رغم هذا التشابه، لم أربط في لحظة بينهما أثناء المشاهدة؛ ربما بسبب الاختلاف الشاسع بين أساليب الفيلمين، ولأن مالكوم وماري ليس فيلمًا عن الانفصال مثل السابق، بل عن ذلك الجانب المزعج في العلاقات، ويقدم هذا الجانب كجزء من ضريبة الحب لا كسبب للانفصال.

لو هناك فيلم استعار مالكوم وماري بعض جيناته فعلًا فسيكون تحفة مايك نيكولز الكلاسيكية Who’s Afraid of Virginia Woolf:

يدور في ليلة واحدة ببناء درامي مطابق، يرصد علاقة متأزمة بين زوجين، يملك نفس الخواص البصرية والطابع المسرحي والأداء التمثيلي المتفجر، نفس أسلوب التسريبات الحوارية، نفس جرعات التوتر النفسي والجنسي.

   فيلم داخل فيلم 

لكن أكثر السمات طزاجة فيما يقدمه مالكوم وماري هو علاقة التناص بين الفيلم (الذي أخرجه سام ليفنسون) والفيلم داخل الفيلم (الذي أخرجه البطل مالكوم).

هذا التناص يتم التعبير عنه بتمرير بعض العيوب المتعمدة التي تثير حواسنا النقدية، ليرد علينا الفيلم بنفس الطريقة التي يرد بها مالكوم على ناقدة لوس أنجلوس تايمز.

فمثلًا، يبدأ الفيلم بساوندتراك ينتمي لموسيقى الجاز، وهو كليشيه متكرر في معظم أفلام السود. بعدها بدقائق يعترض مالكوم بشكل هيستيري على جملة قالتها الناقدة عن فيلمه بأنه “Jazzy”.

كذلك نلاحظ كثرة في عدد المشاهد الجنسية بين الزوجين، فكان يعقب كل جدل يخوضانه ممارسة حميمة، كما تظهر البطلة زيندايا طوال الفيلم بملابس كاشفة،

لكن قبل أن نلوم الفيلم على هذه المبالغة الإيروتيكية أو نتهم ليفنسون بتسليع جسد زيندايا، نجد ناقدة لوس أنجلوس تايمز تقوم بهذا الدور بدلًا عنا، فتحيل نفس التهمة لمالكوم! وتقول أنه تخلى عن النظرة العنصرية البيضاء لشخصياته؛ لأنه أسود، لكن لم يتخل عن نظرة الذكر الشهواني للنساء؛ لأنه رجل!

المبالغة في عدد المشاهد الجنسية

وهكذا يتلاعب بنا مالكوم وماري بألاعيب فكرية جذابة حول السرد والميتا-سرد. فيجعل الفيلم ينقد نفسه ويسخر منها، ويستخدم هذه السمة ليدين البطل وهواجسه عن نفسه ونرجسيته التي تحوله لعصابي في رفض كلام النقاد، ومن قبلها إنكار فضل زوجته عليه. فيأتي الميتا-سرد وكأنه يعطينا الدليل بأن النقاد على حق.

   مزايا.. وعيب 

زيندايا في الفيلم تقدم أداءًا جامحًا في عاطفته سيمثل نقلة في مشوارها للعب مزيد من الأدوار الناضجة والخروج من الصورة المراهقة التي ارتبطت بها.

جون ديفد واشنطن، أيضًا، يقدم شخصية مالكوم بالطريقة الأنسب، منفر ومزعج وممتلئ بكبريائه، إذا لم تحب شخصيته فاعلم أنه نجح في وظيفته كممثل.

ما كان ينقص أداء سام ليفنسون الإخراجي هو مزيد من الانسيابية في التنقل بين جدل وآخر طوال الليلة التي تدور بها الأحداث، فالفواصل أصابها قليل من الرتابة والمواجهات الزوجية شابها بعض الإعادة،

لكن يحسب له تحكمه في زمن ومكان الأحداث وتوزيع الشخصيات على الموقع بصورة دينامية جعلتنا نستكشف مزيدا من المكان مع استكشاف تفاصيل العلاقة واحتدام الصراع، ساعد على ذلك الإضاءة المتميزة، وخيارات الكاميرا المتنوعة في توليف اللقطات تارة بالحركة وأخرى بالثبات.

مالكوم وماري فيلم ذكي وجمالي، وليس للجميع، لكنه قادر على تجميع جمهوره من دقائقه الأولى، وصرف الآخرين في نفس المدة.


رابط مختصر
للمشاركة لـ فيسبوك

موضوعات متعلقة

التعليقات (0)

يجب عليك .. تسجيل الدخول أو التسجيل لتتمكن من التعليق.

تعليقات الفيسبوك